بين 3 و7 نونبر 2026، توزّعت بعض أبرز أخبار الثقافة والفن في المغرب بين مهرجان للتراث الواحي في فجيج، ومسابقة للفيلم القصير في سيدي قاسم، وموعد لسينما المؤلف في الرباط، وعرض مسرحي فردي في طنجة، وبرنامج للفنون الرقمية في فاس. وفي هذه الحصيلة الانتقائية، استوقفني اختلاف الطرق التي تخاطب بها هذه المحطات جمهورها. ففي فجيج، تطرح الثقافة سؤال انتقال الذاكرة بين الأجيال. وفي سيدي قاسم، يلتقي الفيلم القصير بجمهوره في مدينة تحمل اسم المهرجان نفسه. أما في طنجة وفاس، فيتغير موقع المتفرج تبعًا لطبيعة العرض، من الإصغاء إلى ممثل واحد على الخشبة إلى تتبّع العلاقة بين الصوت والصورة في تجربة رقمية.
فجيج… التراث الواحي في أيدي من يحملونه
افتتحت فجيج مساء الخميس 5 نونبر الدورة التاسعة عشرة لمهرجان ثقافات الواحات، ببرنامج امتد في أجندته إلى السبت 7 نونبر تحت شعار «الواحات: إرث تاريخي وحكاية أجيال». وشهد الافتتاح تكريم عدد من حاملي التراث الشفهي والفني المحلي، فيما ضم البرنامج معارض ولقاءً ثقافيًا حول واحات فجيج وورشات تربوية وفنية للأطفال وسهرات موسيقية. وأجد أن الجمع بين تكريم من حفظوا هذا الموروث وإشراك الأطفال في أنشطة المهرجان هو أكثر ما يستحق الانتباه، لأن انتقال المعرفة يبدأ بإتاحة فرصة اللقاء بين الأجيال.
حين نتأمل عنوان الدورة، تبدو كلمة «حكاية» دقيقة في وصف ما يستطيع مهرجان كهذا أن يفعله. فالقطعة المعروضة تتيح لنا تأمل شكلها، فيما تتيح رواية صانعها فهم المواد التي اختارها، وكيف تعلّم استعمالها، وما الذي تغيّر في عمله بمرور السنين. وكذلك الأمر مع الغناء الشفهي، إذ تحمل المناسبة التي يُؤدَّى فيها الأغنيةَ جزءًا من معناها. ومن هنا أرى أن القيمة الثقافية للمهرجان تُقاس أيضًا بما يمكن أن يبقى منه في فجيج بعد انتهاء السهرات، مثل تسجيل شهادة، أو تعلّم طفل مهارةً من أحد أهلها، أو اكتشاف زائر أن للواحة تاريخًا يرويه سكانها بأصوات متعددة.
سيدي قاسم… الفيلم القصير يجد مكانًا للمشاهدة والنقاش
افتتحت سيدي قاسم يوم الخميس 5 نونبر الدورة السادسة والعشرين لمهرجان الفيلم المغربي القصير، الذي ينظمه النادي السينمائي بالمدينة تحت شعار «من إرث الرواد إلى أسئلة الغد». وبدأ عرض أفلام المسابقة الوطنية أمام الجمهور في اليوم الثاني، بعد انتقاء عشرة أفلام روائية قصيرة. وتضمّن برنامج الدورة الاحتفاء بتجربة المخرج عبد الإله زيراط عبر عرض ثلاثة من أعماله، إلى جانب ورشتين في السينما في العصر الرقمي وأداء الممثل أمام الكاميرا. ويتيح هذا الترتيب للمشاهد أن ينتقل من متابعة الأفلام إلى الاقتراب من القرارات التي يتخذها المخرج والممثل أثناء صنعها.
ما يعنيني في تجربة سيدي قاسم هو الدور الذي يستطيع نادي سينمائي محلي أن يؤديه في تكوين جمهور للفيلم القصير. فمشاهدة عدة أعمال في جلسة واحدة تتيح المقارنة بين طرق سرد متباينة، من اختيار اللحظة التي يبدأ فيها الفيلم إلى مقدار ما يتركه المخرج لصمت الشخصية أو لخارج الكادر. وفي هذا السياق، يكتسب الاحتفاء بزيراط معنى يتجاوز لحظة التكريم، لأن عرض أكثر من عمل للمخرج نفسه يسمح بتتبّع ما يكرره وما يغيّره من فيلم إلى آخر. وأرى أن هذه الفرصة تهم المشاهد الشاب بقدر ما تهم المخرج المبتدئ، فكلاهما يتعلم أن قصر الزمن يضاعف أثر الاختيارات الصغيرة.
الرباط… ذاكرة المخرجين في صلب موعد سينما المؤلف
أدرج المسرح الوطني محمد الخامس في برنامجه يوم السبت 7 نونبر موعد الدورة الحادية والثلاثين للمهرجان الدولي لسينما المؤلف بالرباط. وخصصت الدورة تحية للمخرج المغربي الراحل محمد أحد بنسودة، فيما أعلنت اللجنة المنظمة إدراج خمسة أفلام مغربية حديثة ضمن فقرة «بانوراما السينما المغربية» خارج المسابقة الرسمية. ويجمع البرنامج بذلك بين استحضار مسار سينمائي مغربي وإتاحة مساحة لمشاهدة أعمال جديدة بعيدًا عن ترتيب الجوائز.
أقرأ هذه البرمجة من زاوية الصلة بين ذاكرة السينما ونقدها. فتكريم مخرج يتيح إعادة طرح أسئلة عن اختياراته في السرد والصورة وعن أثر تجربته في الأجيال اللاحقة. وتتيح البانوراما، من جهتها، أن يلتفت النقد إلى أفلام قد تختلف في موضوعاتها وطموحاتها وجمهورها. وقد يخرج متفرجان من القاعة بانطباعين متعارضين عن العمل نفسه، لكن ذلك الاختلاف يصبح منتجًا حين يستطيع كل منهما أن يعود إلى مشهد بعينه ويقول ما الذي رآه فيه. هنا تظهر وظيفة المهرجان بوصفه مكانًا تتكوّن فيه أحكام الجمهور بالنقاش والمشاهدة.
طنجة… «شرمولة» والمجتمع من زاوية المسرح الفردي
في طنجة، أعلن مسرح رياض السلطان عن برمجة عرض «شرمولة» لعبد الحق الزروالي مساء الجمعة 6 نونبر. وقدّمت الصحافة الثقافية العرض بوصفه عملًا يستثمر السخرية والفكاهة في قراءة تناقضات المجتمع المغربي المعاصر. والعنوان، بما يستدعيه من معنى الخلط والمزج في الاستعمال اليومي، يفتح بابًا لتأويل العمل قبل رفع الستار، إذ يوحي بإمكانية اجتماع عناصر متنافرة داخل المشهد الاجتماعي نفسه.
أجد في صيغة المسرح الفردي ما يلائم هذا الرهان على السخرية. فالممثل الواحد يستطيع، بتغيير نبرة الصوت أو إيقاع الكلام، أن ينقلنا بين شخصيات ومواقع اجتماعية مختلفة، وأن يجعل المشاهد يلاحظ المسافة بين الكلام الذي تقوله الشخصية عن نفسها وما تكشفه حركاتها. والضحك هنا طريقة لإدراك التناقض، خصوصًا عندما يسمع المتفرج عبارة مألوفة في سياق جديد فينتبه إلى ما تخفيه من ادعاء أو مفارقة. ومن هذه الزاوية، تبدو العودة إلى تجربة الزروالي مناسبة للتأمل في قدرة المونودراما المغربية على التقاط تفاصيل الحياة اليومية بأدوات مسرحية قليلة.
فاس… الفن الرقمي يغيّر طريقة الإصغاء
ضمن الدورة العاشرة لـ«نونبر الرقمي»، أدرج المعهد الفرنسي بفاس عرض «IN C pour 11 oscillateurs et 53 formes» في برنامج الثلاثاء 3 نونبر بمركز «نجوم المدينة». وقدّم المنظمون العمل باعتباره تجربة سمعية وبصرية تستكشف الصلة بين الموسيقى والأشكال والتكنولوجيا. وتضمّن البرنامج الفاسي للشهر أيضًا ورشات في القصص المصورة الرقمية والواقع الافتراضي لفئات من التلاميذ والطلبة. وبين العرض والورشة فرق في موقع الجمهور، إذ يبدأ الأول بالمشاهدة والإصغاء، فيما تتيح الثانية للمشارك أن يختبر بنفسه بعض أدوات إنتاج الصورة.
ومن فاس، أرى أن السؤال الأهم الذي تطرحه هذه البرمجة هو ما الذي تضيفه الوسائط الرقمية إلى العمل الفني. ففي تجربة تجمع الصوت بالأشكال البصرية، يمكن للإيقاع أن يغيّر الطريقة التي ننتبه بها إلى حركة الشكل، كما يمكن للصورة أن تكشف نمطًا مرّ على الأذن من دون أن تلتقطه. وفي ورشة للقصص المصورة، يواجه المتعلم سؤالًا قريبًا من سؤال المخرج في سيدي قاسم، وهو ما الذي ينبغي أن يظهر داخل الإطار وما الذي يكفي أن يتخيّله القارئ. هكذا يصبح الرقمي مدخلًا إلى فهم الصنعة الفنية، ويجد مكانه في مدينة يمكن لفضاءاتها الثقافية أن تستقبل أشكالًا مختلفة من التجريب.
ما يجمع هذه المحطات، في نظري، هو أن لكل مدينة طريقتها في تقريب الفن من الناس. ففي فجيج يبدأ اللقاء من معرفة يحملها أهل الواحة، وفي سيدي قاسم من عمل جمعوي يراكم خبرته دورة بعد أخرى، وفي الرباط من مساحة تجمع الذاكرة السينمائية بالإنتاج الجديد. أما طنجة وفاس فتضعان المتفرج أمام تجربتين مختلفتين في الإصغاء، واحدة يصنعها جسد الممثل وصوته، وأخرى تتولد من تفاعل الصوت والصورة. ويظل السؤال الذي تتركه هذه الأيام مفتوحًا على ما يليها: كم فرصة سيجدها الجمهور، على امتداد الموسم، ليعود إلى القاعة أو الورشة ويتابع ما بدأه في المهرجان؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق