يعود الجدل حول التاريخ والحدود في شمال إفريقيا كلما احتدمت الأزمات السياسية بين دول المنطقة، غير أن هذا الجدل لا يمكن فهمه من دون العودة إلى السياق التاريخي الطويل الذي تشكّلت فيه الكيانات والدول. ومن هذا المنظور يبرز مفهوم “الجزائر السليبة” بوصفه قراءة تاريخية ناقدة لمسار اقتطاع أجزاء واسعة من المجال المغربي التاريخي، وتحوّلها عبر مراحل متعاقبة من الهيمنة العثمانية ثم الاستعمار الأوروبي إلى دولة حديثة باسم "الجزائر."
في القرون الوسطى وبدايات العصر الحديث، كانت المملكة المغربية كيانًا سياسيًا واسع النفوذ، خاصة في ظل الدول المرابطية والموحدية ثم السعدية والعلوية. لم يكن المغرب مجرد دولة قطرية بالمعنى الحديث، بل إمبراطورية ذات امتداد ترابي وبشري كبير، تستند إلى الشرعية الدينية والسياسية، وإلى شبكة بيعات وتحالفات قبلية وتجارية. وقد امتد نفوذ هذه الإمبراطورية جنوبًا إلى نهر السنغال، وشرقًا إلى تخوم ليبيا، وشمالًا إلى الأندلس وبلاد الغال، حيث لعب المغاربة دورًا مركزيًا في الدفاع عن الإسلام وحماية المجال الأندلسي لعدة قرون.
غير أن هذا الامتداد الإمبراطوري العظيم تعرض للتقلص مع صعود الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر. فقد بسط العثمانيون نفوذهم على أجزاء واسعة من شمال إفريقيا، مستفيدين من تراجع القوى المحلية ومن التنافس الأوروبي المتصاعد. وفي هذا السياق، تم انتزاع المجال الشرقي المغربي ، بما فيه إيالة الجزائر، من دائرة النفوذ المغربي، ليس عبر قطيعة حضارية واضحة، بل عبر فرض واقع سياسي جديد بالقوة العسكرية وباسم الخلافة.
إن هذا التحول لم يكن مجرد انتقال إداري، بل شكل بداية تفكك المجال المغاربي التاريخي، حيث تحولت الجزائر إلى كيان تابع للباب العالي في إسطنبول، منفصل سياسيًا عن عمقها الشرعي المغربي، رغم استمرار الروابط الاجتماعية والثقافية بين القبائل والسكان. ومع مرور الزمن، ترسخت هذه القطيعة السياسية، لتفتح الباب أمام مرحلة أكثر حدة مع دخول الاستعمار الأوروبي.
في القرن التاسع عشر، نزلت فرنسا بثقل قوتها لتفرض احتلالها على الجزائر سنة 1830، وتحولها إلى مستعمرة استيطانية. غير أن الأخطر في المسار الفرنسي لم يكن فقط احتلال الجزائر، بل إعادة رسم الحدود على حساب حقوق المغرب. فقد قامت الإدارة الاستعمارية الفرنسية باقتطاع مساحات شاسعة من الصحراء الشرقية المغربية، من بينها تندوف وبشار وغيرهما، وضمّها إلى الكيان الجزائري المستحدث، في تجاهل تام للروابط التاريخية والقبلية والبيعية التي كانت تربط هذه المناطق بالسلطان المغربي.
هذا التلاعب الاستعماري الفرنسي بالحدود المغربية لم يكن بريئًا، بل استند إلى منطق “فرّق تسد”، وإلى الرغبة في خلق دولة كبيرة جغرافيًا، تدور في الفلك الفرنسي، وتشكّل حاجزًا جيوسياسيًا أمام المغرب. وهكذا وُلدت الجزائر الحديثة بحدود لم تكن نتاج تطور تاريخي طبيعي، بل نتيجة قرار استعماري فرنسي صرف.
وفي الوقت ذاته، لعبت إسبانيا دورًا موازياً في اقتطاع أجزاء أخرى من المجال المغربي. فقد سيطرت على مدن الشمال، مثل سبتة ومليلية، إضافة إلى بسط نفوذها على الصحراء الجنوبية المغربية لفترة طويلة. وبذلك وجد المغرب نفسه، مع مطلع القرن العشرين، محاصرًا بحدود رسمها الاستعمار، ومجردًا من جزء كبير من مجاله التاريخي.
غير أن التاريخ لا يُقرأ فقط بمنطق الحنين أو المظلومية، بل بمنطق التحولات. فالمغرب الحديث اختار، منذ الاستقلال، مسار بناء الدولة الوطنية الحديثة، القائمة على الشرعية التاريخية، ولكن أيضًا على الانخراط في النظام الدولي، واحترام الحدود الموروثة، مع الدفاع عن وحدته الترابية بالوسائل السياسية والقانونية.
إن استعادة “المجد” المغربي لا تمر عبر استرجاع الخرائط القديمة، بل عبر تكريس ريادة ديمقراطية حقيقية، وتوسيع فضاء حقوق الإنسان، وبناء نموذج تنموي جذاب في محيطه الإقليمي. فالمغرب القوي ديمقراطيًا، المتصالح مع تاريخه، والمنفتح على محيطه الإفريقي والمتوسطي، هو القادر على استعادة نفوذ معنوي وحضاري يفوق أي نفوذ ترابي.
بهذا المعنى، تتحول “جزائرنا السليبة” من مجرد شعار تاريخي إلى سؤال سياسي وأخلاقي أعمق: كيف يمكن لتاريخ الإمبراطورية الشريفة أن يُستثمر لبناء مستقبل إقليمي قائم على التعاون، لا على الصراع، وعلى الريادة الديبلوماسية الناعمة، لا على منطق الرعونة السياسية؟ هنا فقط، قد يستعيد المغرب مجده، لا كإمبراطورية حدود، بل كإمبراطورية قيم مغاربية وعالمية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق