في كل مرة يُثار فيها الحديث عن أداة ذكاء اصطناعي لم تُكشف بعد، أجدني أتساءل: هل نكتب لأننا نعرف، أم لأننا نُغرى بالسبق؟ هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، يخفي خلفه شبكة معقدة من الالتزامات الأخلاقية التي لا تُقاس بعدد النقرات ولا بسرعة الانتشار.
الصحافة، في هذا السياق، لا تتعامل مع معطيات نهائية، بل مع شذرات معلومات، وتصريحات محسوبة، وتسريبات غالباً ما تُصاغ بلغة جذابة تخفي أكثر مما تُظهر. والوقوع في فخ هذه اللغة يشبه الانجراف مع تيار قوي؛ يبدو مريحاً في البداية، لكنه يسحب المهنة بعيداً عن شاطئها الطبيعي. كتب أحد منظّري الإعلام في كتابه عن أخلاقيات الخبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخطأ، بل في الثقة العمياء بالمصدر.
حين نكتب عن أداة لم يجربها الجمهور، فإننا نكتب عن احتمال، لا عن واقع. وهذا الفرق، وإن بدا لغوياً طفيفاً، إلا أنه أخلاقياً حاسم. فالتقديم المبالغ فيه قد يحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أسطورة معاصرة، تُقدَّم كقوة خارقة، لا كمنظومة تقنية قابلة للنقد والمساءلة. وقد شاهدنا، في تغطيات صحفية عديدة خلال السنوات الأخيرة، كيف انزلقت بعض المنابر من التحليل إلى التهويل، تحت ضغط المنافسة الرقمية.
الأمر لا يتعلق فقط بالدقة، بل بالعدالة أيضاً. من يملك حق الاطلاع؟ ومن يُقصى من دائرة المعرفة؟ عندما تصبح الصحافة قناة عبور لرسائل غير متكافئة، فإنها تفقد أحد أعمدتها الأساسية. هذا ما نبهت إليه دراسات إعلامية حديثة تناولت علاقة الصحفي بشركات التكنولوجيا الكبرى، معتبرة أن الاستقلال لم يعد شعاراً نظرياً، بل ممارسة يومية شاقة.
في المحصلة، لا أرى أن الحل يكمن في الصمت أو الانتظار، بل في استعادة نبرة الشك المهني. الشك هنا ليس عداءً للتكنولوجيا، بل احتراماً للعقل العام. فالصحافة التي تكتب عن الذكاء الاصطناعي قبل ظهوره، مطالَبة بأن تكون أكثر إنسانية، لا أكثر انبهاراً. وكأنها، في كل سطر، تُعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: لمن نكتب؟ ولماذا؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق