عند أذان الفجر، كنت جالسًا في بهو مركز الدرك بعين الشقف، أضم طرفي معطفي فوق سروال النوم. في طريقي من البيت مررت بمخبزة الحي، وكان عبد السلام يُخرج أول دفعة من الخبز. رفع يده يحييني، فرفعت يدي بدوري. تلك التحية هي أكثر ما أستغربه كلما تذكرت الصباح. قبل دقائق كنت قد وجدت زوجتي ميتة، ومع ذلك ردّت يدي على التحية كما تفعل كل يوم.
خرج الدركي عبد الجليل المريني من المكتب وفي يده كأس قهوة. سألني عما جاء بي في تلك الساعة، فقلت له إنني رأيت في المنام أنني قتلت زوجتي. انتظر لحظة، كأنه يتوقع أن أضيف شيئًا، ثم وضع كأسه على حافة النافذة حين قلت له إنني وجدتها ميتة عندما استيقظت.
كان اسمها زهور. وجدتها على جنبها، وقد انزاح اللحاف عن كتفها. ناديتها مرة من عتبة الغرفة، مع أنني رأيت الدم على قميصها. ولما مددت يدي إليها، لم أجد في جلدها الدفء الذي أعرفه. من الطابق العلوي سمعت ابني يونس يسعل في نومه. أغلقت الباب وأخذت المفتاح معي حتى لا ينزل هو وأخوه حمزة ويجدا أمهما على تلك الحال.
حين وصلت الدورية إلى البيت، كانت جارتي للا رحمة تكنس عتبَتها. رأتها تصعد وراء رجال الدرك إلى الطابق العلوي، ثم خرجت بالولدين من الباب الجانبي وأخذتهما إلى دارها. علمتُ بعد ذلك أنها ناولتهما خبزًا ساخنًا وزيت زيتون، وقالت لهما إن أباهما سيأتي ليأخذهما. ظل حمزة يحتفظ بقطعة من الخبز لأمه حتى الظهر.
عملتُ منذ شبابي خراطًا في ورشة بحي سيدي إبراهيم في فاس. كنت أقضي نهاري واقفًا أمام المخرطة، وأعود إلى البيت وفي ثنايا أكمامي برادة حديد تنفضها زهور فوق عتبة المطبخ. التقينا أول مرة في عرس ابنة خالي بصفرو. كانت تخرج صينية الشاي من المطبخ، فناولتها منشفة بعدما لسعها أحد الكؤوس. بعد سنوات، أخبرتني أنها تذكرتني من تلك الحركة الصغيرة أكثر مما تذكرت وجهي. تزوجنا وعشنا في شقة مكتراة حتى استطعت، بعد أعوام من العمل الإضافي، أن أُتمّ بناء بيتنا في عين الشقف. اختارت هي الزليج الأزرق لدرج البيت، وطلبت من البنّاء أن يترك تحت النافذة فسحة تكفي لأصيصين من النعناع.
كنت أظن أن اكتمال البيت سيخفف ما بيننا من ضيق. وبعد أشهر من ولادة يونس، صارت زهور تتناول عشاءها قبل أن أعود، وصرت أجد نفسي كل ليلة أمام طبق تغطيه بصحن مقلوب. تكلمنا في الأمر مرات، وفي كل مرة كنا نبدأ من تفصيل صغير وننتهي عند أشياء مضى عليها عام أو عامان. وحين اقترحت عليها الطلاق وافقت من أول مرة. بقيتُ أنام في الصالون بعد الطلاق، وبقيت غرفتها لها، ريثما نتدبر أمر البيت ودراسة الولدين. ثم اشتغلت في مقهى قرب محطة القطار، وكان يعجبني أن أسمعها وهي تحكي كيف بدأت تميّز زبائن الصباح من طلباتهم، حتى عندما كنا نعجز عن الكلام في شأن يخصّنا. وحين تزوجنا من جديد بعد نحو سنة، حرّر العدلان العقد في بيت خالها بصفرو. عدنا مساءً ومعنا علبة كعب الغزال، وظل فراشي في الصالون.
سألني عبد الجليل إن كنت قد تشاجرت معها في الأيام الأخيرة. أخبرته أنني رأيتها قبل أسابيع تركب سيارة رجل اسمه رشيد عند مدخل الحي. كنت أعرفه من المقهى. في تلك الليلة رفعت صوتي عليها حتى خرج حمزة من غرفته وسألني إن كان عليه أن يأخذ أخاه إلى دار للا رحمة. خجلت من نفسي. قالت زهور في اليوم التالي إنها ستنهي علاقتها برشيد، وصدّقتها. وحين رويت ذلك للدركي، رأيت قلمه يتوقف عند اسم الرجل، ثم يعود ليضع خطًّا تحته.
وجد رجال الدرك علبة أقراص منوّمة خلف علبة السكر في المطبخ. تذكرت أن زهور كانت تُحضر لي أحيانًا كأسًا من اللويزة قبل النوم. مساء الخميس اتصلت بي أختي مليكة تسألني إن كنت سأمرّ على والدتنا بعد صلاة الجمعة. طلبت مني أن أعيد ما قلته لأن لساني كان ثقيلًا. أذكر أنني وضعت الهاتف على طرف الفراش. وفي الصباح وجدته تحت الوسادة، ولم أتذكر أنني نقلته. أما ليلة مقتل زهور، فآخر ما أذكره من يقظتي أنني شربت اللويزة وسمعت باب الفناء يحتك بالبلاط. كنت قد وعدتها بإصلاحه يوم الأحد.
في المنام رأيت يدي تمسك سكينًا عريضة ذات مقبض من قرن داكن. كان في القرن شقّ أبيض قصير ينتهي عند مسمار نحاسي. رأيت زهور تتراجع حتى لامس ظهرها حافة السرير، وسمعتها تقول: «صافي، آ رشيد». كلما حاولت أن أستعيد اللحظة، عاد إليّ ملمس المقبض أوضح من صوتها. وفي مركز الدرك قلت إنني أنا الذي طعنها، ثم سألت عبد الجليل، بعد أن دوّن كلامي، إن كنت قلت له إن ذلك حدث وأنا نائم. قرأ عليّ السطر من المحضر. كنت قد قلت الأمرين.
في اليوم التالي رجع عبد الجليل إلى البيت. بجوار نافذة الغرفة وجد مجمرًا صغيرًا كانت زهور تبخّر به الأغطية. في قاعه، بين قطع الفحم الباردة، بقي طرف صورة مطبوع على ورق لامع. ظهرت فيه زهور جالسة على سور عند عين السلطان، وإلى جانبها رجل يضع يده على ركبتها. أكلت النار نصف وجهه، لكن أحد العاملين في المقهى تعرّف إلى رشيد من الصورة ومن السيارة الظاهرة خلفهما.
أوقفوه عند أخيه في مكناس. قال في البداية إنه لم ير زهور منذ أسابيع. ثم اعترف بأنه دخل من باب الفناء تلك الليلة، وأنها طلبت منه أن يرحل بعدما أحرقت الصور التي احتفظت بها لهما. قال إنه طعنها، ولما سألوه عن السكين دلّهم على موضعها بين لوح السرير والحائط. لم أكن حاضرًا حين أخرجوها. بعد خروجي من المركز بأيام، استدعاني عبد الجليل وعرض عليّ صورة التقطوها لها. كبّرها بإصبعيه على الشاشة حتى ظهر الشق الأبيض في القرن، وفي طرفه رأس المسمار النحاسي.
سألني إن كنت قد رأيت السكين في يد رشيد قبل تلك الليلة. قلت إنني لم أرها. وسألني إن كان باب الفناء يوقظني عادة. قلت إنه كان يوقظني أحيانًا، خصوصًا في الشتاء حين ينتفخ الخشب. ثم أطفأ الشاشة وأعاد إليّ مفتاح البيت.
حين عدت، وجدت الولدين ينتظرانني عند للا رحمة. سألني يونس لماذا بقيت عند الدرك كل هذا الوقت. كنت قد هيّأت في الطريق كلامًا عن أمه، وعن الرجل الذي قبضوا عليه، لكنني حين جلست أمامه سألته أولًا إن كان قد نام جيدًا. قال إنه سمعني أمشي في الممر قبل الفجر. ثم نظر إلى أخيه وأضاف أنه ربما كان حمزة. كان حمزة يقسم قطعة خبز بيننا، منشغلًا بأن يجعل حصصنا متساوية. أخذت حصتي من يده، وتركت ما تبقى من السؤال إلى يوم آخر.








0 التعليقات:
إرسال تعليق