حين أضع أمامي خريطة الأخبار السياسية المغربية خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، لا أرى مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة: اجتماع لوزير الداخلية مع الأحزاب، رئيسة للحكومة تحط في موسكو، مشاريع مينائية عملاقة تدخل مرحلة جديدة، طعن انتخابي يصل إلى المحكمة الدستورية، توتر متجدد حول ملف الصحراء، ونقاش اجتماعي حول الضرائب والأسعار والفلاحة. ما أراه في العمق هو مغرب يقف في لحظة سياسية تتقاطع فيها ثلاثة أزمنة دفعة واحدة: زمن انتخابي بدأ مبكرا، وزمن اقتصادي يريد أن يجعل البنية التحتية قاعدة جديدة للقوة الوطنية، وزمن جيوسياسي تتحرك فيه المملكة داخل إفريقيا والعالم بحثا عن توسيع هوامشها وشراكاتها.
أول ما استوقفني هو أن الاستعداد لاستحقاقات سنة 2027 لم يعد مجرد حديث حزبي مؤجل، بل بدأ يتحول إلى ورش مؤسساتي واضح. فقد جمع وزير الداخلية قادة ومسؤولي الأحزاب المتوفرة على فرق أو مجموعات برلمانية لمناقشة الإطار العام الذي سيؤطر الانتخابات المقبلة، والتي ستهم المؤسسات المنتخبة الوطنية والمحلية والمهنية. وطُلب من الأحزاب تقديم مقترحاتها قبل 15 نونبر 2026 تمهيدا لإعداد تعديلات محتملة على المنظومة الانتخابية.
بالنسبة إلي، ليست أهمية هذا الخبر في موعد الانتخابات وحده، بل في السؤال الأكبر الذي يعود في المغرب مع كل استحقاق: كيف يمكن جعل الانتخابات لحظة لإعادة بناء الثقة، لا مجرد عملية تقنية لتوزيع المقاعد؟ فالقوانين الانتخابية مهمة، وتخليق الاقتراع ضروري، وضمان التنافس الشريف أساسي، لكن الديمقراطية لا تُختزل في جودة يوم التصويت. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، من صدقية الحزب، ومن علاقته بالمواطن، ومن قدرته على إنتاج الأفكار والنخب، ومن إحساس الناخب بأن صوته يمكن أن يغير شيئا فعلا في حياته اليومية.
وأعتقد أن الانتخابات المغربية المقبلة ستكون مطالبة بالإجابة عن سؤال الثقة أكثر من أي سؤال آخر. المواطن الذي يتابع ارتفاع الأسعار، وصعوبات السكن، ومشاكل التشغيل، وضغط الخدمات الصحية والتعليمية، لن يقيس البرامج السياسية بجمال صياغتها، بل بقدرتها على الاقتراب من حياته. السياسة التي لا تصل إلى المائدة والراتب والمدرسة والمستشفى والنقل والسكن تظل، بالنسبة إلى قطاع واسع من الناس، خطابا بعيدا.
ولهذا أجد أن الطعن الذي تقدم به تحالف اليسار في وجدة أمام المحكمة الدستورية بشأن نتائج الانتخابات التشريعية بدائرة وجدة أنكاد يحمل دلالة تتجاوز النزاع على مقعد برلماني. الجهة الطاعنة تقول إن خروقات شابت الحملة ويوم الاقتراع وأثرت، بحسب ادعائها، في النتائج. وتظل الكلمة القانونية النهائية بطبيعة الحال للمحكمة الدستورية.
لكن القيمة السياسية لهذه الملفات تكمن في شيء آخر: أن الديمقراطية الحديثة لا تقوم فقط على قبول النتائج، بل أيضا على وجود مسارات قانونية مستقلة وموثوقة للاعتراض عليها. كلما كانت المؤسسات قادرة على فحص الطعون بشفافية وصرامة، ارتفعت قيمة الانتخابات نفسها. والديمقراطية لا تخاف من الطعون؛ ما يضعفها هو الشك الذي يبقى بلا جواب.
في الجهة الأخرى من المشهد، كان الحدث الاقتصادي الأكبر ذا حمولة سياسية واستراتيجية واضحة: إطلاق إنجاز «طنجة المتوسط 3» بالتوازي مع الاستعداد لدخول المرحلة الأولى من «الناظور غرب المتوسط» حيز الاستغلال. المعطيات المعلنة تتحدث عن استثمارات عمومية وخاصة بلغت 54 مليار درهم في مشروع الناظور غرب المتوسط، وعن قدرة أولى للحاويات تقدر بـ3.5 ملايين حاوية، تليها محطة ثانية بطاقة 1.8 مليون حاوية، فضلا عن مكونات طاقية وصناعية ولوجيستية. أما طنجة المتوسط 3، فيُرتقب أن يضيف قدرة تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنويا، لترتفع الطاقة الإجمالية للمركب مستقبلا إلى نحو 20 مليون حاوية.
هذه الأرقام تبدو اقتصادية، لكنها في حقيقتها سياسية بامتياز. فالموانئ في القرن الحادي والعشرين ليست مجرد أرصفة تصل إليها السفن؛ إنها أدوات قوة. الدولة التي تتحكم في شبكة لوجيستية قوية تزيد قدرتها على جذب الاستثمار، وتوطين الصناعة، وتأمين جزء من حاجياتها الطاقية، وربط اقتصادها بالأسواق العالمية.
ما يهمني هنا، مع ذلك، ليس حجم الإسمنت ولا طول الأرصفة بقدر ما يهمني سؤال الأثر الاجتماعي. المشروع الناجح بالنسبة إلي ليس الذي يرفع ترتيب الميناء عالميا فقط، وإنما الذي يغير أيضا حياة السكان المحيطين به. وحين تؤكد التوجيهات الرسمية ضرورة استفادة الأقاليم المعنية والسكان المحليين، وتسريع برامج التكوين المؤهلة للشباب، فإننا نصل مباشرة إلى جوهر التحدي المغربي: كيف نحول الاستثمار الكبير إلى تنمية محلية ملموسة؟ وتشير المعطيات المعلنة إلى توقع خلق نحو 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألفا غير مباشر في محيط الناظور غرب المتوسط على المدى القريب.
لقد تعلمنا أن المشروع الضخم قد يصبح جزيرة مزدهرة وسط محيط اجتماعي ينتظر نصيبه من التنمية. لذلك أرى أن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد افتتاح الميناء، لا قبله. كم شابا من المنطقة سيجد عملا؟ كم مقاولة صغيرة ستولد حول المشروع؟ هل سيستفيد التعليم والتكوين المهني والسكن والنقل؟ هل ستتقلص الفوارق المجالية؟ هذه الأسئلة هي التي تحول البنية التحتية من إنجاز هندسي إلى تحول اجتماعي.
وبالتوازي مع الداخل، ظهرت صورة المغرب وهو يتحرك خارجيا. فقد وصلت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى موسكو لتمثيل الملك محمد السادس في القمة الروسية الإفريقية الثالثة، بمشاركة وزير الخارجية ناصر بوريطة، في لقاء يركز على قضايا التجارة والاستثمار والطاقة والفلاحة والتكنولوجيا.
أقرأ هذه المشاركة في إطار سياسة خارجية مغربية تسعى منذ سنوات إلى تنويع العلاقات وعدم حصرها في محور واحد. المغرب مرتبط تاريخيا بأوروبا، وله شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنه يوسع في الوقت نفسه حضوره الإفريقي، ويطور علاقاته مع الصين ودول الخليج وروسيا وعدد متزايد من القوى الآسيوية والأمريكية اللاتينية.
وهنا يصبح التوازن صعبا ودقيقا. العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها فكرة الاصطفافات البسيطة، وتتصاعد فيها المنافسة حول الطاقة والموانئ والمعادن والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. والدولة المتوسطة التي تريد حماية مصالحها تحتاج إلى دبلوماسية قادرة على التحدث مع أطراف مختلفة، من دون أن تتحول إلى تابع لهذا المحور أو ذاك.
وفي هذا السياق نفسه، يظل ملف الصحراء حاضرا بقوة في الأجندة السياسية والإعلامية، خصوصا مع اقتراب مناقشات مجلس الأمن في نهاية أكتوبر. بعض المواد المنشورة خلال الساعات الماضية ركزت على التوترات داخل مخيمات تندوف وعلى ردود الفعل تجاه مسودة مشروع القرار المرتبط بالملف. غير أنني أرى أن الأهم من لغة التعبئة الإعلامية هو متابعة الصياغة النهائية التي ستعتمدها المؤسسة الأممية ومواقف الدول الأعضاء، لأن الفارق كبير بين التسريبات والتأويلات من جهة، وبين النص الدبلوماسي المعتمد فعليا من جهة أخرى.
في الملفات الوطنية الحساسة، تزداد قيمة الصحافة حين تفرق بين المعلومة والرغبة، وبين التطور الدبلوماسي الحقيقي والقراءة السياسية له. وقوة الموقف المغربي لا تحتاج، في تقديري، إلى تضخيم الوقائع، بل إلى عرضها بدقة، لأن التحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة يمكن قياسها من خلال المواقف الرسمية للدول والنصوص الدولية والتحركات الدبلوماسية.
لكن السياسة ليست خارجية ومؤسساتية فقط. هناك سياسة أخرى تجري داخل جيب المواطن. وقد لفت انتباهي النقاش حول مراجعة الضريبة على الدخل، بما تتضمنه من رفع لسقف الإعفاء وإعادة هيكلة الشرائح وتخفيض تدريجي لبعض المعدلات. المعطيات المنشورة تشير إلى أن الاستفادة تختلف بشدة بين مستويات الدخل، وأن جزءا كبيرا من أصحاب الأجور المنخفضة لن يلمس أثرا مباشرا من التخفيض لأنه غير خاضع أصلا لهذه الضريبة.
وهنا تكمن المفارقة. الإصلاح الضريبي قد يزيد الدخل الصافي لفئات من الموظفين والأجراء، لكنه لا يعالج وحده سؤال القدرة الشرائية. فما يربحه المواطن من تخفيض ضريبي قد تأكله زيادة في أسعار الغذاء أو السكن أو النقل. لذلك لا أستطيع قراءة الإصلاح الجبائي منفصلا عن حركة الأسعار.
في اليوم نفسه، حضرت أخبار الارتفاع الملحوظ في أسعار الخضر، وأزمة تسويق الزيتون التي تضع عددا من الفلاحين أمام صعوبة تصريف محصولهم. وهذه المفارقة جديرة بالتأمل: المستهلك يشتكي من الغلاء، وفي الوقت نفسه قد يعاني المنتج من ضعف السعر عند باب المزرعة أو من غياب قنوات التسويق. بين الاثنين توجد شبكة كاملة من الوسطاء والنقل والتخزين والأسواق وآليات التوزيع.
لهذا أرى أن سؤال الأسعار في المغرب ليس مسألة رقابة موسمية على الأسواق فقط، وإنما ملف اقتصادي بنيوي. المطلوب معرفة أين تتكون الزيادة في السعر، ومن يستفيد منها، وكيف يمكن حماية المستهلك من الغلاء من دون سحق المنتج الصغير. الأمن الغذائي لا يعني أن نجد السلعة في السوق وحسب، بل أن تكون هناك سلسلة إنتاج عادلة وقادرة على الاستمرار.
ووسط كل ذلك، ظهر ملف الصحافة نفسها. الدعوة إلى إعادة هيكلة القطاع الإعلامي وإعادة الاعتبار لمهنة الصحفي وبناء مقاولات أكثر قوة ومصداقية واستقلالية اقتصاديا تكشف أن الإعلام المغربي يعيش بدوره مرحلة تحول صعبة.
وهذا الموضوع يعني لي الكثير لأن الديمقراطية لا يمكن أن تعيش بصحافة ضعيفة اقتصاديا. المؤسسة الإعلامية التي لا تمتلك نموذجا اقتصاديا قابلا للحياة تصبح أكثر هشاشة أمام الإشهار والضغط السياسي والمنصات الرقمية والخوارزميات. وفي المقابل، الدعم العمومي لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الجودة ولا إلى وسيلة لإنتاج الولاء. التحدي الحقيقي هو بناء صحافة مهنية ومستقلة وقادرة على تمويل نفسها، مع قواعد شفافة للدعم وحماية حقوق الصحفيين.
بعد قراءة هذه الخريطة كلها، أجد أن المغرب يتحرك على أكثر من جبهة في الوقت نفسه. إنه يبني الموانئ ويناقش الانتخابات، يتحرك في موسكو ويتابع ملف الصحراء في نيويورك، يعدل الضرائب ويواجه أزمة الأسعار، بينما يبحث إعلامه عن نموذج جديد للبقاء.
ولكن المسألة التي تظل، بالنسبة إلي، أكثر أهمية هي قدرة هذه الحركية كلها على الوصول إلى المواطن.
يمكن للدولة أن تمتلك واحدا من أكبر الموانئ في العالم، لكن المواطن سيقيس النجاح بفرصة العمل التي يجدها ابنه. ويمكن تعديل القانون الانتخابي، لكن الناخب سيقيس الديمقراطية بقدرته على محاسبة من انتخبهم. ويمكن إصلاح الضريبة، لكن الأسرة ستقيس ذلك بما يبقى في جيبها آخر الشهر. ويمكن توسيع الحضور الدبلوماسي، لكن قيمة السياسة الخارجية تزداد حين تتحول مكانة البلاد إلى استثمار وفرص وأمن اقتصادي. ويمكن بناء صحافة قوية، لكن قوتها الحقيقية ستظل مرتبطة بقدرتها على إخبار الناس بما يحدث، لا بما يراد لهم أن يصدقوا أنه يحدث.
لهذا لا أرى المغرب اليوم أمام سؤال الإنجاز فقط، بل أمام سؤال الربط بين الإنجاز والثقة. لدينا مشاريع كبيرة، وتحولات دبلوماسية، واستحقاقات انتخابية متلاحقة، وطموح واضح إلى تعزيز موقع المملكة في الاقتصاد الإقليمي والدولي. لكن المرحلة المقبلة تحتاج أيضا إلى سياسة يومية تترجم هذه الطموحات إلى تفاصيل محسوسة في حياة الناس.
فالسياسة التي تستحق أن تبقى ليست تلك التي تنتج أكثر عدد من التصريحات، وإنما التي تترك أقل مسافة ممكنة بين الدولة والمواطن، وبين المشروع والنتيجة، وبين صندوق الاقتراع والقرار، وبين الرقم الاقتصادي وحياة الإنسان.
ومن هنا أرى أن الأخبار التي مرت أمامنا خلال أربع وعشرين ساعة، على اختلاف مواضيعها، تقول في النهاية شيئا واحدا: المغرب يرفع سقف طموحه، لكن ارتفاع سقف الطموح يرفع معه سقف المحاسبة.
وهذا، في رأيي، هو الامتحان السياسي الحقيقي للمرحلة المقبلة.
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق