في يوليوز 2026، أعادت الجزائر ومالي فتح مجالهما الجوي واستأنف سفيراهما عملهما، بعد أكثر من عام على أزمة بدأت بإسقاط طائرة مسيّرة قرب الحدود. أرى أن هذه الخطوة تخدم المغرب أيضًا. فمن مصلحتنا أن يستقر جوارنا الإفريقي، وأن تتمكن دول الساحل من التجارة والسفر عبر أكثر من طريق. وفي الوقت نفسه، يطرح التقارب بين الجزائر ومالي سؤالًا يهمنا مباشرة. ماذا يمكن أن يقدم المغرب لمالي وشركائها عبر مبادرته لتسهيل وصولهم إلى المحيط الأطلسي؟
لماذا توترت العلاقة بين الجزائر ومالي؟
ليلة 31 مارس إلى فاتح أبريل 2025، أسقط الجيش الجزائري طائرة استطلاع مالية مسيّرة قرب الحدود. قالت الجزائر إن الطائرة دخلت مجالها الجوي، وإن بيانات الرادار تؤيد روايتها. وقالت مالي إن الطائرة كانت تحلّق فوق أراضيها. وفي شتنبر من العام نفسه، تقدمت باماكو بطلب إلى محكمة العدل الدولية. وأوضحت المحكمة أن الإجراءات في هذه القضية تتوقف على موافقة الجزائر على اختصاصها للنظر فيها. وهكذا بقي مكان إسقاط الطائرة موضع خلاف بين الطرفين.
ما يستوقفني في هذه الأزمة هو قرار توسيع الخلاف ليشمل الرحلات المدنية. فالسلطات الجزائرية قدّمت الحادث باعتباره مسألة تتعلق بأمن حدودها، وهو موقف يمكن مناقشته في ضوء الأدلة التي تقول إنها تملكها. أما إغلاق المجال الجوي أمام الرحلات المدنية فله آثار تمتد إلى المسافرين وشركات النقل وأصحاب الأعمال. وأرى أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة في مثل هذه الحالات يساعد الجانبين على تبادل المعلومات ويخفف الكلفة على الناس. لذلك أرحب بعودة السفراء، وأتطلع إلى أن يستخدم الطرفان هذا الحوار للاتفاق على طريقة للتعامل مع أي حادث مماثل قبل أن يتحول مجددًا إلى أزمة.
ماذا يقترح المغرب على دول الساحل؟
مالي وبوركينا فاسو والنيجر دول بلا سواحل. وحين يستورد تاجر في باماكو معدات من الخارج، تعتمد كلفة بضاعته على أجرة الشحن البحري، وعلى ما يدفعه لنقلها من الميناء إلى مدينته، وعلى الوقت الذي تستغرقه الإجراءات في الطريق. وكل تأخير قد يرفع سعر السلعة التي يشتريها المواطن. من هنا أفهم المبادرة الأطلسية التي طرحها المغرب. فهي تسعى إلى إتاحة خيار إضافي لهذه البلدان للوصول إلى التجارة البحرية عبر الموانئ المغربية.
في أبريل 2025، جدد وزراء خارجية مالي وبوركينا فاسو والنيجر دعمهم للمبادرة خلال استقبالهم في الرباط. وفي شتنبر من العام نفسه، اجتمع ممثلو المغرب ودول كونفدرالية الساحل، بمشاركة تشاد، في نيويورك لبحث تنفيذ المشاريع تدريجيًا. وأرى في هذه اللقاءات دليلًا على اهتمام الحكومات المعنية بالمقترح المغربي. أما الحكم على فائدته فسيصبح ممكنًا عندما يعرف التاجر أي طريق ستسلكه شاحنته، وكم سيدفع، ومتى تصل بضاعته.
وللمغرب مصلحة مباشرة في ذلك. فالمقاولة المغربية التي تريد بيع منتجاتها في أسواق الساحل تحتاج بدورها إلى نقل منتظم وتكاليف واضحة. وإذا أصبح الطريق عمليًا، تستطيع هذه المقاولة أن تحدد سعر البيع وموعد التسليم بثقة أكبر. ويمكن لشريكها في مالي أن يستخدم المسار نفسه في الاتجاه الآخر لتصدير منتجاته. وفي تقديري، هذا التبادل هو ما يمنح المبادرة فرصة للاستمرار، لأن الطرفين يجدان فيها منفعة يمكن قياسها.
ما الذي يهم المغرب بعد التقارب بين الجزائر ومالي؟
قد يبدو للبعض أن عودة الحوار بين الجزائر ومالي تضعف فرص المغرب في باماكو. أرى أن مالي تستطيع تحسين علاقتها مع جارها الجزائري، وفي الوقت نفسه تطوير تجارتها مع المغرب. بل إن استقرار الجوار يساعد على تنفيذ المشاريع التي تحتاج إلى طرق آمنة واتفاقات واضحة. ومن مصلحتنا أن يختار شركاؤنا التعاون معنا لما يجدونه فيه من فائدة، وأن تبقى تجارتهم قادرة على الحركة إذا تعطّل أحد المسارات.
وأعتقد أن أفضل طريقة للدفاع عن المبادرة المغربية هي البدء بما يمكن اختباره. لنتصور شحنة تجارية تنطلق من باماكو في اتجاه ميناء مغربي. كم يومًا تقضي على الطريق؟ كم تدفع عند المعابر؟ وهل يستطيع صاحبها تكرار الرحلة بالشروط نفسها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستبين أين يلزم تبسيط إجراء جمركي أو تحسين خدمة نقل. وستوضح أيضًا ما الذي يجنيه المغرب من المشروع، وما الذي يجنيه شريكه في الساحل.
لهذا أتابع عودة الحوار بين الجزائر ومالي باهتمام. فهي تذكّرني بما يمكن أن يخسره المواطن والتاجر حين تتوقف حركة السفر بسبب خلاف سياسي. وأرى أن للمغرب فرصة في تقديم جواب عملي عن هذه المشكلة. فإذا وجد تاجر في باماكو ومُصدّر في المغرب طريقًا يصل بينهما بكلفة معلومة وموعد يمكن الاعتماد عليه، فسيكون لديهما سبب واضح لمواصلة العمل معًا، حتى في الأيام التي تختلف فيها الحكومات.
المصادر
- وكالة الصحافة الإفريقية، عودة السفراء وإعادة فتح المجال الجوي بين الجزائر ومالي، 21 يوليوز 2026. apanews.net
- رسالة الجزائر إلى الأمم المتحدة بشأن حادثة الطائرة المسيّرة، 7 أبريل 2025. digitallibrary.un.org
- محكمة العدل الدولية، بيان بشأن الطلب المالي، 19 شتنبر 2025. icj-web.leman.un-icc.cloud
- أسوشيتد برس، دعم دول الساحل للمبادرة الأطلسية المغربية، أبريل 2025. apnews.com
- الحكومة المالية، اجتماع العمل حول تنفيذ المبادرة الأطلسية، 27 شتنبر 2025. gouvernement.ml







0 التعليقات:
إرسال تعليق