بين مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، وتزايد الطلب المحلي على الغاز، وبدء تصفية بعثة المينورسو، تطرح جولتنا هذا الأسبوع سؤالاً عن هامش الحركة الذي تملكه الجزائر لتمويل التزاماتها الاجتماعية وإدارة علاقاتها الخارجية. اعتمدتُ في هذه القراءة على أوصاف الفيديوهات وفصولها المنشورة ، وقارنتُ أبرز ما ورد فيها بالوثائق المتاحة. ولم أتمكن من مشاهدة جميع المقاطع كاملة أو حصر كل ما نشرته القناة خلال الأسبوع.
تستند أبرز ملفات الأسبوع إلى تقرير سوناطراك السنوي لعام 2025. ووفقاً للتقرير، بلغت مبيعات الغاز الطبيعي في السوق الجزائرية 57.3 مليار متر مكعب، بزيادة 7.8% عن 2024، مدفوعة خصوصاً بارتفاع طلب شركة «سونلغاز». وبلغت صادرات الغاز الطبيعي 34 مليار متر مكعب، بتراجع قدره 1%. ويورد التقرير صادرات الغاز الطبيعي المسال في بند مستقل وبوحدة قياس مختلفة. ويبيّن الرقمان الأولان تسارع الطلب المحلي، بينما يتطلب التحقق من استنتاج سمار بأن الاستهلاك الداخلي تجاوز إجمالي صادرات الغاز للمرة الأولى توحيد وحدات القياس والرجوع إلى بيانات سنوات سابقة.
وفي ملف الوقود، صدّرت سوناطراك 14.2 مليون طن من المنتجات المكررة في 2025، واستوردت في السنة نفسها نحو 1.08 مليون طن من الديزل. وتخص نسبة 572%، التي وردت في عنوان إحدى الحلقات، ارتفاع إجمالي واردات المنتجات النفطية، من 209 آلاف طن إلى 1.404 مليون طن. وقد تصدّر المصافي فائضاً من بعض المشتقات بينما تحتاج السوق المحلية إلى استيراد مشتقات أخرى. والسؤال الذي تطرحه الأرقام هو مدى قدرة المصافي الجزائرية على مواكبة الطلب على الديزل، وما يتطلبه ذلك من استثمارات.
بدأ المجلس الشعبي الوطني دراسة مشروع قانون المالية في 2 نوفمبر، وبلغت النفقات المبرمجة لعام 2027 نحو 17.9 تريليون دينار جزائري. وفي جلسة 5 نوفمبر، قال وزير المالية إن المشروع يسعى إلى تنويع الإيرادات، واستقطاب الأموال المتداولة خارج القنوات الرسمية، وحماية القدرة الشرائية للفئات محدودة الدخل. وكان التصويت في المجلس مقرراً في 16 نوفمبر.
وقدّر صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الجزائري بـ3.9% في 2025، وتوقع أن يبلغ 3.8% في 2026. وأشار في الوقت نفسه إلى استمرار عجز مالي كبير، وتراجع الاحتياطيات، وازدياد الاعتماد على تمويل البنك المركزي. ويمكن لارتفاع أسعار المحروقات أن يحسّن الإيرادات في الأجل القريب، لكن مقدار ما تكسبه الخزينة يتأثر أيضاً بالكميات المصدّرة وكلفة الواردات. وأرى أن الاختبار الأهم للميزانية هو قدرة الإيرادات خارج المحروقات على تمويل حصة أكبر من الإنفاق العام مع استمرار دعم الأسر محدودة الدخل.
خصّصنا من الحلقات لنفوذ الدائرة القريبة من الرئيس عبد المجيد تبون. وتناول فيها موقع السكرتير الخاص للرئيس، أميروش حمداش، وعاد إلى رحلة قال إن المستشار عبد اللطيف بلقايم قام بها إلى جنيف في 24 أكتوبر. وربط الصحفي الرحلة بتنافس داخل دوائر الحكم، ونسب إلى كمال سيدي سعيد دوراً في ترتيبها. ولم أجد في المصادر المتاحة تأكيداً مستقلاً لغرض الرحلة أو للأدوار المنسوبة إلى هؤلاء المسؤولين. أما ظهور مستشار في مدرج رسمي، وهو تفصيل أفردت له القناة حلقة، فيحتاج إلى قرائن إضافية حتى يُقرأ بوصفه مؤشراً على تبدّل العلاقة بين الرئاسة والقيادة العسكرية.
وفي العلاقات مع فرنسا، تناولنا أنشطة تجارية قال إن أقارب مسؤول جزائري يمارسونها هناك، ووضعها في سياق التوتر السياسي مع باريس. ويتطلب بحث الصلة بين تلك الأنشطة والقرار العام وثائق تثبت تدخلاً في قرار رسمي أو استفادة من امتياز. وتناولت حلقة أخرى احتمال أن تحلّ شركة تابعة لمجموعة «مدار» العمومية محل الشراكة الجزائرية الإماراتية في قطاع التبغ. ولم أجد تأكيداً مستقلاً لقرار نهائي بهذا الشأن. وإذا اتُّخذ، فستظهر آثاره في حجم الإنتاج وتوافر السلع والأسعار.
كما تناول جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 30 أكتوبر. ووفقاً للأمم المتحدة، لم يعتمد المجلس أياً من المشروعين المعروضين عليه. كان المشروع الأمريكي يقضي بتجديد ولاية المينورسو واعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً وحيداً للتفاوض، بينما اقترح المشروع الروسي تمديد الولاية بصيغتها السابقة. وانتهت عمليات البعثة ليل 31 أكتوبر، وبدأت تصفيتها في الأول من نوفمبر. واعتبرت الرباط انتهاء الولاية خطوة مهمة في مسار تسوية الملف، مؤكدة تمسّكها بوقف إطلاق النار. وأعربت الجزائر رسمياً عن أسفها لعدم التجديد.
وفي لقاء وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو يوم 27 أكتوبر. وأكدت الخارجية الجزائرية أن اللقاء تناول التعاون الثنائي والقضايا الإقليمية. ونقل موقع «كل شيء عن الجزائر» عن عطاف حديثه عن احتمال إشراك شركات روسية في مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر. وتُظهر التصريحات أن الطاقة والبنية التحتية تحتلان موقعاً في الشراكة التي تسعى الجزائر إلى تطويرها مع موسكو. وسيتضح الوزن الاقتصادي للمشروع مع توقيع الاتفاقات، وتأمين التمويل، وتقدّم الأشغال على امتداد المسار.
في تقديري، تُظهر أرقام الطاقة والميزانية التحدي الأوضح أمام الجزائر في الأشهر المقبلة. فالطلب المحلي على الغاز يتزايد، واستيراد الديزل يطرح سؤالاً عن قدرة المصافي، فيما تسعى الحكومة إلى حماية القدرة الشرائية في ظل عجز مالي كبير. وسيكون تطوّر الإيرادات خارج المحروقات، إلى جانب قدرة المصافي على تلبية الطلب المحلي، من المؤشرات التي تسمح بقياس ما أحرزته الجزائر في هذين الملفين.
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق