الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 15، 2026

الثقافة العربية بين وهج المعارض وخطر التحول إلى فرجة موسمية : عبده حقي


وأنا أتتبع هذا الأسبوع ما تنشره صحافة مصر والسعودية والإمارات ولبنان والأردن في مجالات الكتاب والثقافة والإعلام، أجد نفسي أمام مشهد عربي مزدحم بالحركة لكنه ليس بالضرورة مطمئنًا. المعارض كثيرة، المهرجانات تتوالى، دور النشر تعلن جديدها، السينما تتمدد، صناع المحتوى يدخلون قلب المشهد، والمؤسسات الثقافية تبدو في سباق دائم لإثبات الحضور، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل نحن فعلًا أمام نهضة ثقافية عربية، أم أمام كثافة في الفعاليات أكثر من كثافة في القراءة والتأثير؟

هذا الفرق بالنسبة إلي جوهري. الثقافة ليست عدد الندوات ولا صور الافتتاحات ولا طول قوائم الضيوف، بل قدرتها على صناعة قارئ جديد، وعلى حماية الناشر، وعلى خلق صحافة ثقافية مؤثرة، وعلى جعل الكتاب حاضرًا في الحياة اليومية للناس لا فقط في مواسم المعارض.

في مصر، أرى محاولة واضحة للخروج بالثقافة من مركزيتها القاهرية القديمة. معارض الكتب تمتد إلى المحافظات، والندوات والأنشطة تصل إلى دمنهور والإسكندرية ومناطق أخرى، وهذا أمر إيجابي لأن الثقافة التي تبقى سجينة العاصمة تصبح ثقافة نخبوية مهما علا صوتها. لكني أعتقد أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بفتح معرض لمدة أيام، بل بما يحدث بعد أن تغلق أبوابه. هل تبقى المكتبة حية؟ هل يجد الطفل كتابًا جيدًا بسعر معقول؟ هل تصل الكتب الجديدة إلى المدن الصغيرة؟ هل يستطيع القارئ العادي أن يقتني الرواية أو الدراسة الفكرية من دون أن يشعر أن القراءة أصبحت ترفًا؟

هذا هو التحدي المصري، وهو في الحقيقة تحد عربي عام. فلا قيمة كبيرة لآلاف العناوين إذا كان الكتاب يظل بعيدًا عن القدرة الشرائية للناس، ولا معنى لمهرجان ثقافي ضخم إذا عاد الجمهور بعده إلى فراغ كامل.

ومع ذلك، فإن الحراك المصري يظل مهمًا لأنه يحافظ على مساحة عامة للثقافة في وقت تتعرض فيه هذه المساحة إلى ضغط هائل من المحتوى السريع. الندوات الأدبية، مختبرات السرد، استعادة رموز مثل فاروق شوشة، وتنظيم المهرجانات السينمائية في مدن خارج المركز التقليدي، كلها إشارات تقول إن الثقافة ما تزال تحاول الدفاع عن موقعها.

أما السعودية، فإن الصورة مختلفة تمامًا. ما يجري هناك ليس فقط توسعًا في عدد الفعاليات، بل بناء متسارع لبنية ثقافية تحاول أن تضع نفسها في قلب السوق الدولية. المشاركة في معرض فرانكفورت للكتاب لا تبدو مجرد حضور رمزي، بل جزءًا من استراتيجية أوسع تربط النشر والترجمة والخط العربي والسينما والاستثمار الثقافي.

وأنا أراقب هذا التحول، أرى أن السعودية انتقلت من مرحلة تنظيم الثقافة إلى مرحلة بناء صناعة ثقافية. الفرق كبير بين الأمرين. التنظيم قد ينتج مهرجانًا ناجحًا، أما الصناعة فتحتاج إلى ناشرين، ومترجمين، ومستثمرين، وسلاسل توزيع، وشركات إنتاج، وتكوين مهني، وأسواق داخلية وخارجية.

منتدى الأفلام السعودي مثلًا يكشف أن السينما لم تعد تُقدَّم بوصفها حدثًا ترفيهيًا، بل بوصفها قطاعًا اقتصاديًا قادرًا على جذب رأس المال وخلق فرص العمل. وهذه نقطة لا ينبغي التقليل من أهميتها عربيًا، لأن كثيرًا من بلداننا ما تزال تتعامل مع الثقافة وكأنها بند ثانوي في الميزانية، لا قطاعًا يمكن أن ينتج قيمة اقتصادية وحضورًا دوليًا.

لكن هذا النجاح يطرح بدوره سؤالًا مهمًا: هل يمكن بناء صناعة ثقافية قوية من دون بناء نقد ثقافي قوي؟ لأن وفرة التمويل والمؤسسات لا تكفي إذا تحولت الثقافة إلى واجهة تجميلية أو صناعة علاقات عامة. الثقافة الحقيقية تحتاج أيضًا إلى مساحة للأسئلة الصعبة والنقد والاختلاف.

في الإمارات، تبدو المسألة أكثر وضوحًا. هناك انتقال متسارع من مفهوم الثقافة إلى مفهوم الاقتصاد الإبداعي. الكتاب والسينما والألعاب الإلكترونية والتصميم وصناعة المحتوى أصبحت أجزاء من منظومة واحدة، وهذا في رأيي واحد من أكثر التحولات أهمية في المنطقة.

الإمارات أدركت مبكرًا أن الثقافة في القرن الحادي والعشرين لا تعيش فقط داخل المكتبة والمسرح، بل داخل المنصة الرقمية والهاتف والتطبيق والألعاب وشبكات الفيديو القصير. وهذا الفهم يسمح لها باستقطاب الاستثمارات وتحويل الثقافة من نشاط مدعوم إلى قطاع منتج.

لكن هنا أيضًا يوجد وجه آخر للصورة. فحين تدخل الثقافة بالكامل إلى منطق السوق، يصبح السؤال: ماذا يحدث للفنون والأفكار التي لا تحقق أرباحًا سريعة؟ ماذا يحدث للشعر؟ للنقد؟ للكتب الفلسفية؟ للأعمال التجريبية؟

الاقتصاد الإبداعي مهم، لكن الثقافة ليست شركة ناشئة فقط، ولا ينبغي أن تصبح قيمتها مرتبطة بما تحققه من عائدات وحدها. بعض أهم الكتب في التاريخ لم تكن مشاريع مربحة في بداياتها، وبعض أعظم الأفكار كانت هامشية قبل أن تغير العالم.

وأصل إلى لبنان، حيث تبدو المفارقة أكثر إيلامًا وأكثر جمالًا في الوقت نفسه. بيروت ما تزال تقاوم. معرض الكتاب يعود، دور النشر تفتح أجنحتها، الإصدارات الجديدة تظهر، اللقاءات تتكاثر، والمدينة تتصرف وكأنها ترفض الاعتراف بنهاية دورها الثقافي.

لكن لا يمكنني أن أكتب عن بيروت من دون أن أتوقف أمام هشاشة سوق الكتاب هناك. الناشر اللبناني يعمل في بيئة اقتصادية مرهقة، وأسعار الكتب مرتفعة بالنسبة إلى جزء واسع من الجمهور، ومع ذلك يستمر.

هنا تتحول الثقافة إلى فعل مقاومة حقيقي.

ليست مقاومة بالمعنى السياسي المباشر، بل مقاومة لفكرة أن الأزمات الاقتصادية يجب أن تقتل الكتاب أولًا. أن تستمر دار نشر في إنتاج أعمال جديدة في هذه الظروف، وأن يستمر معرض كبير في جمع الناشرين العرب والفرنكوفونيين، فهذا يعني أن بيروت ما تزال تتمسك بهويتها الثقافية مهما تقلصت مواردها.

لكنني أخشى على بيروت من الرهان المستمر على الذاكرة. نعم، هي مدينة صنعت جزءًا هائلًا من تاريخ النشر العربي، لكن التاريخ وحده لا يمول مطبعة ولا يدفع رواتب العاملين في دار نشر. لبنان يحتاج اليوم إلى نموذج اقتصادي جديد للنشر، وإلى سياسات حقيقية لحماية صناعة الكتاب، لا إلى الاكتفاء بالحنين إلى زمن كانت فيه بيروت عاصمة الثقافة العربية بلا منازع.

الأردن يقدم نموذجًا آخر أقل ضجيجًا، لكنه يتمتع بدرجة مهمة من الاستمرارية. معارض، أمسيات، اتحادات كتاب، مكتبة وطنية، لقاءات نقدية، ونشاطات ثقافية موزعة على السنة.

ما يعجبني في الحالة الأردنية هو حضور المؤسسة الثقافية التقليدية حتى الآن، لكن ما يقلقني في الوقت نفسه هو أن هذه المؤسسات قد تتحول إلى فضاءات مغلقة على النخبة إذا لم تجد طرقًا جديدة للوصول إلى الشباب.

الأمسية الشعرية وحدها لم تعد كافية. الندوة النقدية التي يحضرها الأشخاص أنفسهم كل مرة لا تبني جمهورًا جديدًا. واتحاد الكتاب الذي لا يخاطب القارئ الرقمي لن يستطيع حماية الكتاب الورقي بمجرد الدفاع النظري عنه.

من هنا أرى أن المشترك الأكبر بين البلدان الخمسة ليس الكتاب ولا السينما ولا الإعلام، بل معركة واحدة اسمها: الانتباه.

هذه الكلمة في نظري هي مفتاح فهم الثقافة العربية الجديدة.

الكتاب ينافس الهاتف.
المقال الطويل ينافس الفيديو القصير.
المجلة الثقافية تنافس خوارزمية تقترح محتوى جديدًا كل ثانية.
الشاعر ينافس المؤثر.
والناشر ينافس منصة تستطيع أن تضع آلاف النصوص والصور أمام المستخدم بلا توقف.

لهذا لا يكفي أن نقول إن معرضًا للكتاب جذب آلاف الزوار. ينبغي أن نسأل: ماذا قرأ هؤلاء؟ ماذا اشتروا؟ ماذا سيقرؤون بعد نهاية المعرض؟

ولا يكفي أن نقول إن دولة ما نظمت مهرجانًا ضخمًا. ينبغي أن نسأل: ماذا ترك هذا المهرجان في المدينة؟ هل خلق فنانًا جديدًا؟ هل دعم دار نشر صغيرة؟ هل أنتج أرشيفًا؟ هل وسع الجمهور؟

الخطر الذي أراه هو تحول الثقافة العربية إلى ثقافة مناسبات.

كل شهر مهرجان.
كل أسبوع معرض.
كل يوم ندوة.
لكن أين المشروع الطويل؟

الكتاب لا يعيش بالافتتاحيات.
والصحافة الثقافية لا تعيش بالبيانات الصحفية.
والفنان لا يعيش بالتصفيق وحده.

هناك حاجة إلى سوق، إلى نقد، إلى جمهور، إلى تعليم، إلى مكتبات، إلى ترجمة، وإلى حماية حقوق المؤلف. وهناك قبل كل ذلك حاجة إلى الاعتراف بأن الثقافة ليست ديكورًا يوضع إلى جانب الاقتصاد والسياسة، بل هي التي تصنع صورة المجتمع عن نفسه.

وأنا أتتبع الإعلام العربي خلال هذا الأسبوع، أرى أيضًا أن الصحافة الثقافية نفسها تعيش أزمة هوية. كثير من التغطيات أصبحت خبرية سطحية: افتتاح معرض، توقيع كتاب، حضور مسؤول، كلمة في حفل. أما القراءة النقدية العميقة للكتب، والحوار الطويل مع الكاتب، والتحقيق حول سوق النشر، وتفكيك تحولات الذوق، فقد أصبحت أقل حضورًا.

وهذا خطر حقيقي.

لأن الثقافة إذا فقدت صحافتها الجادة، تتحول بسرعة إلى مادة دعائية. يصبح كل كتاب «مهمًا»، وكل معرض «ناجحًا»، وكل مهرجان «استثنائيًا»، ولا يعود هناك من يسأل: هل هذا العمل جيد فعلًا؟ هل يستحق هذا الكتاب القراءة؟ هل حقق المعرض أهدافه؟ هل تُصرف الأموال الثقافية بطريقة ذكية؟

الصحافة الثقافية ينبغي أن تكون مرآة نقدية لا مكبر صوت.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي تصبح هذه المهمة أكثر تعقيدًا. فالكتابة الآلية، والترجمة الفورية، وصناعة الصور، وتوليد الفيديو، كلها ستغير سوق الثقافة بصورة جذرية. وربما خلال سنوات قليلة لن يكون سؤالنا فقط من يقرأ الكتاب، بل من كتبه فعلًا، ومن ترجمه، ومن صمم غلافه، ومن يملك حقوقه.

لهذا فإن الدول العربية التي تستثمر اليوم في البنية الثقافية من دون أن تبني تشريعات واضحة لحقوق المؤلف والذكاء الاصطناعي قد تجد نفسها أمام فوضى ضخمة في المستقبل القريب.

ورغم كل هذه التحفظات، فإنني لا أقرأ المشهد بتشاؤم.

بالعكس، هناك حيوية واضحة. الكتاب لم يمت. المعرض لم يمت. الشعر لم يمت. السينما تتوسع. الناشرون يقاومون. المدن العربية لا تزال قادرة على جمع آلاف الأشخاص حول حدث ثقافي.

لكن ما تغيّر هو شروط البقاء.

الثقافة التي لا تدخل العصر الرقمي ستتراجع.
والثقافة التي تدخل العصر الرقمي بلا قيم ستتحول إلى سلعة.
والثقافة التي تعيش على الدعم فقط ستبقى هشة.
والثقافة التي تخضع للسوق وحده ستفقد جزءًا من روحها.

المطلوب، في رأيي، هو معادلة أكثر نضجًا: دولة تدعم، وسوق يستثمر، وناقد يسائل، وجامعة تنتج المعرفة، وناشر يغامر، وإعلام يحلل، وقارئ يجد الكتاب بسعر يمكنه تحمله.

وإذا كان علي أن ألخص صورة هذا الأسبوع من القاهرة والرياض وأبوظبي وبيروت وعمّان، فسأقول إن الثقافة العربية تقف اليوم على عتبة تحول كبير.

إما أن تنتقل من ثقافة الفعالية إلى ثقافة المشروع، ومن ثقافة الدعم إلى اقتصاد المعرفة، ومن التغطية الإعلامية إلى النقد، ومن القارئ الموسمي إلى القارئ الدائم، وإما أن يبقى المشهد مليئًا بالصور الجميلة والافتتاحات الفخمة بينما تنكمش القراءة الحقيقية في الخلفية.

وهذا هو السؤال الذي أضعه في ختام هذا الرادار الأسبوعي:

هل نريد ثقافة تُعرض أمام الكاميرات، أم ثقافة تغيّر الإنسان بعد أن تنطفئ الكاميرات؟


0 التعليقات: