الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، نوفمبر 07، 2026

المغرب والجزائر بعد خمس سنوات من القطيعة… من يدفع ثمن الباب المغلق؟ عبده حقي


كلما فكرت في القطيعة بين المغرب والجزائر، استحضرت المسافة القصيرة بين وجدة وتلمسان. على الخريطة تبدو المسافة صالحة لزيارة عائلية في يوم واحد، وفي حياة الناس تحولت إلى سفر يُرتّب كما لو أن المدينتين تقعان في طرفين متباعدين من العالم. مضت خمس سنوات على إعلان الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في 24 غشت 2021، وكانت الحدود البرية مغلقة منذ 1994. أستحضر هذين التاريخين لأنهما يضعان أمامي سؤالًا أراه مشروعًا من موقعي كصحفي مغربي. ماذا جنت السلطات الجزائرية من القطيعة، وماذا خسر البلدان من استمرارها؟

عندما أعلن وزير الخارجية الجزائري آنذاك، رمطان لعمامرة، قرار قطع العلاقات، اتهم المغرب بممارسات عدائية. ومن حقي، وأنا أقرأ ذلك الإعلان بعد خمس سنوات، أن أسأل عن جدوى القرار قياسًا إلى ما وعد به أصحابه ضمنًا. إذا كانت لدى الجزائر شكاوى محددة، فإن قناة دبلوماسية مباشرة تتيح طرحها والرد عليها وتوثيق ما يتفق عليه الطرفان وما يختلفان بشأنه. أما حين تُغلق تلك القناة، فتنتقل الاتهامات إلى المنابر الإعلامية، ويصبح لكل جمهور روايته التي يسمعها كاملة فيما تصله رواية الطرف الآخر مجتزأة. في تقديري، هذه نتيجة كان يمكن تفاديها بالإبقاء على الحد الأدنى من الاتصال.

أفكر هنا في العائلات التي تمتد قرابتها على جانبي الحدود، وفي التجار الصغار وأصحاب الفنادق ووكالات السفر في المدن الشرقية للمغرب. حين يتعذر العبور البري، تضيق فرص الزيارات القصيرة التي يقوم عليها جزء من نشاط المدن الحدودية، ويضطر من يستطيع السفر إلى ترتيب رحلة أطول. وأحسب أن هذه الكلفة تستحق أن تدخل في ميزان القرار السياسي. فما الذي يبرر أن يظل لقاء عائلي أو مشروع تجاري صغير معلقًا على تسوية خلاف إقليمي كبير؟ ومن مصلحة المغرب أن يطرح هذا السؤال باستمرار، لأن تنمية جهته الشرقية جزء من مصالحه الوطنية، مثلما أن صون سيادته جزء منها.

في 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797. وصوّت لصالحه أحد عشر عضوًا، وامتنع ثلاثة، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت. وفي نصه اعتبر المجلس أن حكمًا ذاتيًا حقيقيًا تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق، ودعا إلى مفاوضات على أساس المقترح المغربي. أقرأ هذه الصياغة بوصفها مكسبًا دبلوماسيًا للمغرب، لأنها تمنح مبادرته وزنًا أوضح في المسار الأممي وتفتح مجالًا لمناقشة بنود يمكن للناس أن يحكموا عليها من خلال آثارها في حياتهم.

وأنا أدافع عن الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، أجد أن أقوى حججه تظهر حين ننتقل إلى أسئلة عملية. ما الصلاحيات التي ستمارسها المؤسسات المحلية؟ كيف سيشارك السكان في تحديد أولويات التنمية؟ وبأي ضمانات تُحمى اختصاصات الهيئات المنتخبة وتُحاسب على تدبيرها؟ هذه أسئلة في صلب الدفاع عن المقترح المغربي، لأن الإجابة عنها تجعل القارئ يرى مضمون الحكم الذاتي في المدرسة والمستشفى والمجلس المحلي، ويفهم ما الذي يمكن أن يتغير في طريقة اتخاذ القرار. وأرى أن على السلطات الجزائرية، وهي تدعم جبهة البوليساريو، أن تشرح بدورها ما الذي يقدمه استمرار الوضع القائم للسكان الذين يفترض أن تكون مصالحهم في صلب أي تسوية.

في خطابه يوم 31 أكتوبر 2025، دعا الملك محمد السادس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى حوار مباشر يقوم على الثقة وحسن الجوار. وجاءت الدعوة في اليوم نفسه الذي اعتمد فيه مجلس الأمن قراره بشأن الصحراء. أجد لهذا التزامن دلالة سياسية واضحة. فقد استخدم المغرب لحظة تقدم دبلوماسي ليعرض الحوار على جار يختلف معه في القضية نفسها. ومن وجهة نظري، يخدم هذا الاختيار المغرب لأنه يتيح له أن يدافع عن مقترحه داخل الأمم المتحدة، وأن يضع أمام الجزائر في الوقت نفسه فرصة لبحث الملفات الثنائية التي تضررت من القطيعة.

وأرى أن قيمة الحوار تبدأ من مسائل محددة يمكن اختبار التقدم فيها. فالتواصل القنصلي، ومعالجة الحالات الإنسانية، وتدبير الحوادث الحدودية، ملفات يمكن العمل عليها حتى مع استمرار الخلاف حول الصحراء. ولو نجح البلدان في تيسير إجراء واحد يخفف مشقة عائلة أو يحد من خطر سوء الفهم عند الحدود، لأمكن قياس أثر الحوار بعيدًا عن لغة البيانات. هذا هو المعيار الذي أفضّله كلما سمعت دعوة إلى التهدئة أو تبريرًا للتصعيد. أبحث عما تغير في حياة الناس وفي قدرة الدولتين على إدارة خلافاتهما.

أرى كذلك أن تجميد العلاقة بين الرباط والجزائر يضيق مجال العمل المشترك مع بقية البلدان المغاربية. يكفي أن أتأمل ملف الربط البري. أي مشروع يراد له أن يصل الأسواق المغاربية يحتاج إلى تفاهمات حول العبور والجمارك وحركة المسافرين، وهي أمور تتطلب اتصالًا يوميًا بين الإدارات المعنية. وحين تُترك هذه الملفات معلقة، يخسر المغرب فرصة لتوسيع أسواقه القريبة، ويخسر جيرانه فرصة مماثلة. لذلك أدافع عن استمرار المغرب في بناء شراكاته الإفريقية وتنويع طرق تجارته، وأرى أن تعاونًا مغاربيًا عمليًا يمكن أن يضيف إلى هذه الشراكات مجالًا أقرب إلى المنتجين والمسافرين.

بعد خمس سنوات على قرار القطيعة، أرى أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح على السلطات الجزائرية هو ماذا تريد أن تحقق في السنوات الخمس المقبلة، وما الذي يجعلها تتوقع من استمرار السياسة نفسها نتيجة مختلفة؟ ومن جهتي، أريد للمغرب أن يواصل الدفاع عن وحدته الترابية، وأن يشرح تفاصيل مقترحه كلما تقدم المسار الأممي، وأن يحافظ على عرضه للحوار بما يخدم مواطنيه. وأعود في النهاية إلى وجدة وتلمسان. سأقيس أي تقدم بين العاصمتين أيضًا بما يتيحه للناس في هاتين المدينتين، وباليوم الذي تستعيد فيه زيارة قريب معناها البسيط، فتعود موعدًا عائليًا عاديًا في نهاية الأسبوع.

المصادر

  • رويترز، إعلان الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، 24 غشت 2021. latribune.fr
  • الأمم المتحدة، نص قرار مجلس الأمن 2797 وسجل التصويت، 31 أكتوبر 2025. digitallibrary.un.org
  • البوابة الرسمية للمغرب، خطاب الملك محمد السادس، 31 أكتوبر 2025. Maroc.ma

0 التعليقات: