الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، فبراير 12، 2026

تأملات في الرواية البيومترية: عبده حقي

 


لم يعد الجسد، في الثقافة المعاصرة، مجرد كيان بيولوجي يعيش في العالم ويستهلك الحكايات؛ لقد أصبح منتجًا صامتًا للبيانات، ومختبرًا متنقلاً يفرز إشارات كهربائية وكيميائية يمكن التقاطها وتحليلها وتوظيفها. في هذا السياق الجديد، تبرز فكرة “الرواية البيومترية” بوصفها أفقًا سرديًا غير مسبوق، حيث تُبنى الحكاية استنادًا إلى بيانات فسيولوجية للقارئ: معدل نبضه، استجابته الجلدية، حركته العينية، وربما حتى نشاطه الدماغي. هنا، لا تعود الرواية نصًا ثابتًا يُقرأ، وإنما تصبح كائنًا حيًا يتشكل وفق إيقاع الجسد ذاته، كما لو أن القلب صار محررًا خفيًا يراجع الفصول في كل لحظة.

لقد ناقش الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان في كتابه الشهير Understanding Media فكرة أن الوسيط هو الرسالة، أي أن طبيعة الوسيلة تؤثر في بنية الإدراك ذاته. وإذا مددنا هذا التصور إلى عصر الأجهزة القابلة للارتداء، من ساعات ذكية وأساور لياقة، سنجد أن الوسيط لم يعد شاشة أو ورقًا فحسب، بل جسدًا مراقبًا باستمرار. وحين يتحول الجسد إلى وسيط، فإن الرسالة السردية نفسها ستخضع لتحول جذري. الرواية البيومترية، إذن، ليست مجرد تطور تقني، بل انقلاب إبستمولوجي في علاقة النص بالقارئ.

الفكرة الأساسية بسيطة في ظاهرها ومعقدة في عمقها: تُجمع بيانات القارئ الحيوية أثناء القراءة، ثم تُحلل عبر خوارزميات ذكاء اصطناعي لتحديد لحظات التوتر أو الملل أو الاندماج. إذا ارتفع معدل نبض القلب عند مشهد معين، يمكن للنظام أن يطيل المشهد أو يعمقه. وإذا أظهرت الاستجابة الجلدية تراجعًا في الإثارة، قد يُعاد تشكيل السرد بإدخال حدث مفاجئ. هكذا تصبح الرواية شبيهة بمرآة حساسة، تعكس انفعالات القارئ وتعيد صياغتها في هيئة حبكة متحولة.

هذه الرؤية تجد جذورها في تجارب الأدب التفاعلي التي ازدهرت منذ تسعينيات القرن الماضي، وفي تنظيرات هنري جنكينز حول “ثقافة التقارب” في كتابه Convergence Culture، حيث تتداخل الوسائط وتتقاطع الأدوار بين المنتج والمتلقي. غير أن الرواية البيومترية تذهب أبعد من التفاعل الاختياري، إذ تنفذ إلى ما هو لا إرادي، إلى ارتعاشة خفيفة في الجلد أو تغير طفيف في التنفس، لتجعل منها عنصرًا بنيويًا في السرد. القارئ هنا لا يختار مسارًا بوعي كامل، بل يُفصح جسده عن رغباته الدفينة دون أن يدرك.

مع ذلك، يطرح هذا النموذج أسئلة أخلاقية لا يمكن تجاهلها. لقد أثارت فضيحة Cambridge Analytica عام 2018 جدلاً واسعًا حول استغلال البيانات الشخصية في التأثير السياسي. وإذا كانت البيانات السلوكية قد استُخدمت لتوجيه الحملات الانتخابية، فما الذي يمنع استخدام البيانات الحيوية لتوجيه الوعي الجمالي أو حتى العاطفي؟ ألن تتحول الرواية، في أسوأ السيناريوهات، إلى أداة هندسة وجدانية، تُصمم بعناية لإبقاء القارئ في حالة تعلق دائم، كما تفعل بعض منصات التواصل الاجتماعي؟

في المقابل، يمكن النظر إلى الرواية البيومترية كفرصة لإعادة الاعتبار للفرد في زمن الإنتاج الثقافي الشامل. لقد انتقد بيونغ تشول هان في كتابه In the Swarm مجتمع الشفافية والبيانات الذي يحول الإنسان إلى ملف رقمي. غير أن توظيف البيانات الحيوية في السرد قد يمنح القارئ تجربة فريدة، لا تتكرر، أقرب إلى حوار خاص بين النص وجسد واحد بعينه. إننا أمام احتمال أن تصبح كل قراءة حدثًا لا يُستنسخ، كما لو أن الرواية تُكتب من جديد في كل مرة، بحبر نابض.

من الناحية التقنية، يعتمد هذا النموذج على تقنيات التعلم الآلي وتحليل الإشارات الحيوية، وهي مجالات شهدت تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. تقارير شركات التكنولوجيا الكبرى حول توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحة الرقمية تشير إلى إمكانية دمج أجهزة قياس النشاط الحيوي مع منصات المحتوى. وإذا كانت بعض الألعاب الإلكترونية قد بدأت بالفعل في استخدام أجهزة قياس نبض القلب لزيادة صعوبة اللعب، فإن انتقال الفكرة إلى الأدب يبدو خطوة منطقية في مسار تطور الوسائط.

غير أن الأدب، بطبيعته، ليس لعبة. إنه فضاء للتأمل، للبطء أحيانًا، وللمقاومة الصامتة ضد إيقاع السوق السريع. فهل ستسمح الرواية البيومترية بلحظات الصمت والتأمل، أم ستقيس الملل فتستبعده، رغم أن الملل قد يكون شرطًا للتفكير العميق؟ هنا تكمن المفارقة: ما يُقاس قد يُختزل، وما يُختزل قد يفقد ثراءه. إن اختزال التجربة الجمالية في مؤشرات حيوية قد يحرمها من غموضها الضروري، ذلك الغموض الذي يجعل الأدب، كما قال ميلان كونديرا، مساحة لاكتشاف الوجود.

يمكن تخيل مستقبل يجلس فيه القارئ مرتديًا جهازًا خفيفًا يقيس إشاراته الحيوية، بينما تتغير فصول الرواية على شاشة أمامه. قد يشعر بأن النص يفهمه، يواسيه، أو حتى يتحداه. غير أن هذا الفهم ليس بريئًا تمامًا؛ إنه فهم مبني على خوارزميات، على نماذج إحصائية تستنتج من النبض معنى، ومن التعرق دلالة. وبين المعنى الإنساني والدلالة الرقمية مسافة شاسعة، كالمسافة بين نبض القلب وصوت القصيدة.

الرواية البيومترية، في نهاية المطاف، ليست قدرًا محتومًا ولا مجرد خيال علمي. إنها احتمال مفتوح، يحمل في طياته وعودًا ومخاطر. قد تتيح تجارب قراءة غير مسبوقة، حيث يصبح الجسد شريكًا فعليًا في الكتابة. وقد تفتح الباب أيضًا أمام أشكال جديدة من المراقبة الثقافية. بين هذين القطبين، يقف الأدب على عتبة تحول عميق، يتأمل جسده للمرة الأولى كجزء من بنيته السردية.

إن السؤال الجوهري لا يتعلق بالتقنية ذاتها، بل بالتصور الذي نحمله عن الإنسان. إذا كنا نراه كائنًا يمكن اختزاله في بيانات، فإن الرواية البيومترية ستكون امتدادًا طبيعيًا لهذا الاختزال. أما إذا اعتبرناه كائنًا يتجاوز قياساته، فإن هذه الرواية قد تبقى تجربة محدودة، تلامس السطح دون أن تبلغ العمق. وفي كلتا الحالتين، يظل الجسد، بنبضه الخافت، يذكرنا بأن الحكاية بدأت يومًا بصوت بشري يروي حول نار، لا بجهاز يستشعر الإشارات.


0 التعليقات: