كنت أمشي في شارع عادي، في ساعة عادية، بين وجوه لا يميز أحدها نفسه عن الآخر إلا بتعب صغير حول العينين أو بطريقة مختلفة في حمل الأكياس. المقهى عند الزاوية مفتوح، رجل يقلب جريدته، امرأة تضع هاتفها بجوار فنجان القهوة، وشاب يضحك بصوت مرتفع على جملة قالها صديقه. لم يكن في المشهد ما يدعو إلى التوقف، سوى أنني شعرت بأن الضحكة أطول قليلًا مما ينبغي، وأنها بقيت معلقة في الهواء بعد أن أغلق الشاب فمه.
واصلت السير.
بدأت ألاحظ أشياء صغيرة.
رجل يروي نكتة قاسية فيبتسم الجميع.
كلمة جارحة تمر بينهم كأنها قطعة حلوى.
إهانة تُقال بخفة فتفقد نصف وزنها.
فظاظة تلمع فجأة لمجرد أنها قيلت بذكاء.
كنت أتساءل إن كانت الأشياء تتغير فعلًا أم أن طريقة تقديمها هي التي تغير شكلها في أعيننا. بدا لي أن القبح، إذا عرف كيف يرتب شعره، يستطيع أن يجلس إلى المائدة مثل ضيف محترم. وأن التفاهة، إذا أحسنت صياغة نفسها، قد تدخل من الباب الأمامي بينما يبقى المعنى ينتظر في الخارج.
في المقهى الثاني رأيت رجلًا يصف حادثة مؤلمة بطريقة ساخرة.
ضحك الحاضرون.
ضحكت أنا أيضًا.
وهنا حدث أول شيء غريب.
كان الفنجان أمامي يرتج قليلًا مع كل ضحكة.
في البداية ظننته اهتزاز الطاولة.
ثم لاحظت أن ملعقة صغيرة داخل الفنجان كانت تتحرك وحدها، تدور ببطء، كأنها تبحث عن شيء في القهوة.
توقفت عن الضحك.
توقفت الملعقة.
ضحك الرجل من جديد.
استدارت.
لم أقل شيئًا.
خرجت إلى الشارع، لكنني بدأت أرى ما لم أكن أراه قبل دقائق. الكلمات لم تعد تمر من الأفواه فقط، بل صار لبعضها وزن. رأيت جملة ساخرة تسقط قرب الرصيف كقطعة نقدية. انحنى رجل والتقطها ووضعها في جيبه. لم يبدُ عليه أنه لاحظ شيئًا غير مألوف.
تقدمت.
كلما ازدادت النكات، بدا الشارع أكثر ليونة.
واجهة متجر مالت قليلًا نحو اليمين.
مصباح ارتجف كأنه يكتم ضحكة.
تمثال في ساحة صغيرة بدا لي أن شفتيه قد تحركتا.
قلت لنفسي إنني متعب.
لكن التعب لم يفسر لماذا أصبحت ظلال الناس تتأخر عنهم بنصف خطوة.
رأيت امرأة تمر أمامي، ثم بعد لحظة مر ظلها وحده.
تبعه كلب.
ثم ابتلعه باب مغلق.
كنت أريد العودة إلى البيت، لكن الطريق نفسه بدا مختلفًا. الشارع الذي أعرفه صار أطول، أو ربما أنا الذي أصبحت أقصر. المحلات بقيت في أماكنها، غير أن أسماءها بدأت تختفي حرفًا بعد حرف، حتى لم يبق فوق واجهة أحدها سوى كلمة واحدة:
اضحك.
دخلت.
لم يكن متجرًا.
كان صالونًا واسعًا يجلس فيه القبح بأناقة مبالغ فيها. لم يكن قبيحًا بالمعنى المعتاد، بل مهذبًا، مصقولًا، يرتدي بدلة داكنة ويضع منديلًا أبيض في جيبه. بجواره التفاهة ترتشف الشاي من فنجان رقيق، وعلى الطرف الآخر كانت الفظاظة تقص أظافرها بسكين صغيرة.
لم ينظر إليّ أحد.
كانوا جميعًا يستمعون إلى رجل قصير يقف فوق كرسي ويروي نكتة.
كلما ضحكوا، تغيرت ملامحهم قليلًا.
القبح صار أجمل.
التفاهة صارت أكثر وقارًا.
الفظاظة اكتسبت ابتسامة مطمئنة.
أما الرجل الذي يروي النكتة فكان يتضاءل.
مع كل ضحكة ينقص منه شيء.
أذن.
إصبع.
خصلة شعر.
ثم لم يبق منه إلا الفم.
والفم واصل الكلام.
خرجت مسرعًا.
في الخارج كانت المدينة قد بدأت تفقد صلابتها. الأرصفة تميل كأنها تتنفس. النوافذ ترمش. إشارات المرور تهمس لبعضها. سمعت ضحكة في جيبي، فأدخلت يدي ووجدت سنًا صغيرة لا أعرف لمن كانت.
رميتها.
قفزت على الأرض.
ضحكت.
ثم ركضت خلفي.
بدأت أسرع.
كلما أسرعت تكاثرت التفاصيل التي لا ينبغي أن تكون موجودة. رجل يحمل مظلة داخل المصعد. قطة تقرأ إعلانًا جنائزيًا. طفل يجر خلفه ظلًا لرجل عجوز. امرأة تشتري كيسًا من الصمت من بائع متجول.
وعند الزاوية نفسها التي بدأت منها رحلتي، رأيت الشاب الذي كان يضحك في البداية.
كان لا يزال هناك.
بنفس الوضعية.
بنفس الصديق.
بنفس الجملة.
بنفس الضحكة.
لكن هذه المرة كانت الضحكة تخرج من فمه على هيئة خيط أسود طويل، يلتف حول أعناق المارة، يدخل من النوافذ، يصعد الجدران، يمر فوق اللافتات، ويلتف حول المدينة كلها كما تلتف يد حول لعبة صغيرة.
لم أضحك.
نظر إليّ الجميع.
في اللحظة نفسها.
ابتسموا.
ثم انفتح الشارع من المنتصف.
لم يكن تحته إسفلت.
كان تحته مسرح.
صفوف طويلة من المقاعد.
آلاف الوجوه.
كلها تنتظر.
وفي الوسط كرسي واحد فارغ.
عليه اسمي.
عرفت عندها أنني لم أكن أراقب العرض.
كنت أتأخر فقط عن دوري.
جلست.
صفق الجميع.
ثم خرجت من فمي أول ضحكة.
وكانت لها أسنان.








0 التعليقات:
إرسال تعليق