الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، نوفمبر 04، 2026

شمال إفريقيا بين حسابات النفوذ ورهانات التنمية والتعاون: عبده حقي


تتقاطع في شمال إفريقيا تحركات دبلوماسية وعسكرية ومشروعات اقتصادية تعكس اختلاف أولويات دول المنطقة، رغم اشتراكها في مواجهة تحديات الاستقرار والتنمية وتوسيع الشراكات الدولية. وبين تحركات الجزائر تجاه دول تعتبرها غير ودية، والتنافس على الجنوب الليبي، ومساعي مصر لتعزيز حضورها داخل المؤسسات الدولية، تبرز ملفات التعاون الدفاعي والاستثمار والبنيات التحتية ضمن الأخبار المتعلقة بالمغرب. وترسم هذه التطورات صورة لمنطقة تتعدد فيها مسارات بناء النفوذ، وتتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع المصالح الاقتصادية والأمنية.

في الملف الجزائري، برزت تقارير عن تعليمات لتنظيم مقاطعة دول تصنفها الجزائر ضمن الدول المعادية. ويطرح هذا التوجه سؤال العلاقة بين الخلاف الدبلوماسي والقرار الاقتصادي، خصوصًا حين تتحول المبادلات التجارية إلى وسيلة ضغط سياسي. غير أن تقدير أثره الفعلي يظل مرتبطًا بمعرفة الدول والقطاعات المعنية وطبيعة الإجراءات المتخذة. فمن شأن ربط التجارة بتصنيف المواقف الخارجية أن يضيف قدرًا من عدم اليقين إلى علاقات تحتاج عادة إلى الاستقرار ووضوح الالتزامات.

وتكشف هذه المسألة جانبًا من التحديات التي تواجه التعاون الإقليمي؛ إذ يصعب بناء فضاء اقتصادي متكامل حين تخضع المبادلات باستمرار لتقلبات العلاقات السياسية. فالمصالح التجارية تتطلب الثقة واستمرارية القواعد، بينما تدفع الأزمات الدبلوماسية أحيانًا نحو قرارات تتجاوز آثارها الحكومات إلى الشركات والمستهلكين. ولهذا تظل كلفة استخدام الاقتصاد في إدارة الخلافات موضوعًا يستحق المتابعة والتقييم.

وفي ليبيا، يتصدر الجنوب مجددًا مشهد التنافس على النفوذ، مع تداول معلومات عن محاولات صدام حفتر تعبئة قبائل فزان لمواجهة تحركات حكومة طرابلس الرامية إلى تشكيل قوة مختلطة في المنطقة. ويؤكد هذا الملف استمرار أهمية التوازنات المحلية والقبلية في الصراع الليبي، حيث ترتبط القدرة على بسط النفوذ ببناء التحالفات وكسب قبول الفاعلين المحليين، إلى جانب امتلاك القوة العسكرية.

وتحمل المنافسة على فزان أبعادًا تتجاوز السيطرة على مساحة جغرافية واسعة، فالجنوب يمثل مجالًا حساسًا لاتصال ليبيا بجوارها الإفريقي، كما يرتبط استقراره بقدرة المؤسسات على تقديم الخدمات وتنظيم المجال الأمني. ومن ثم، فإن التحركات العسكرية تحتاج إلى مسار سياسي وتنموي يمنح السكان مصلحة مباشرة في الاستقرار، ويحد من قابلية المنطقة للتحول إلى ساحة متجددة للصراع.

وبالتوازي مع ذلك، يبرز دور مرسيليا بوصفها إحدى ساحات الاتصالات الأمريكية المتعلقة بليبيا، بما يعيد إبراز البعد الدولي للأزمة واستمرار حضور القنوات الدبلوماسية الخارجية في متابعة تطوراتها. وتبقى المسألة الأساسية هي مدى قدرة هذه التحركات على تقريب المواقف الليبية وإسناد مسار مؤسساتي مستقر، وربط الاتصالات الخارجية بأولويات المجتمع الليبي وحاجته إلى مؤسسات موحدة وخدمات منتظمة.

أما تونس، فقد حضرت من خلال ملفين يعكسان جانبين مختلفين من المشهد: تنامي نفوذ المسؤول عن أمن الرئيس قيس سعيّد، وإعادة تحريك مشروع توسعة مطار تونس قرطاج. يفتح الملف الأول باب التساؤل حول موقع الأجهزة الأمنية داخل بنية القرار، فيما يضع الثاني البنيات التحتية والربط الجوي في صلب النقاش الاقتصادي.

وتكتسب توسعة المطار أهمية تتصل بالسياحة وحركة الأعمال وجودة استقبال المسافرين. غير أن عودة المشروع إلى الواجهة تمثل بداية مسار تقاس نتائجه بوضوح التمويل ونجاعة التنفيذ والالتزام بالآجال. فالمشروعات الكبرى تحقق قيمتها الاقتصادية عندما تتحول إلى خدمات تواكب حاجات المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، وتساعد على تحسين جاذبية البلاد للاستثمار والسفر.

وفي مصر، تبرز تحركات القاهرة لدعم ترشيح الدبلوماسي وائل أبو المجد لقيادة الوكالة الدولية للطاقة المتجددة. ويعكس هذا المسعى اهتمامًا بالحضور داخل المؤسسات المؤثرة في النقاش العالمي بشأن التحول الطاقي. فالمنافسة على قيادة هيئة دولية من هذا النوع تتصل بالمكانة الدبلوماسية وبالقدرة على المشاركة في صياغة أولويات التعاون في قطاع تتزايد أهميته الاقتصادية والاستراتيجية.

ويمنح التحول نحو الطاقات المتجددة دول شمال إفريقيا مجالًا لتوسيع أدوارها الدولية، شريطة ربط الطموحات الدبلوماسية باستثمارات ومهارات ومشروعات قابلة للاستمرار. فالتموقع داخل المؤسسات الدولية يكتسب أثرًا أوسع حين يواكبه تطوير للخبرات المحلية، وتشجيع للبحث العلمي، وتعزيز لقدرة المؤسسات على الاستفادة من فرص التمويل والتعاون التقني.

وفي الجانب المغربي، يبرز ملف فرص التعاون مع مجموعة «إيدج» الإماراتية في المجال الدفاعي، بما يفتح نقاشًا حول أهمية تنويع الشراكات التقنية وتطوير القدرات الوطنية. وتزداد القيمة طويلة المدى لهذا التعاون بقدر ما يتيحه من تأهيل للكفاءات وتبادل للخبرة وتوسيع للمعرفة المحلية، مع بقاء طبيعة الاتفاقات ودرجة تقدمها مرتبطة بما يعلن رسميًا من تفاصيل.

ويكتسي بناء القدرات التقنية أهمية خاصة في عالم تتسارع فيه التحولات الصناعية، وتتقاطع فيه مجالات الدفاع والاتصالات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي. ومن هذا المنظور، يمكن للشراكات المتخصصة أن تسهم في توسيع قاعدة المهارات الوطنية وفتح آفاق مهنية وصناعية جديدة، بحسب مضمونها وشروط تنفيذها.

كما يلفت الاهتمامَ تطلع بطل الفنون القتالية المختلطة سيريل غان إلى تطوير أنشطة في المغرب تتصل بالاستشارة الرياضية وحقوق الصورة. ويشير هذا الاهتمام إلى الفرص التي يتيحها تقاطع الرياضة مع الاستثمار والخدمات، حيث تتسع الأنشطة الاقتصادية المحيطة بالمنافسة الرياضية لتشمل التأطير والتسويق والتواصل وإدارة المسارات المهنية.

وتنسجم هذه الفرص مع أهمية تطوير منظومة رياضية تتكامل فيها المنشآت والتكوين والخدمات المتخصصة. فاستقطاب الخبرات والمبادرات يمكن أن يساعد على توسيع السوق الرياضية، شريطة تحويل الاهتمام إلى مشروعات واضحة، وبناء صلات عملية مع الكفاءات المحلية والمؤسسات المعنية.

وتجمع هذه الملفات، على اختلاف موضوعاتها، مسألة قدرة دول شمال إفريقيا على تحويل علاقاتها الخارجية ومشروعاتها الداخلية إلى مكاسب ملموسة. فالنفوذ الدبلوماسي يستمد قوته من مؤسسات فعالة واقتصاد منتج، والتعاون التقني تزداد قيمته حين يبني خبرات محلية، والبنيات التحتية تحقق غايتها عندما تحسن الخدمات وتوسع الفرص. وستكشف خطوات التنفيذ، أكثر من قوة العناوين، أي الخيارات أقدر على خدمة الاستقرار والتنمية وتطلعات المجتمعات.


0 التعليقات: