الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 19، 2026

مدرسة الفوتسال المغربية تصنع جيلاً جديداً من أبطال العالم : عبده حقي


لم يعد تتويج منتخب مغربي لكرة القدم داخل القاعة في دورة دولية حدثاً عابراً يمكن اختزاله في نتيجة مباراة أو كأس تضاف إلى خزانة الألقاب، بل صار مؤشراً على تحول أعمق يعيشه الفوتسال المغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت هذه الرياضة من موقع الهامش داخل المشهد الكروي إلى واحدة من أكثر التجارب الرياضية المغربية قدرة على إنتاج النتائج والاستمرارية والتنافس مع مدارس كانت إلى وقت قريب تبدو بعيدة المنال. وجاء تتويج المنتخب الوطني المغربي لأقل من 21 سنة بلقب Futsal Week Men’s October Cup 2026 في كرواتيا، بعد الانتصار في المباراة النهائية على المنتخب الفرنسي بخمسة أهداف مقابل ثلاثة، ليمنح دليلاً جديداً على أن النجاح المغربي في كرة القدم داخل القاعة لم يعد مرتبطاً فقط بجيل المنتخب الأول، وإنما بدأ يمتد إلى الفئات الشابة التي يفترض أن تحمل المشروع خلال السنوات المقبلة.

النهائي الذي جرى يوم 18 أكتوبر 2026 لم يكن مجرد مباراة انتهت بفارق هدفين، فقد قدم جيلاً مغربياً جديداً يمتلك الجرأة الهجومية والقدرة على تسجيل الأهداف في اللحظات الحاسمة، حيث وقع أسامة البويش ثنائية، وأضاف بدر أحيب وأسامة بنبراهيم وأيمن لغريسي الأهداف الأخرى، بعدما كان المنتخب قد بلغ المباراة النهائية إثر فوز كاسح على سان مارينو بسبعة أهداف دون مقابل. وتبدو هاتان النتيجتان في حد ذاتهما جديرتين بالتوقف، ليس بسبب عدد الأهداف فقط، ولكن لأنهما تكشفان أن كرة القدم داخل القاعة المغربية تملك اليوم قاعدة بشرية أوسع من المنتخب الأول، وأن أسماء جديدة بدأت تقترب تدريجياً من واجهة المنافسة الدولية.

قيمة هذا التتويج تظهر بصورة أوضح عندما يوضع داخل السياق العام للفوتسال المغربي. فمن السهل أن تمتلك دولة جيلاً استثنائياً يحقق نتائج خلال فترة محدودة ثم يتراجع بمجرد اعتزال عناصره الأساسية، لكن بناء مدرسة حقيقية يبدأ عندما تستطيع المنظومة إنتاج جيل ثان وثالث يحتفظان بالخصائص الفنية والتنافسية نفسها تقريباً. وهنا تحديداً يكتسب لقب منتخب أقل من 21 سنة أهميته؛ لأنه يرسل إشارة بأن المشروع لم يعد محصوراً في أسماء المنتخب الأول، وأن هناك عملاً على مستوى الأعمار الأصغر يمكن أن يؤمن الانتقال بين الأجيال.

الفوتسال لعبة قاسية من هذه الناحية، فهي تحتاج إلى سرعة قرار شديدة، وقدرة عالية على اللعب في المساحات الضيقة، وإتقان التحولات بين الدفاع والهجوم خلال ثوان قليلة، إضافة إلى مهارات فردية لا تكفي وحدها إذا لم تدخل ضمن تنظيم جماعي صارم. لذلك فإن الفوز في بطولة دولية للفئات العمرية يعني أن اللاعب المغربي الشاب أصبح يتدرب ويتنافس وفق معايير أقرب إلى كرة الصالات الحديثة، لا وفق منطق المهارة الفردية العفوية وحدها.

صعود الفوتسال المغربي لم يبدأ في كرواتيا سنة 2026. المنتخب الأول بنى خلال العقد الأخير مساراً قارياً شديد القوة، إذ توج بكأس إفريقيا ثلاث مرات متتالية في نسخ 2016 و2020 و2024. وفي نهائي نسخة 2024 بالرباط، هزم المنتخب المغربي نظيره الأنغولي بنتيجة خمسة أهداف مقابل هدف واحد، مؤكداً مكانته بوصفه القوة الأبرز في القارة خلال تلك المرحلة.

والأهم أن التفوق المغربي لم يبق حبيس الحدود الإفريقية. ففي كأس العالم لكرة القدم داخل القاعة وصل المغرب إلى ربع النهائي في نسختي 2021 و2024 توالياً، وهو أفضل إنجاز له في تاريخ مشاركاته المونديالية حتى الآن، بعدما أصبح حضوره في كأس العالم أكثر انتظاماً وثقلاً. وتؤكد معطيات الاتحاد الإفريقي أن المغرب شارك في أربع نسخ متتالية من كأس العالم بين 2012 و2024، بينما تحول الوصول إلى الأدوار الإقصائية من حلم بعيد إلى هدف واقعي.

في مونديال أوزبكستان 2024 مثلاً، حسم المنتخب المغربي تأهله إلى الدور الثاني بعد الفوز على بنما بستة أهداف مقابل ثلاثة، في مباراة كشفت قدرته على التعامل مع منافسين ينتمون إلى مدارس مختلفة، وهو جانب بالغ الأهمية في تقييم تطور أي منتخب؛ لأن السيطرة الإقليمية لا تكفي للحكم على المستوى الحقيقي ما لم يتم اختبارها أمام منتخبات آسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية.

لا يمكن الحديث عن هذه الطفرة من دون التوقف عند الدور الذي لعبه الإطار الوطني هشام الدكيك مع المنتخب الأول. فاستمرار النتائج تحت قيادته لسنوات منح المنتخب المغربي شيئاً بالغ الأهمية في كرة القدم الحديثة: الهوية. المنتخب المغربي لا يدخل الملعب اليوم باعتباره فريقاً يبحث عن مفاجأة خصم أكبر منه، بل غالباً ما يحاول فرض أسلوبه، الاستحواذ على مساحات اللعب، الضغط السريع، واستعمال المهارة الفردية داخل تنظيم جماعي واضح.

وقد حقق المغرب تحت قيادة الدكيك ثلاثة ألقاب إفريقية متتالية، وهو إنجاز جعل المنتخب مرجعاً قارياً ودفع خصومه إلى التعامل معه باعتباره الفريق المطلوب إسقاطه لا المنتخب الباحث عن الاعتراف.

وتزداد أهمية هذا التحول لأن النجاح لم يعد يقاس بالألقاب الجماعية فقط. ففي كأس إفريقيا 2024 احتكر لاعبو المغرب تقريباً أبرز الجوائز الفردية؛ إذ اختير بلال البقالي أفضل لاعب في البطولة، وسفيان الشعراوي هدافاً، وعبد الكريم أنبيا أفضل حارس. وهي نتائج تدل على أن التفوق المغربي لم يكن حصيلة مباراة نهائية موفقة، بل نتيجة تفوق فني ممتد عبر مختلف مراكز اللعب.

السؤال الذي يطرحه لقب كرواتيا يتجاوز فرحة التتويج: هل نجح المغرب فعلاً في بناء جيل قادر على خلافة نجوم المنتخب الأول؟

الإجابة ما زالت تحتاج إلى سنوات حتى تصبح نهائية، لكن المؤشرات تبدو مشجعة. اللاعب الذي ينافس دولياً في سن التاسعة عشرة أو العشرين ويتعلم التعامل مع النهائيات والسفر والضغط والمنتخبات المختلفة، يصل إلى المنتخب الأول وهو يمتلك رصيداً من الخبرة لم يكن متاحاً للأجيال السابقة بالدرجة نفسها. بطولة مثل Futsal Week قد لا تحمل مكانة كأس عالم أو بطولة قارية رسمية، لكنها توفر مختبراً مهماً لاختبار اللاعبين وتطوير شخصياتهم الرياضية.

الفوز على فرنسا في النهائي يحمل أيضاً قيمة رمزية وتقنية. المنتخب الفرنسي يمثل بلداً يطور كرة الصالات بصورة ملحوظة، وبالتالي فإن الانتصار عليه بخمسة أهداف مقابل ثلاثة يمنح اللاعبين المغاربة الشباب شعوراً بأن مواجهة المنتخبات الأوروبية لم تعد مرتبطة بعقدة الاسم أو التاريخ.

الخطأ الذي يمكن أن تقع فيه أي منظومة ناجحة هو الاعتقاد بأن الانتصارات ستستمر تلقائياً. كرة القدم داخل القاعة تتطور بسرعة كبيرة، والدول التي لم تكن حاضرة بقوة قبل عقد بدأت تستثمر في الأكاديميات والتحليل الرقمي والعلوم الرياضية والتكوين المتخصص. ولهذا فإن الرهان المغربي المقبل لا ينبغي أن يكون فقط على الحفاظ على المنتخب الأول، بل على توسيع قاعدة الممارسة داخل الأندية والمدارس.

المغرب يحتاج إلى اكتشاف اللاعب المتخصص في الفوتسال مبكراً، بدل الاعتماد فقط على انتقال بعض المواهب من كرة القدم العادية إلى الصالات. الفوتسال اليوم رياضة مستقلة لها تقنياتها وأنظمتها التدريبية الخاصة، والحارس فيها يؤدي وظائف مختلفة، والتحركات بدون كرة لها منطق آخر، وإدارة المساحة والزمن تختلف جذرياً عن كرة القدم في الملاعب الكبيرة.

وكلما بدأ تكوين اللاعب في سن أصغر، ارتفعت قدرته على اكتساب هذه الثقافة بصورة طبيعية. ولهذا تبدو منتخبات U19 وU21 وغيرها جزءاً مركزياً من المشروع لا ملحقاً بالمنتخب الأول.

المنتخب القوي يحتاج دائماً إلى بطولة محلية قوية. هنا يظهر أحد التحديات الكبرى أمام الفوتسال المغربي في المرحلة المقبلة: تحويل النجاح الدولي إلى اقتصاد رياضي محلي قادر على رفع جودة الأندية، وتحسين ظروف اللاعبين، وجذب الجمهور، وتطوير النقل التلفزيوني والتسويق.

إذا ظل المنتخب الوطني متقدماً كثيراً على البنية اليومية للأندية، فإن الاستمرارية ستصبح أكثر صعوبة. أما إذا تحولت البطولة الوطنية إلى فضاء تنافسي يجذب المواهب والمدربين والمستثمرين والإعلام، فإن المنتخب سيستفيد من قاعدة أوسع بكثير.

ينبغي أيضاً أن تصبح مباريات الفوتسال حدثاً جماهيرياً أكثر حضوراً في المدن المغربية، وألا تظل هذه الرياضة تظهر في الاهتمام الإعلامي فقط عندما يفوز المنتخب بلقب أو يشارك في كأس العالم. بناء مدرسة لا يتم داخل التجمعات التدريبية للمنتخب وحدها، بل يبدأ من القاعة المحلية والمدرب القاعدي والبطولة المدرسية والجامعة والنادي.

المفارقة الجميلة في أكتوبر 2026 أن تتويج منتخب U21 في كرواتيا جاء بينما كان المنتخب الأول نفسه يخوض كأس إفريقيا للفوتسال على أرض المغرب بحثاً عن لقب قاري رابع على التوالي. وحتى نهاية دور المجموعات كان المنتخب المغربي قد أنهى مجموعته في الصدارة، ومن بين نتائجه الفوز على ليبيا بستة أهداف دون مقابل، مؤكداً أن مستوى الجيل الحالي ما زال مرتفعاً.

هذا التزامن بين نتائج المنتخب الأول وصعود منتخب الشباب ربما يمثل اللحظة الأهم في المشروع كله؛ لأن النجاح المستدام لا يقاس بقوة القمة وحدها، بل بعدد الطبقات التي توجد تحتها.

اليوم يملك المغرب جيلاً أول ينافس قارياً وعالمياً، وتظهر خلفه مجموعة جديدة تحصد بطولة دولية في أوروبا. وإذا استمرت عملية التكوين والمسابقات والاحتكاك الدولي بالوتيرة نفسها، فقد يتحول الفوتسال المغربي من قصة نجاح إفريقية إلى مدرسة ذات حضور عالمي دائم.

الطموح المقبل يجب ألا يتوقف عند التأهل إلى كأس العالم أو بلوغ ربع النهائي مرة أخرى. بعد ربع نهائي 2021 وربع نهائي 2024، يصبح السؤال المشروع هو: متى يدخل المغرب مربع الكبار؟ ومتى يصبح بلوغ نصف نهائي كأس العالم هدفاً معلناً لا مجرد حلم؟

كرواتيا قدمت هذا الأسبوع جزءاً من الجواب. فالأجيال الجديدة موجودة، والمواهب تظهر، والانتصار على فرنسا في النهائي ليس نهاية قصة بل بداية اختبار أكبر. والتحدي الآن هو تحويل هذه اللحظة إلى استمرارية مؤسساتية تجعل اللاعب المغربي القادم إلى منتخب الكبار لا يبدأ من الصفر، وإنما يدخل منظومة يعرف لغتها وفلسفتها ومتطلباتها منذ سنوات التكوين الأولى.

إن أعظم ما حققه الفوتسال المغربي خلال السنوات الماضية ليس الكؤوس وحدها، رغم أهميتها، وإنما تغيير صورة المغرب داخل هذه الرياضة. أصبح المنتخب المغربي يدخل المنافسات الكبرى وهو يحمل صفة المرشح، وأصبحت مواجهة أسود الأطلس اختباراً صعباً للمنتخبات المنافسة. وإذا كان المنتخب الأول قد صنع هذا الاحترام، فإن منتخب أقل من 21 سنة يرسل من كرواتيا رسالة واضحة مفادها أن وراء الجيل الحالي جيلاً آخر يطرق الباب.

وهنا بالضبط تبدأ ملامح المدرسة: عندما يصبح النجاح قابلاً للتوريث، والخبرة قابلة للانتقال، والقميص الوطني أكبر من أسماء جيل واحد.


0 التعليقات: