استوقفني الرقم قبل أن يستوقفني اسم صاحبته. أكثر من ثلاثمائة وسبعين كتابًا في نحو عشرين شهرًا. أعدت قراءة الخبر، ثم حاولت أن أتخيل الزمن الذي يفصل بين كتابين في تجربة كهذه. خرجت بحساب بسيط: أقل من يومين في المتوسط لكل عنوان. أعرف، من معاشرتي للكتابة، أن جملة واحدة قد ترافقني أيامًا قبل أن أجد لها موضعها، وأن شخصية حسبتني أعرفها قد تضطرني إلى إعادة فصل كامل حين أكتشف أنني أجبرتها على فعل شيء يناسب الحبكة ويخالف طبيعتها. لذلك وجدتني أتساءل عمّا يحدث لهذا النوع من الاكتشاف عندما يصبح في مقدور الكاتب أن يحصل على مسودة كاملة في عملية واحدة.
تتعلق الحكاية بكاتبة من جنوب إفريقيا تنشر تحت الاسم المستعار كورال هارت. وفي مقابلة أجرتها معها وكالة فرانس برس في أكتوبر 2026، شرحت كيف تحدد فكرة القصة وأسلوبها وتفاصيل شخصياتها، وتضع مخططًا لفصولها، ثم يتولى نظام الذكاء الاصطناعي توليد المسودة. وهذا التفصيل يغيّر قراءتي للخبر. فلفظة «ألّفت» في العنوان المتداول تجمع في كلمة واحدة أعمالًا متباينة، من ابتكار الفكرة وتدبير الحبكة إلى اختيار الجملة التي ستصل إلى القارئ. وشرح هارت يبين توزيع هذه الأدوار في مرحلة إعداد المسودة، ويترك أمامي سؤالًا عن مقدار ما يتغير فيها قبل النشر، وهو أمر لا يستطيع رقم الإصدارات وحده أن يجيب عنه.
قد أعرف، وأنا أضع مخططًا لرواية، أن رجلًا سيعود إلى بيت أسرته بعد غياب طويل، وأن أخاه سيستقبله بجفاء. لكنني، وأنا أكتب المشهد، قد أجد أن الأخ يمد يده تلقائيًا ليحمل حقيبة العائد، ثم يتراجع في منتصف الحركة. في تلك الإيماءة يتغير المشهد كله. يصير عليّ أن أفهم ما بقي من المودة بين الرجلين، وأن أعود إلى صفحات سابقة لأرى إن كنت قد أعطيت هذه المودة ما يكفي من الحضور. هذا هو الجزء الذي يصعب عليّ اختزاله في مخطط. فأنا أكتشف، في أثناء صياغة الجملة، شيئًا لم أكن أعرفه عن القصة حين قررت كتابتها.
يمكن لنموذج لغوي أن يقترح إيماءة كهذه، وقد يفاجئني اقتراحه ويدفعني إلى إعادة التفكير في المشهد. وما يهمني عندئذ هو العمل الذي أقوم به بعد المفاجأة. هل أقبل الإيماءة لأنها مؤثرة في موضعها، أم أختبر أثرها في بقية الرواية؟ هل أسمع في الحوار صوت الأخ فعلًا، أم أسمع كلامًا مقنعًا يمكن نقله إلى عشرات الشخصيات؟ أحيانًا أقضي وقتًا أطول في حذف جملة حسنة الصياغة مما أقضيه في كتابة الجملة التي ستحل محلها، لأن حسن الصياغة قد يحجب عني عيبًا في المشهد. وفي رأيي، يظهر أثر الكاتب في تلك القرارات الصغيرة التي تمنح النص صوته واتساقه.
أفهم لماذا تصدّر الرقمُ الخبرَ. فالوفرة بهذا الحجم تفتح سؤالًا عن النشر نفسه. إذا أمكن لمؤلف واحد أن يطرح كتبًا متقاربة المواعيد، فكم من الوقت يُتاح لكل كتاب حتى يعثر عليه قارئه ويجد من يناقشه؟ ويزداد السؤال إلحاحًا حين أتصور مؤلفًا آخر قضى أعوامًا على عمل واحد، ثم وجد روايته معروضة في الواجهة الرقمية نفسها إلى جوار إصدارات تتجدد كل بضعة أيام. ما يعنيني هنا هو مصير الكتاب بعد نشره، والوقت الذي يبقى فيه ظاهرًا أمام قارئ يتصفح عشرات العناوين قبل أن يختار واحدًا منها.
وأتحفظ أيضًا على تحويل الرقم إلى حكم أدبي جاهز. فعدد الكتب يقيس وتيرة النشر، فيما يقتضي الحكم على لغتها وشخصياتها قراءة نصوصها. ولا أملك، اعتمادًا على المقابلة وحدها، ما يكفي للحكم على القيمة الأدبية لكتب هارت. أستطيع، مع ذلك، أن أسأل عما سيجده قارئ ينتقل من أحد عناوينها إلى آخر. هل يلمس اختلافًا في الطريقة التي تنظر بها كل رواية إلى الناس والعلاقات؟ هل يصادف شخصيات تخرج عن الأدوار التي رسمتها لها الحبكة؟ هذه أسئلة أطرحها كذلك على أي كاتب غزير الإنتاج، لأن تكرار النجاح في السوق قد يغري صاحبه بتكرار الوصفة التي حققته.
أميل إلى أن يعرف القارئ، بعبارة واضحة، الدور الذي أداه الذكاء الاصطناعي في إعداد الكتاب. فعبارة «بمساعدة الذكاء الاصطناعي» تتسع لاستخدامات كثيرة. قد تعني أن الكاتب استعان به لتدقيق نص كتبه، وقد تعني أن النظام صاغ مسودة الفصول كلها انطلاقًا من تعليماته. ولو قرأت على صفحة النشر أن المؤلفة وضعت الحبكة والشخصيات وأن النظام ولّد المسودة الأولى، لأمكنني أن أقرأ الكتاب وأنا أفهم كيف أُنتج. وسيظل من حقي، بعد ذلك، أن أستمتع به أو أضيق بلغته أو أرى أن شخصياته مقنعة. المعرفة بطريقة إنتاج النص جزء من العلاقة التي يقيمها القارئ مع الاسم المطبوع على الغلاف.
وأجد في تصريح هارت عن عملها ما يفتح نقاشًا يستحق أن يستمر. فقد شرحت للصحافة بعض ما تفعله في مرحلة التخطيط وما يفعله النظام في مرحلة الصياغة. ومن موقعي ككاتب، أريد أن أعرف أيضًا ما الذي أبقته من المسودات الأولى وما الذي حذفته، وأين اضطرت إلى إعادة الكتابة لأن النظام أخذ القصة إلى وجهة لا تريدها. فلو أتيح لي الاطلاع على مخطط فصل واحد ومسودته الآلية ونسخته المنشورة، لوجدت في الفروق بينها مادة نقدية أغنى من الرقم الذي استوقفني في العنوان.
لهذا أعود إلى الكتاب المفرد وسط تلك الوفرة. أريد أن أرى ما يفعله النص بي حين أقرأه على مهل، وأن أعرف إن كان سيحملني، بعد إغلاقه، على إعادة النظر في تصرف عابر أو في علاقة ظننت أنني فهمتها. وقد يكفيني مشهد واحد يجعلني أتذكر يد الأخ وهي تمتد نحو حقيبة العائد ثم تتردد. في تلك اللحظة أستطيع أن أبدأ الحديث عن الرواية، وأن أسأل من اتخذ القرار الذي أعطى لهذه الحركة معناها، وكيف انتهت إلى الصفحة التي بين يديّ.







0 التعليقات:
إرسال تعليق