من 24 إلى 31 أكتوبر من كل عام، يفتح العالم نافذة واسعة للنقاش حول واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بمستقبل الإنسان في البيئة الرقمية، هي الدراية الإعلامية والمعلوماتية، وليس من قبيل المصادفة أن تزداد أهمية هذا الأسبوع عامًا بعد عام، فالمجتمعات لم تعد تعيش فقط وسط وفرة غير مسبوقة من الأخبار والصور والفيديوهات والمنشورات، بل أصبحت محاطة بمنظومة معلوماتية شديدة التعقيد تتحكم فيها منصات رقمية وخوارزميات توصية ومحركات بحث وأنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع فيديو يصعب أحيانًا التمييز بينها وبين المواد الحقيقية. ولهذا يبدو الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية في سنة 2026 أكثر من مجرد موعد توعوي عابر، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل ما زال الإنسان قادرًا على أن يكون سيد قراره المعرفي، أم أن جزءًا متزايدًا مما يراه ويقرأه ويصدقه تحدده له منظومات رقمية لا يعرف آليات عملها؟
اختارت اليونسكو لأسبوع 2026 شعار «كلنا نؤدي دورًا – الدراية الإعلامية والمعلوماتية من أجل الناس»، وهو شعار يحمل في جوهره انتقالًا مهمًا من النظر إلى التربية الإعلامية باعتبارها مسؤولية المدارس أو الصحفيين وحدهم إلى اعتبارها مسؤولية اجتماعية مشتركة تشمل الحكومات والمدرسين والباحثين والصحفيين والشباب وصناع المحتوى والمنظمين والآباء والمجتمع المدني. فالمعلومة لم تعد تُنتج داخل المؤسسات الإعلامية فقط، وإنما يمكن لأي مواطن يحمل هاتفًا ذكيًا أن يتحول في ثوان إلى منتج للمحتوى وناشر له، وأن تصل مادته إلى آلاف أو ملايين المستخدمين، وهو تحول ديمقراطي من جهة لكنه يحمل مخاطر كبيرة من جهة أخرى إذا لم تصاحبه ثقافة التحقق والمسؤولية والوعي بأخلاقيات النشر.
إنني أعتقد أن أهم تحول يجب أن ننتبه إليه اليوم هو أن الأمية لم تعد تعني فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة. لقد ظهرت أشكال جديدة من الأمية أكثر تعقيدًا وخطورة: الأمية الرقمية، والأمية الإعلامية، والأمية الخوارزمية، بل وربما علينا أن نتحدث اليوم عن أمية خاصة بالذكاء الاصطناعي. يستطيع الإنسان أن يكون قارئًا جيدًا ومتعلمًا ويحمل شهادة جامعية، ومع ذلك يقع بسهولة في فخ صورة مولدة اصطناعيًا أو خبر مضلل أو مقطع فيديو مجتزأ من سياقه أو حساب ينتحل هوية مؤسسة إعلامية أو شخصية عامة. فالمشكلة لم تعد في الوصول إلى المعلومة، بل في القدرة على الحكم عليها.
ولهذا تشمل الدراية الإعلامية والمعلوماتية مجموعة واسعة من القدرات، من البحث عن المعلومة والوصول إليها إلى تقييم مصدرها وسياقها وأدلتها، ثم استخدامها ونشرها بطريقة مسؤولة. وهي بهذا المعنى ليست مادة دراسية محدودة، وإنما ثقافة كاملة للتعامل مع العالم. فالمواطن الذي يقرأ عنوانًا مثيرًا ولا يفتح الخبر، أو يشارك صورة دون معرفة تاريخها، أو يصدق مقطعًا لأنه ينسجم مع أفكاره السابقة، لا يمارس استهلاكًا بريئًا للمعلومة، بل يدخل من دون أن يشعر في سلسلة إنتاج التضليل وتوزيعه.
وقد ازدادت المسألة تعقيدًا مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي. قبل سنوات قليلة كان التلاعب بالصورة أو الفيديو يحتاج إلى مهارات تقنية متخصصة، أما اليوم فأصبح بالإمكان إنشاء صورة واقعية أو محاكاة صوت أو تركيب مشهد كامل في زمن قصير للغاية. وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي شر في ذاته، فهو يقدم إمكانات هائلة في التعليم والصحافة والبحث والترجمة والإبداع، لكنه يجعل مهارة التحقق أكثر ضرورة من أي وقت مضى. وقد وضعت الأمم المتحدة واليونسكو بالفعل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والدراية الإعلامية في صلب النقاش العالمي، لأن المواطن يحتاج اليوم إلى فهم ليس فقط «ماذا تقول المعلومة؟»، بل أيضًا «من أنتجها؟ وهل أنتجها إنسان أم آلة؟ وعلى أي بيانات؟ ولماذا ظهرت أمامي أنا تحديدًا؟».
إن السؤال الأخير يقودنا مباشرة إلى الخوارزميات. فالناس لا يرون على شبكات التواصل الاجتماعي العالم كما هو، وإنما يرون نسخة منتقاة منه. الخوارزمية تقرر ما يظهر أولًا، وما يتكرر، وما يختفي في الأسفل، وما تقترحه علينا بعد كل فيديو أو منشور. ومع مرور الوقت يمكن أن يتحول هذا الانتقاء إلى بيئة معرفية مغلقة يرى فيها الفرد باستمرار الأفكار التي تشبه أفكاره، فيتوهم أنها تمثل الحقيقة كلها أو أنها موقف الأغلبية الساحقة. وهنا تصبح الدراية الإعلامية أيضًا دراية خوارزمية: أن ندرك أن ترتيب المحتوى ليس بريئًا، وأن الانتشار ليس بالضرورة دليلًا على الصحة، وأن ملايين المشاهدات لا تحول الادعاء الكاذب إلى حقيقة.
كما أن التضليل المعاصر لا يعتمد دائمًا على الكذب الكامل. أحيانًا تكون أخطر المعلومات تلك التي تحتوي جزءًا صحيحًا محاطًا بسياق مزيف. يمكن استعمال صورة حقيقية من حدث قديم وإعادة نشرها وكأنها حدثت اليوم، أو اقتطاع جملة من خطاب طويل، أو تقديم رقم حقيقي دون تفسير ظروفه ومصدره، أو تركيب عنوان مثير فوق دراسة علمية تقول شيئًا مختلفًا تمامًا. ولهذا لا ينبغي أن يقتصر تعليم التحقق على السؤال البسيط «هل الخبر صحيح أم كاذب؟»، بل يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر دقة: هل السياق صحيح؟ هل المصدر أولي؟ هل العنوان يعكس المحتوى؟ هل هناك مصادر مستقلة أخرى تؤكد الادعاء؟ وماذا جرى حذفُه من الرواية؟
وتتحمل الصحافة في هذا المجال مسؤولية مضاعفة. ففي بيئة رقمية تكافئ السرعة والانفعال، أصبح إغراء السبق والمشاهدة والنقر قويًا للغاية، وقد تجد بعض المؤسسات نفسها أمام مفاضلة صعبة بين التحقق البطيء والانتشار السريع. لكنني أرى أن قيمة الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون في منافسة المنصات على السرعة فقط، فآلة تستطيع بالفعل تلخيص آلاف الوثائق خلال دقائق، وإنما ستكون القيمة الأساسية للصحفي في الثقة والتحقق والسياق والمساءلة والاستقلالية. كلما ازداد المحتوى الآلي ازداد احتياج المجتمع إلى الصحافة التي تستطيع أن تقول للقارئ: تحققنا من هذا، وهذا مصدره، وهذا ما نعرفه، وهذا ما لا نعرفه بعد.
والمدرسة بدورها لا تستطيع أن تبقى خارج هذا التحول. الطفل الذي يدخل اليوم إلى الإنترنت في سنواته الأولى لا ينبغي أن ينتظر إلى المرحلة الجامعية لكي يتعلم الفرق بين المصدر والإعلان والإشاعة والتلاعب. يجب أن تصبح الدراية الإعلامية جزءًا من التربية المبكرة، مثلها مثل القراءة والحساب، وأن يتعلم التلميذ منذ البداية أن محرك البحث لا يقدم حقيقة مطلقة، وأن أول نتيجة ليست دائمًا أفضل نتيجة، وأن عدد المتابعين ليس معيارًا للخبرة، وأن المؤثر ليس بالضرورة صحفيًا أو عالمًا أو متخصصًا، وأن المحتوى المدفوع ينبغي تمييزه عن المحتوى المستقل.
ولا يمكن أيضًا إعفاء الأسرة من المسؤولية. لقد أصبح الهاتف الذكي بالنسبة إلى كثير من الأطفال نافذة أولى على العالم، وقد يعرف الطفل استخدام التطبيقات أكثر من والديه، لكنه لا يمتلك بالضرورة الخبرة النفسية والمعرفية التي تسمح له بفهم آليات الإقناع والاستهداف الإعلاني وجمع البيانات. ولذلك ينبغي أن تنتقل التربية الأسرية من مراقبة عدد الساعات فقط إلى الحوار حول نوع المحتوى: ماذا شاهد الطفل؟ لماذا صدقه؟ من نشره؟ لماذا يعتقد أن هذا المؤثر موثوق؟ وما الذي تفعله المنصة ببياناته واهتمامه؟
أما صناع المحتوى، فقد أصبحوا جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي العالمي، ولهذا خصص برنامج أسبوع 2026 أنشطة مرتبطة بهم إلى جانب فعاليات حول التعليم الرسمي والشباب وصناع السياسات والمدن والدراية الإعلامية في إفريقيا وغيرها من المجالات. وهذا يعكس تحولًا واضحًا: المجال الإعلامي لم يعد مقصورًا على الصحف والإذاعات والتلفزيون، بل صار موزعًا بين مؤسسات وأفراد ومنصات وجماعات رقمية ومؤثرين وآلات توليد محتوى. وكل عنصر داخل هذه المنظومة يحتاج إلى قواعد للمسؤولية والشفافية.
وتزداد أهمية هذا الموضوع في عالم عربي يتوسع فيه استعمال الإنترنت والهواتف الذكية بسرعة كبيرة، بينما لا تتطور التربية الإعلامية دائمًا بالمستوى نفسه. نحن في حاجة إلى الانتقال من حملات موسمية للتحذير من «الأخبار الزائفة» إلى سياسة ثقافية وتعليمية متكاملة. الجامعات مطالبة بإنتاج أبحاث حول الخوارزميات والتضليل، والمدارس مطالبة بإدخال مهارات التحقق ضمن مناهجها، ووسائل الإعلام مطالبة بتطوير وحدات للتدقيق، والمكتبات والمراكز الثقافية قادرة على تنظيم ورشات مفتوحة للمواطنين، كما يمكن للمجتمع المدني أن يؤدي دورًا مهمًا في الوصول إلى الفئات الأقل استفادة من برامج التربية الرقمية.
وفي المغرب تحديدًا، أرى أن الدراية الإعلامية والمعلوماتية يمكن أن تتحول إلى أحد مكونات المواطنة الرقمية الحديثة. انتشار الهواتف الذكية وشبكات التواصل يجعل المواطن المغربي جزءًا مباشرًا من الدورة الإعلامية؛ فهو قارئ وناشر ومعلق ومصور وموزع للمعلومة في اللحظة نفسها. ومن ثم فإن الاستثمار في ثقافة التحقق ليس شأنًا إعلاميًا ضيقًا، بل استثمار في المجتمع والتعليم والأمن الرقمي والثقة العامة. ويمكن للمدارس والجامعات والمكتبات ومؤسسات الإعلام والتكوين أن تبني برامج عملية يتعلم فيها الشباب البحث العكسي عن الصور، وفحص مصادر الفيديوهات، والتعرف إلى الحسابات المزيفة، وفهم الإعلانات الموجهة، ومراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي قبل استخدامها أو نشرها.
ولا ينبغي في المقابل أن تتحول مكافحة التضليل إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير أو احتكار تعريف الحقيقة. الدراية الإعلامية الحقيقية لا تعني تعليم المواطن ماذا يجب أن يعتقد، وإنما تعليمه كيف يفكر ويبحث ويفحص ويقارن ويستنتج بنفسه. والفرق بين الأمرين جوهري، لأن مجتمعًا يجيد التحقق أكثر قوة من مجتمع يُطلب منه فقط أن يثق في جهة واحدة مهما كانت. الثقافة النقدية لا تُضعف المؤسسات الجادة، بل تمنحها فرصة لإثبات مصداقيتها.
لقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 2021 الاحتفاء بالأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية، انطلاقًا من إدراك أهمية توفير معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب وواضحة ومتاحة ومتعددة اللغات ومستندة إلى المعرفة العلمية، خصوصًا في عالم تتسع فيه الفجوة الرقمية والتفاوتات في الوصول إلى البيانات والمعرفة. واليوم، بعد سنوات قليلة فقط، تبدو دوافع ذلك القرار أكثر إلحاحًا، لأننا دخلنا مرحلة لم تعد فيها المشكلة نقص المعلومات بل فيضانها.
لهذا يحمل شعار 2026 «كلنا نؤدي دورًا» معنى يتجاوز الاحتفال الرمزي. الصحفي يؤدي دورًا عندما يتحقق قبل النشر، والمدرس عندما يعلم تلامذته السؤال بدل الحفظ، والأب والأم عندما يناقشان أبناءهما حول ما يشاهدونه، وصانع المحتوى عندما يميز بوضوح الإعلان من الرأي والخبر، والمنصة عندما تجعل أنظمتها أكثر شفافية، والباحث عندما يدرس آثار التكنولوجيا، والحكومة عندما تدعم التربية الإعلامية من دون أن تحولها إلى أداة للرقابة، والمواطن نفسه يؤدي الدور الأهم عندما يرفض أن يكون مجرد نقطة تمر عبرها الشائعة من هاتف إلى آخر.
وربما أصبحت العبارة البسيطة التي ينبغي أن نتعلمها جميعًا في العصر الرقمي هي: لا تنشر قبل أن تسأل. من قال هذا؟ أين نُشر أول مرة؟ متى التقطت الصورة؟ هل المصدر حقيقي؟ هل يوجد دليل مستقل؟ هل يمكن أن يكون المحتوى قد وُلد داخل نموذج للذكاء الاصطناعي؟ هذه الثواني القليلة من الشك المنهجي قد تكون اليوم واحدة من أهم أدوات الدفاع عن الحقيقة.
إن الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية ليس أسبوعًا للإعلاميين وحدهم، بل أسبوع للمواطن الذي يريد أن يحتفظ بحقه في التفكير داخل عالم تحاول فيه آلاف الأنظمة يوميًا جذب انتباهه وتوجيه اختياراته. والمجتمع الذي يتقن قراءة المعلومة لا يصبح محصنًا بالكامل ضد التضليل، لكنه يصبح أكثر قدرة على مقاومته، وأكثر استعدادًا للمشاركة الواعية في الشأن العام، وأقل قابلية لأن تقوده الشائعة أو الصورة المصطنعة أو الخوارزمية إلى حيث لا يدري.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي، قد لا تكون المعركة الكبرى مع الآلة نفسها، بل مع السؤال الذي يسبق تصديق ما تنتجه الآلة أو تنقله المنصة. فالتكنولوجيا تستطيع أن تنتج لنا مليارات الكلمات والصور، لكن المسؤولية عن منحها معنى والثقة بها ونشرها ستظل، في النهاية، مسؤولية بشرية. ولهذا فإن الدراية الإعلامية والمعلوماتية لم تعد ترفًا ثقافيًا، بل حقًا ومهارة وشرطًا أساسيًا من شروط المواطنة في القرن الحادي والعشرين.
وتؤكد اليونسكو أن احتفالات 2026 تتخذ طابعًا لامركزيًا وتشاركيًا، مع فعاليات في نيروبي ونيودلهي ومونتريال وأبوجا ومدن أخرى، إلى جانب مبادرات وطنية ومحلية يمكن تنظيمها خلال أكتوبر ونوفمبر. UNESCO








0 التعليقات:
إرسال تعليق