وجدتُ في جيب معطفي حبّة طبشور تنبض. كنت أتهيأ للخروج إلى السوق، فوضعتها على الطاولة ريثما أبحث عن مفاتيحي. وما إن أدرتُ ظهري حتى سمعتُ صرير مقاعد تُجرّ على البلاط، ثم ارتفع من الجيب غبار أبيض له رائحة المآزر التي كانت أمي تكويها صباح الاثنين. دسستُ إصبعي في البطانة فتحسستُ عتبة حجرية مبتلّة. انحنيتُ قليلًا فرأيتُ مدرستي القديمة في قاع الجيب، وفي ساحتها شجرة تين تحمل أجراسًا خضراء. كان البوّاب يكنس الماء بمكنسته، وكلما دفعه نحو البالوعة خرجت منه سمكة صغيرة ووقفت على ذيلها تنتظر أن يناديها أحد باسمها.
هبطتُ درجات السلم واحدة واحدة، وأنا أسمع في الشارع بائع البرتقال يرفع صوته. عند الدرجة الأخيرة انقطع نداؤه، وصرت أسمع ارتطام حبات البرتقال بأرضية فصل مغلق. وجدتُ معلّمي جالسًا في الممر، يفرغ من حذائه حفنة من تراب المقبرة. رفع رأسه وقال إنني تأخرتُ أربعين سنة عن الحصة الأولى. أردتُ أن أسأله عمّا جرى في الحصص التي فاتتني، فأشار إلى جيب قميصي. كانت فيه ورقة تنقيط مطويّة بعناية. فتحتها فوجدتُ العلامات كلها بخط يدي، وتحتها ملاحظة أعرف أنني كتبتها وإن تعذّر عليّ تذكّر المناسبة «يُحسن الإجابة عن الأسئلة التي يضعها لنفسه».
في الفصل جلس رجل يرتدي معطفي، ويضع قدمه اليسرى فوق اليمنى كما أفعل في غرف الانتظار. ناديتُه باسمي فالتفتَ إليّ، ثم عاد إلى تقشير برتقالة بسكين صغيرة. كان يقشّرها على مهل لئلا ينقطع الشريط. راقبته حتى انتهى، فرأيته يمد القشرة فوق الطاولة ويضع عند كل انعطافة منها شيئًا يخصّني. وضع زرًّا من قميص أبي، وتذكرة قطار لم أستعملها، وظرفًا أعدتُه ذات مرة إلى ساعي البريد مدّعيًا أن صاحبه انتقل من البيت. انتظرتُ أن يفتح الظرف. دفعه نحوي بإصبعين، فأبقيتُ يديّ تحت الطاولة، منشغلًا فجأة بعدّ المسامير التي تثبّت الخشب.
جلستْ أمامنا امرأة تحمل إبريقًا ملفوفًا في منشفة. عرفتها من موضع إصبعها على المقبض. كانت جارتي التي طرقت بابي قبل أعوام وطلبت أن أغلي لها قليلًا من الماء. قلتُ لها يومئذ إنني مشغول، ثم عدتُ إلى مكتبي وكتبتُ صفحتين عن القسوة. في الفصل أعادت طلبها بالكلمات نفسها. تناولتُ الإبريق منها فوجدته دافئًا، وكدتُ أخبرها أن الماء فيه يكفيها. عندئذ أزاحت المنشفة، فرأيتُ تحتها ارتجاف يدها. سألتُها عمّا حدث يوم طرقت بابي. قالت إن زوجها مات تلك الليلة وإنها كانت قد أطفأت النار ثلاث مرات لأنها تنسى، كلما بلغ الماء الغليان، لمن أعدّت الشاي.
تذكّرتُ أنني بقيتُ يومها منصتًا إلى وقع خطواتها حتى بلغت السلم. طوال أعوام رويتُ لنفسي أنني كنت غارقًا في الكتابة. الآن استطعتُ أن أرى الصفحة التي تركتُها على المكتب، وكان فيها سطر واحد شطبتُه قبل أن أفتح الباب. كنتُ قد قضيت الصباح أنتظر مكالمة من أخي، ثم تركت الهاتف يرنّ عندما ظهر اسمه. مددتُ يدي أخيرًا نحو الظرف. في داخله رسالة قصيرة يسألني فيها أخي إن كنت أذكر موضع المفتاح الصغير لخزانة أمي. كنت أذكره. وقد ظلّ المفتاح عندي حتى بعد أن بِعنا الخزانة، أجرّبه أحيانًا في أقفال لا تخصّه.
على السبورة ظهر خيط من الماء، سال من أعلى اللوح حتى بلغ حافته، ثم امتدّ فوق البلاط إلى قدميّ. كان المعلّم قد خرج، وبقيت مكنسة البوّاب مسندة إلى الباب. وقفتُ فوق المقعد وكتبتُ بالطبشور «أنا». سقطت الكلمة من اللوح واستقرّت في الماء. انحنى الرجل الذي يرتدي معطفي ليلتقطها، فانحنيتُ معه، والتقت يدانا في الموضع نفسه. رأيتُ على إبهامه أثر الحرق الذي أصابني وأنا أحاول إشعال موقد أمي أول مرة. كنت أتخيّله طوال الحصة رجلًا أكثر علمًا بي، يستطيع أن يخبرني من أكون بمجرد أن يرفع رأسه. الآن رأيتُه ينتظر مني أن أرفع رأسي أيضًا.
أخذتُ المنشفة من جارتي وجفّفتُ بها المقعد وجلستُ. حدّثتُها عن أخي، وعن الصوت الذي يصدره هاتف البيت إذا طال رنينه، حتى يخال المرء أن الجهاز نفسه ضاق بالمتصل. ثم أخبرتها أنني خفتُ يوم طرقت بابي من أن تجلس وتطلب مني البقاء معها. خرجت العبارة بصوت أخفض مما توقّعت، فملتْ نحوي لتسمعها. قالت إنها يومذاك كانت تُحصي الأكواب في بيتها وتترك كوب زوجها في مكانه، وإنها طوال الطريق إلى بابي كانت تتدرّب على طلب الماء، لأن طلب الجلوس مع أحد بدا لها أصعب. سألتُها عن اسمه. قالته بوضوح، ثم أعادته لأن جرسًا أخضر سقط من شجرة التين.
في آخر الممر وجدتُ موقدًا فوق مقعد طفل. أشعلته ووضعت الإبريق عليه. أخذت جارتي تروي لي أن زوجها كان يقتلع أوراق النعناع من الأصيص بأظافره، وأنه في الشتاء يدفئ الكوب بقليل من الماء قبل أن يصبّ فيه الشاي. خطر لي أن أبي كان يفعل الشيء نفسه، وتهيأتُ للكلام، لكنّها كانت تتذكّر شيئًا آخر. بقيتُ جالسًا حتى قالت إن زوجها أحرق النعناع ذات صيف لأنه ظن أن كثرة الماء تحميه من الحرّ. ضحكتْ وهي تقول ذلك، ثم أعادت طرف المنشفة إلى مكانه على ركبتها. وحين غلى الماء ملأتُ لها كوبًا وسألتُها إن كانت تريده مُحلّى.
خرجتُ من جيب المعطف فوجدتُ المفاتيح حيث تركتُها، قرب حبّة الطبشور. كان بائع البرتقال يبتعد بعربته، وعلى سطح الطاولة قشرة طويلة لم تجفّ بعد. رفعتُ الهاتف واتصلتُ بأخي. سألني أولًا إن كان قد أصابني مكروه، ثم سكتّنا معًا حتى سمعته يُبعد شيئًا معدنيًّا عن فم السماعة. قلتُ إن مفتاح خزانة أمي ما زال عندي. ضحك وسألني إن كنتُ أذكر ما كانت تضعه في الدرج الصغير. تهيأتُ لأن أقول إنني أذكر، ثم رأيتُ يدي تتجه من تلقائها إلى جيب المعطف، كما لو أن فيها جوابًا جاهزًا آخر. تركتُها تستقرّ على الطاولة وقلتُ له «حدّثني أنت».







0 التعليقات:
إرسال تعليق