الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


الأحد، نوفمبر 04، 2018

الممارسة الأدبية في عصر الرقمية . من أجل أنطلوجية للمتخيل ترجمة عبده حقي


عادة ما يُنظَر إلى الممارسات الرقمية باعتبارها الموجه الرئيسي للتحولات الكبرى ، فهي تساعدنا على فهم الفعل الأدبي وذلك بإظهاره بشكل أكثر وضوحًا لأشكال
أنطلوجية هي في حد ذاتها ، قيمة خالدة. وهذا هو موضوع هذا المقال على وجه الخصوص ، كون الرقمية هي فرصة لإعادة استثمارالإشكالية التي تسيطرعلى جميع جوانب التفكير في وضع الأدب منذ أفلاطون وأرسطو وهذه الإشكالية تدور حول العلاقة بين الأدب و الواقع والتي عمل سارتر ودريدا على تفكيك تعارضهما في القرن العشرين .
إن الرقمية بتأكيدها في رأينا على غياب التمييز بين ماهو رمزي وما هو غير رمزي يمنعنا من التفكير في تلك القطيعة  بين المتخيل والواقع . وللإهتمام بهذه البنية ، سنعتمد على مفهوم التحريرالشبكي  (éditorialisation )، الذي يعني مجموع الأجهزة التي تمكننا من إنتاج المحتوى في الفضاء الرقمي وذلك بذمج الفضاء الرقمي بالفضاء غير الرقمي. ومن خلال الأمثلة هذه الأدبية - Traque Traces للكاتب  Cécile Portier و Leaving Anne Savelli و Pierre Ménard - سنوضح كيف تلعب الآداب بدور هائل اليوم في منظومة النشر في العالم ، وبالتالي إلغاء بشكل نهائي ثنائية المتخيل والواقع لتفضيل بنية صورة بصرية مشوهة.
إن الشاشة التي من دونها لن تكون هناك كتابة ، هي أيضًا وسيلة أساسية في عملية الكتابة . إن أي وسيلة للكتابة تعتبر جزءا من عملية التفكير كما يقول جاك ديريدا.
الأدب الرقمي باعتباره موضوعا وميدانا للبحث يستفيد منذ سنوات عديدة من طفرة مؤسساتية . هناك أشغال تم إنجازها بهدف ترسيخ خاصياته الأساسية وأشكال القراءة التي ينشرها والأشكال النصية الجديدة والميلتيمديا والإيبرميديا وأيضا مختلف مظاهر القطيعة أو الاستمرارية التي تنتج عن الانتقال إلى الرقمية . إننا نميل إلى هذه الفرضية التي تدعم الاستمرارية من أجل مقاربة السؤال الذي لم يثار في رأينا بالشكل المطلوب .  إذا كان التقليد الأدبي يستدعى بانتظام من أجل توضيح وإضاءة ممارسة الكتابة الرقمية التي تعتبر أحيانا إنجازا ثوريا فماذا يمكن أن تقول في المقابل الثقافة الرقمية في الوضع الأنطلوجي للثقافة بشكل عام .
لنحاول تجاوز هذا اللبس : نحن لا نبني تأملاتنا وأفكارنا على أي توجس من التقنية (تقنوفيليا) ، ولكننا نستوحي ذلك من تاريخ طويل من العلاقات بين الفكر وأسانيده  المطبعية . على حافة النشر (À l’orée de La Dissémination )  هو العمل الذي نشر في عام 1972 - تقريبا منذ العصورالقديمة ، إذا أخذنا بعين الاعتبار القطيعات الفكرية التي حدثت منذ ذلك الوقت ، كتب جاك دريدا: "إذا كان شكل الكتاب قد خضع ، كما نعلم ،إلى تقلبات عامة ، وإذا كان يبدو بشكل أقل مما كان في طبيعته الأولى ، وتاريخه اليوم يبدو أقل شفافية من أي وقت مضى ، وإذا لم يكن من الممكن لمس الكتاب من دون لمس أي شيء ، فإنه لم يعد ممكنا تنظيم – في هذا الإطارعلى سبيل المثال - وسيلة الكتابة التي تستنطقه عمليا ، يجب أيضا تفكيكها. إنطلاقا من هذا النص الرائع ، فإننا لن نحتفظ هنا سوى بعناصره الأكثر تفاهة ، لكنها تؤكد على عودتنا بعد نصف قرن إلى الأسئلة ذاتها . و في الوقت الذي تنشر فيه هذه الأفكار حول عملية التفكيك ، التي طافت العالم قاطبة يتساءل جاك دريدا عن حاجتنا في الحفاظ على تسميات قديمة في سياقات جديدة.
هل سنستمر في تسمية "الخطاب الفلسفي" للعودة التفكيكية لتاريخه؟ "الكتاب LIVRE" ما يقلقنا هو شكله؟ يجيب دريدا بحزم: يجب علينا تطوير"علم مزدوج" وفي نفس الوقت يجب علينا استعادة الغايات التي تقدمت عمليات التأسيس القديمة والتعبيرعن تلك التي تمكننا من الانخراط في موقف مختلف عنها.
لقد ثبت ــ يقول ديريدا ــ أن المواقف الطليعية ليست مطعمة على الأنظمة التي تتعلق بها : "التمسك من أجل الذهاب بعيدا  ، أن نكون أكثر راديكالية أو أكثر جرأة ، إلى جانب موقف محايد إزاء المواقف التقليدية ، فهذا يعني إطلاق العنان للقوى التي تهيمن على هذا المجال حاليا . سيكون ، من الخطأ السيطرة على الوسائل التي ستمكننا من التدخل لفرض التوازن "الانقلاب والتدخل ستكونان هما الكلمتان الرئيسيتان للتفكيك عند دريدا ، وهو ما يعني ضمنيا" ــ كما كتب فيما بعد ــ أن الانتشار يزيح الأنطو- سبيليولوجيا (onto-spéléologie ) تماما ، وهو اسم آخر لعلم القياس: ليس المحاكاة ، لغز القوة الهائلة ، ولكنه تفسير للميميتيس (mimesis ) الذي يتجاهل منطق المضاعفة وكل ما كان يسمى في مكان آخرملحق الأصل ، التكرارغير القابل للتعديل ، الازدواجية دون مراقبة ، إلخ. مسألة نشر: " ماذا يحدث" ، ووفقا لأي وقت  ، وأي فضاء ، ووفق أي بنية ما ل "الحدث" الذي  "أكتب" "إنني أضع بجانبي محبرة مفتوحة ...(جاك ديريدا)
في هذه المرحلة المتميزة بالعديد من التحولات  التكنولوجية والثقافية ، إننا مقتنعون بأن الممارسات الرقمية هي فرصة هامة جدا لفهم الفعل الأدبي . إننا لا نعتبر الرقمية هي بمثابة أداة  للتحولات الكبرى  ، ولكن كمحفز يساعد على كشف بشكل أكثر وضوحا من أي وقت مضى للمظاهر الأنطولوجية التي تنطوي في حد ذاتها على قيمة مستدامة . وبعبارة أخرى، فمقاربتنا تتساوق مع ما صنفه  ماوريتسيو فيراري في "أنطلوجيا الراهن": بمعنى أي أخبار لا ينتج بالضرورة تحولا جوديا، ولكنها تمكننا من التعرف وملاحظة بشكل أفضل لخصائص العالم الذي كان موجودًا دائمًا . وهكذا ، فإن أي عمل رقمي يتيح لنا الفرصة لإعادة استثمار الإشكالية التي تجوب كل مناحي التفكير في وضع الأدب منذ أفلاطون وأرسطو: وهي العلاقة بين الأدب والواقع.
بكل تأكيد يتعلق الأمر بمواضيعية ( thématique )  واسعة التي شاهدنا كيف انهارت في عديد من المحطات التاريخية في الفكر الإنساني منذ البراديغم الأفلاطوني والأرسطي وأن هذا هو موضوع واسع للغاية (وهو ما قد يقول البعض) الذي تم رفضه عدة مرات في تاريخ الفكر ، من النموذج الأفلاطوني والأرسطوطالي للميمية إلى العلاقة بين الواقع والخيال - أو لتحليلات دريدا للعلاقة بين الأدب والواقع . أحد هذه المواضيع المتكررة في هذا النقاش هو التعارض بين المقلد (بكسراللام) والمقلد (بفتح اللام) ، وهما قطبان يمكن أن نضيف إليهما قيمة مميزة ، حيث ينظر إلى المقلد (بفتح اللام) بشكل عام على أنه "أقل واقعية" من المقلد (بكسر اللام)  .
يتجسد هذا النقاش بنفس القدر في قطبية أخرى سوف تثير انتباهنا هنا: تلك التي تعارض ما هو خيالي بما هو واقعي .لا تظهر هذه الثنائية في المفهوم معزولة لوحدها بل يرافق ذلك عديد من التعارضات  التي تستند إلى نفس المشكلة الوجودية : بين الوجود والعدم، بين ما هو رمزي و ماهو غير رمزي، بين ما هو خطابي وغيرخطابي . يتعارض الخيالي مع الواقعي مثلما يتعارض الفضاء الخطابي الفضاء وغير الخطابي  ، مثلما يتعارض المقلد والمقلد ، ومثلما  يتعارض الرمزي مع غيرالرمزي. ومن دون ادعاء للتأسيس لخطاطة لهذه التعارضات ، ولا لتحليل خصوصياتها، أو حتى تحديد تطورها في تاريخ الفكر، سنقوم فقط بتعليق برهانها البين من خلال تقديم كيفية معالجتها من قبل اثنين من أكثر المؤلفين "تمثيلية " - وهو مصطلح يأتي من هذا التاريخ الفكري نفسه - جان بول سارتر وجاك دريدا. من هنا ، يمكننا أن نفكر في الخيال على أنه شيء غير موجود - وهذا ما يدافع عنه سارتر بشكل ملحوظ في كتابه  L'Imaginaire.
يروم إذن هذا المقال إلى التفرد عن تقرير التعارضات هذا : يقينا أن الرقمية تعمل على الردف بين المفهومين (التخيلي والواقعي) الذي من شأنه أن يضعف هذا التعارض  بشكل كبير. وبعيدًا عن "طمس" الحدود بين ما هو خيالي وما هو حقيقي ، وضياع القارئ بحيث لم يعد يعرف وجوده في أي جانب أنطولوجي ، مثلما قامت بذلك بعض التحليلات النقدية سنحاول بدلاً من ذلك أن نعرض مجال حضوره ، مما يسمح بترسيم هذا التعارض التقليدي . كما سنتساءل عما إذا كانت ستظهر بنية وجودية جديدة ، لن يكون فيها لهذا التعارض أي دلالة مهمة بعد الآن. على سبيل المثال ، العديد من المشاريع الأدبية التي تعتمد على برامج رقمية بترسيمات معاصرة - خرائط Google ، و Google Street View ، و Google Earth ، إلخ. - التي تدعونا لتجاوز هذا التعارض بين الخيالي  والواقعي. هذه البرنامج بفضلها نحن جائلون في الخريطة ، وهي في الواقع ليست سوى شكلا جديدا من التحليق مندمج مع الإبحار الشبكي . وعرضنا سوف يحلل على الخصوص مشروع Laisse venir للكاتبان Anne Savelli و Pierre Ménard ، اللذان سيمنحاننا  من باريس إلى مرسيليا رحلة سفر مزدوجة ضمن  تقليد Julio Cortázar و Claire Dunlop

0 التعليقات: