الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


الأربعاء، مارس 26، 2025

الجالية المغربية في المهجر: رافعة استراتيجية في قلب المشروع الملكي: عبده حقي


إن الجالية المغربية هي أكثر بكثير من مجرد امتداد ديموغرافي بسيط للمملكة خارج حدودها. إنها تجسد قوة حيوية، ومجتمعًا متماسكًا وديناميكيًا يمتد التزامه إلى أجيال. إن محمد السادس، الذي يدرك الإمكانات الهائلة التي يمثلها هؤلاء الملايين من المغاربة الذين يعيشون في الخارج، قد وضع دورهم في قلب أولوياته الاستراتيجية. واليوم، لم تعد القضية مجرد مسألة عاطفية أو هوية: فالجالية مدعو لأن تصبح فاعلا حقيقيا في التنمية الوطنية.

ومنذ اعتلائه العرش، كثف العاهل المغربي مبادراته لتعزيز العلاقات بين المغرب وجالية المغتربين. وبعيدًا عن كونه سياسة بسيطة للإدماج الرمزي، فإن هذا النهج يعكس رؤية براغماتية: فمن خلال تسهيل مشاركة المغاربة من جميع أنحاء العالم في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد، تعتزم الرباط الاستفادة من خبراتهم ورأسمالهم المالي وتأثيرهم الدولي.

إذا كانت العلاقة بين المغرب ومواطنيه في الخارج قوية دائما، فإنها تحتاج إلى تنظيم أفضل. ويهدف تنفيذ الإصلاحات المؤسسية على وجه التحديد إلى إعطاء مكانة أكثر مركزية للمغتربين في القرارات والمشاريع التنموية في المملكة. ومن بين التدابير الرئيسية، نجد الرغبة في ضمان زيادة التمثيل السياسي للمغاربة المقيمين بالخارج، وهو نقاش قديم بدأ يظهر من جديد في دوائر صنع القرار.

ويوضح نداء الملك محمد السادس في خطاب العرش لعام 2022 هذا الطموح. وشدد على ضرورة وضع المغاربة المقيمين في الخارج "في قلب الأولويات الوطنية" وضرورة تسهيل مشاركتهم النشطة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب. وهذه الدعوة ليست تافهة: فهي تعكس تحولا نموذجيا حيث لم يعد يُنظر إلى المغتربين كمصدر بسيط للتحويلات المالية، بل كعنصر فاعل استراتيجي في حد ذاته.

تلعب مؤسسات مثل مجلس الجالية المغربية بالخارج (CCME) دورًا رئيسيًا في هذا التقارب. ومع ذلك، ترتفع الأصوات للمطالبة بإصلاحات أعمق، خاصة فيما يتعلق بالحق في التصويت والتمثيل البرلماني للمغاربة المقيمين بالخارج. وينقسم التحدي إلى شقين: فهو لا يتعلق فقط بمنح المغتربين المغاربة ثقلاً سياسياً حقيقياً، بل أيضاً بتوجيه التزامهم لجعله أداة للنفوذ.

إن الثقل الاقتصادي للجالية المغربية في المهجر كبير. ووفقا للبنك الدولي، تجاوزت التحويلات المالية من المغاربة المقيمين في الخارج إلى المغرب 10 مليار دولار في عام 2021، وهو رقم قياسي تاريخي يشهد على ارتباطهم الثابت بالبلاد. وتعتبر هذه التحويلات ضرورية للاقتصاد الوطني، حيث تساهم في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي وتمويل العديد من المشاريع المحلية.

لكن تقليص دور المغتربين إلى مجرد دور "ممول الظل" سيكون خطأً استراتيجياً. وبالإضافة إلى التحويلات النقدية، يتمتع المغاربة الأجانب بالدراية والشبكات والخبرة التي يمكن أن تبث حياة جديدة في النسيج الاقتصادي المغربي. ومن هذا المنطلق، تعمل الحكومة بشكل متزايد على تشجيع استثمارات المغتربين، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية وتقديم حوافز ضريبية لرجال الأعمال المغاربة المقيمين في الخارج.

لكن مشروع محمد السادس يذهب إلى أبعد من ذلك. ولا يقتصر الأمر على جذب رأس المال فحسب، بل يتعلق أيضًا بدمج هذه المهارات بشكل كامل في النظام البيئي الوطني. ومثال قطاع التكنولوجيات الجديدة واضح بشكل خاص: فالعديد من المغاربة المتخرجين من أفضل الجامعات الدولية يرغبون في المساهمة في تطوير الابتكار في بلدهم الأصلي، لكنهم يواجهون في بعض الأحيان الروتين البيروقراطي. وتهدف الإصلاحات المؤسسية الجارية على وجه التحديد إلى إزالة هذه العقبات.

وبعيدًا عن الاعتبارات الاقتصادية، يمثل الجالية المغربي أداة هائلة للقوة الناعمة للمملكة. وهي متواجدة في العواصم الكبرى حول العالم، وتساهم في تشكيل صورة إيجابية عن المغرب والدفاع عن مصالحه على الساحة الدولية. إن مسألة الصحراء الغربية هي خير مثال على ذلك: فمن خلال شبكاتهم، يلعب المغاربة المقيمين بالخارج دورا رئيسيا في الدبلوماسية الموازية من خلال رفع الوعي بالقضية الوطنية بين صناع القرار السياسي ووسائل الإعلام.

وتسعى الرباط أيضًا إلى تعبئة هذه المواهب من خلال إنشاء منصات للتعاون والتبادل، مثل برنامج “أكاديمية التوعية بمخاطر الألغام” الذي يهدف إلى تعزيز الخبرات المغربية في الخارج.

إذا كانت مشاركة الجالية المغربية في تنمية البلاد تتطور باستمرار، فإنها تعتمد على معادلة بسيطة: لكي تلعب المغاربة المقيمين بالخارج دورهم بشكل كامل، يجب أن يتم توفير الهياكل المناسبة لهم وقنوات المشاركة الملموسة. إن الديناميكية الحالية التي يقودها محمد السادس تفتح آفاقا واعدة، لكنها تتطلب تنفيذا صارما وتكيفا مستمرا مع الحقائق على الأرض.

إن الجالية المغربي ليس مجرد امتداد للمملكة؛ فهي جزء من عمودها الفقري. وبفضل تمسكها بجذورها وقدرتها على إقامة روابط بين المغرب وبقية العالم، فإنها تشكل رصيدا استراتيجيا تعتزم السلطة الملكية تعزيزه. إن المسألة تتجاوز مجرد مسألة التكامل: إنها شراكة حقيقية بين المغرب وأبنائه في جميع أنحاء العالم. شراكة، إذا تمت بذكاء وطموح، يمكنها أن تعيد تحديد دور المغتربين في بناء مستقبل المملكة.

0 التعليقات: