الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، نوفمبر 05، 2026

67 ألف قرار مغادرة في فرنسا… والهجرة تختبر العلاقة بين باريس والجزائر بقلم عبده حقي


أصدرت السلطات الفرنسية خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 67 ألفاً و300 قرار بإلزام أجانب من خارج الاتحاد الأوروبي بمغادرة أراضيها. وتصدّرت فرنسا دول الاتحاد الأوروبي في هذا المؤشر خلال الربعين الأول والثاني من السنة، فيما جاء الجزائريون في مقدمة الجنسيات المعنية في فرنسا بـ13 ألفاً و745 قراراً، أي نحو خُمس الحصيلة. وأرى أن أهمية هذه الأرقام تتجاوز ترتيب البلدان والجنسيات، لأنها تضعنا أمام سؤالين سياسيين مترابطين. كيف تدير فرنسا ملف الإقامة والهجرة؟ وكيف تتعاون مع الجزائر حين يصبح تنفيذ بعض القرارات مرهوناً بإجراءات تقع على عاتق سلطات البلدين؟

ماذا تقول الأرقام عن سياسة فرنسا؟

أبدأ بالتمييز بين قرار المغادرة وتنفيذه، لأن كلمة «الترحيل» في العناوين قد توحي بأن عشرات الآلاف غادروا فرنسا بالفعل. والمقصود هنا إجراء إداري يعرف باسم «الإلزام بمغادرة الأراضي الفرنسية»، ويمكن للشخص المعني الطعن فيه أمام القضاء الإداري وفق الآجال المقررة. وقد ينتهي الطعن بإلغاء القرار، كما يمكن أن يغادر الشخص طوعاً أو أن تنفّذ السلطات الإبعاد. ولكل مسار من هذه المسارات أثر مختلف في حياة المعني بالقرار وفي تقييم السياسة التي اتخذته.

وفي الفترة نفسها، سجّلت فرنسا 7 آلاف و600 حالة عودة إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي بعد صدور أوامر بالمغادرة. وقد تكون بعض حالات العودة مرتبطة بقرارات صدرت قبل بداية السنة، ولذلك لا يمكن استخراج نسبة تنفيذ قرارات النصف الأول بمجرد قسمة الرقمين. وفي تقديري، تبرز هنا مشكلة في النقاش الفرنسي حول الهجرة. فمن السهل عرض عدد القرارات الصادرة بوصفه مؤشراً على نشاط الإدارة، لكن الحكم على نتائج السياسة يحتاج إلى تتبّع ما جرى بعد صدور تلك القرارات، من الطعون والإلغاءات إلى المغادرة الطوعية والإبعاد الفعلي.

الجزائر في صدارة القائمة

أقرأ تصدّر الجزائريين القائمة في ضوء العلاقة الخاصة بين باريس والجزائر. فاتفاق 27 ديسمبر 1968 وضع إطاراً لتنقّل الجزائريين وإقامتهم وعملهم في فرنسا، بينما يطرح تنفيذ بعض قرارات المغادرة مسألة مختلفة تتعلق بالتحقق من هوية الشخص وإصدار وثيقة مرور قنصلية إذا لم تكن بحوزته وثيقة سفر صالحة. وقد طُرح التعاون في هذا الملف خلال زيارة وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى باريس في يونيو 2026. وهكذا يمكن لقرار تتخذه إدارة محلية في فرنسا أن يفتح مساراً يتطلب تعاوناً بين سلطات البلدين.

ومع ذلك، أتحفّظ على اعتبار المرتبة الأولى، وحدها، دليلاً على استهداف الجزائريين. فالعدد الإجمالي يخبرنا بحجم القرارات، أما تقييم طريقة تطبيق السياسة فيتطلب معرفة أسباب صدورها، ومقارنة أوضاع الإقامة المتشابهة، والنظر في نتائج الطعون. وأرى أيضاً أن تكرار اسم الجنسية في العناوين قد يحمّل الجالية الجزائرية تبعات سجال يتعلق بأوضاع قانونية فردية. من حق القارئ أن يعرف أي الجنسيات شملها العدد الأكبر من القرارات، ومن واجب الصحافة أن تبيّن حدود ما يمكن استنتاجه من ذلك.

ما الذي يبقى خارج الحسابات الدبلوماسية؟

حين تنشغل باريس والجزائر بعدد وثائق المرور وسرعة إصدارها، أسأل عمّا يحدث للشخص منذ لحظة إبلاغه بالقرار. هل يفهم أسبابه؟ هل يستطيع عرض ظروفه على القضاء في الأجل المتاح؟ وكيف تُؤخذ روابطه الأسرية ووضعه الشخصي في الحسبان؟ هذه الأسئلة جزء من تقييم السياسة نفسها، لأن القرار الذي يظهر في الحصيلة الرسمية رقماً واحداً قد يغيّر حياة أسرة كاملة.

أرى أن لفرنسا مسؤولية في تطبيق قواعد الإقامة بوضوح واحترام حق الطعن، وأن للجزائر دوراً في التحقق من هوية مواطنيها ومواكبتهم قنصلياً. وتظهر قيمة التعاون بين البلدين في قدرتهما على معالجة الملفات الفردية بانتظام، حتى حين تتوتر العلاقة بين العاصمتين. أما في الداخل الفرنسي، فالمحاسبة تبدأ في نظري بنشر حصيلة تبيّن مصير القرارات بعد صدورها. عندئذ يستطيع الرأي العام أن يعرف ما نفّذته الدولة فعلاً، وما راجعه القضاء، وما ترتّب على هذه السياسة في حياة الأشخاص الذين شملتهم.


0 التعليقات: