الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، فبراير 12، 2026

الإعلام العربي في أفق 2030 تحت راية الذكاء الاصطناعي: عبده حقي

 


يشهد العالم تحوّلاً تاريخياً تقوده ثورة الذكاء الاصطناعي، حيث تتجه الاستثمارات العالمية نحو صناعة تتجاوز قيمتها تريليون دولار خلال السنوات القليلة المقبلة. هذا التحول العميق يعيد رسم ملامح الاقتصاد والمعرفة والاتصال، ويضع الإعلام في قلب معادلة جديدة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع صناعة المحتوى، وتتداخل فيها الخوارزميات مع القيم المهنية. في هذا السياق، يبرز سؤال استراتيجي يتعلق بموقع الإعلام العربي داخل هذه الموجة العالمية المتسارعة، وبقدرته على تحويل التحديات التقنية إلى فرص تنموية ومهنية بحلول عام 2030.

إن غرف الأخبار التقليدية تعيش مرحلة انتقالية دقيقة. فالتطورات المتلاحقة في مجالات معالجة اللغة الطبيعية، وتحليل البيانات الضخمة، والتعلم العميق، تفتح آفاقاً واسعة لإعادة هيكلة سير العمل التحريري. أدوات مثل OpenAI وGoogle وMicrosoft تطوّر نماذج قادرة على إنتاج نصوص وتحليلات وترجمات فورية، مع إمكانات هائلة في التلخيص واستخراج المعطيات الدقيقة من كميات ضخمة من المعلومات. هذا التحول يتيح للمؤسسات الإعلامية العربية فرصة تحديث بنيتها الإنتاجية، عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في التحرير، والرصد الإخباري، والتحقق من المعلومات، وصناعة المحتوى المتعدد الوسائط.

الرؤية الاستراتيجية لتحويل غرف الأخبار العربية ترتكز على أربعة محاور أساسية. أول هذه المحاور يتمثل في بناء بنية تحتية رقمية متقدمة، تشمل أنظمة إدارة محتوى مدعومة بخوارزميات تحليلية، وقواعد بيانات مترابطة قادرة على تغذية الصحفيين بمعطيات دقيقة في الزمن الحقيقي. هذا التحول يتطلب استثمارات في الحوسبة السحابية، وفي أدوات تحليل البيانات، إضافة إلى شراكات مع شركات التكنولوجيا الرائدة. المؤسسات التي تبادر إلى هذا التحديث تضمن لنفسها موقعاً تنافسياً داخل سوق إعلامي إقليمي يتجه نحو مزيد من الاحترافية والسرعة.

المحور الثاني يتعلق بتأهيل الموارد البشرية. فالمستقبل الإعلامي يقوم على تكامل بين الصحفي والآلة. الصحفي العربي مدعو إلى اكتساب مهارات جديدة في تحليل البيانات، وفهم آليات عمل الخوارزميات، والتعامل مع أدوات الأتمتة الذكية. الجامعات ومعاهد الصحافة مطالبة بإدماج مساقات متخصصة في الذكاء الاصطناعي التطبيقي، وأخلاقيات التكنولوجيا، وصحافة البيانات. هذا التكوين المستمر يخلق جيلاً من الصحفيين القادرين على توظيف التكنولوجيا لخدمة الحقيقة والمصلحة العامة.

أما المحور الثالث فيتصل بأخلاقيات الاستخدام. فالذكاء الاصطناعي يقدم قدرات إنتاجية هائلة، مع تحديات تتعلق بالتحيز الخوارزمي، وخصوصية البيانات، وحقوق الملكية الفكرية. الإعلام العربي بحاجة إلى مواثيق تنظيمية واضحة تضبط استخدام التقنيات الذكية داخل غرف الأخبار، وتضمن الشفافية في توظيفها. يمكن إنشاء هيئات استشارية تجمع خبراء في القانون والتكنولوجيا والإعلام لصياغة أطر مرجعية تراعي الخصوصية الثقافية العربية، وتنسجم مع المعايير الدولية.

المحور الرابع يهم الابتكار في النماذج الاقتصادية. الذكاء الاصطناعي يتيح تطوير منصات إخبارية مخصصة تعتمد على تحليل سلوك الجمهور وتقديم محتوى يتناسب مع اهتماماته. كما يفتح المجال أمام إنتاج محتوى صوتي ومرئي مدعوم بالذكاء الاصطناعي، مثل البودكاست التفاعلي والنشرات المرئية المؤتمتة. هذه الابتكارات تعزز مصادر الدخل عبر الاشتراكات الرقمية والإعلانات الموجهة بدقة، وتدعم استدامة المؤسسات الإعلامية في بيئة تنافسية.

خريطة الطريق نحو عام 2030 يمكن تقسيمها إلى مراحل متدرجة. المرحلة الأولى تمتد إلى عام 2026، وتركز على التقييم الداخلي لاحتياجات المؤسسات الإعلامية، وإطلاق مشاريع تجريبية محدودة لدمج أدوات الذكاء الاصطناعي في التحرير والرصد. المرحلة الثانية بين 2026 و2028 تشهد توسيع نطاق الاستخدام، مع إنشاء وحدات متخصصة في صحافة البيانات والتحقق الرقمي. أما المرحلة الثالثة بين 2028 و2030 فتتجه نحو التحول الشامل، حيث تصبح الخوارزميات جزءاً عضوياً من منظومة الإنتاج الإعلامي، مع تكامل كامل بين العمل البشري والأنظمة الذكية.

في العالم العربي، تبرز تجارب رائدة في مجال التحول الرقمي، خاصة في دول الخليج التي تستثمر بقوة في التكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى مبادرات ناشئة في شمال إفريقيا تسعى إلى تطوير منصات رقمية مبتكرة. هذا السياق يوفر بيئة ملائمة لتبني استراتيجية إقليمية مشتركة، تقوم على تبادل الخبرات، وتأسيس مراكز بحث إعلامي متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ودعم الشركات الناشئة العاملة في مجال التكنولوجيا الإعلامية.

إن التحول الذكي في الإعلام العربي يحمل بعداً حضارياً يتجاوز الجانب التقني. فهو يعزز حضور اللغة العربية في الفضاء الرقمي العالمي، ويتيح تطوير نماذج لغوية مدربة على السياقات الثقافية المحلية، ويمنح الجمهور محتوى أكثر دقة وعمقاً. كما يسهم في رفع جودة التحقيقات الاستقصائية عبر تحليل الوثائق الضخمة واكتشاف الأنماط المخفية في البيانات.

بحلول عام 2030، يمكن تصور غرف أخبار عربية تعتمد على أنظمة تحليل فوري للأحداث، ومنصات تفاعلية تقدم تقارير مخصصة لكل قارئ، وشبكات تحقق آلي تكشف التضليل في لحظات. هذا المشهد يعكس انتقال الإعلام من نموذج تقليدي قائم على البث الأحادي إلى منظومة ذكية ديناميكية تتفاعل مع الجمهور وتستجيب لاهتماماته.

الإعلام العربي يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لصياغة مستقبله بوعي استراتيجي ورؤية بعيدة المدى. الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يمثل رافعة قوية لتجديد الخطاب الإعلامي، وتعزيز المهنية، وترسيخ الثقة بين المؤسسات والجمهور. الرهان الحقيقي يكمن في الجمع بين قوة التكنولوجيا وروح الرسالة الصحفية، في مسار يصنع إعلاماً عربياً أكثر تأثيراً وقدرة على المنافسة في عالم يتشكل على إيقاع الخوارزميات.


0 التعليقات: