الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، فبراير 17، 2026

رحلة خيالية إلى الآخرة… كتاب “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعرّي: عبده حقي

 


هل يمكن أن نكتب قصة عن الجنة والنار قبل ألف سنة بطريقة ساخرة وممتعة؟

هذا بالضبط ما فعله الشاعر والفيلسوف العربي الكبير أبو العلاء المعرّي في كتابه الشهير رسالة الغفران، أحد أغرب وأجمل الكتب في التراث العربي.

هذا الكتاب ليس مجرد نص ديني ولا قصة عادية… بل هو أشبه بفيلم خيال أدبي قديم جدًا، مليء بالمغامرة، الحوار، الضحك، والنقد الذكي للمجتمع والثقافة في عصره.

من هو أبو العلاء المعرّي؟

أبو العلاء المعري عاش في القرن الرابع الهجري (حوالي سنة 973م) في مدينة معرة النعمان بسوريا.
فقد بصره صغيرًا، لكنه أصبح واحدًا من أعظم العقول في تاريخ الأدب العربي.

كان مختلفًا عن أغلب الناس:

  • لا يأكل اللحم

  • يميل للعزلة

  • يشكك في العادات

  • ويطرح أسئلة فلسفية جريئة

ولهذا اعتبره البعض شاعرًا حكيمًا… واعتبره آخرون شخصًا غريبًا جدًا.

لماذا كتب رسالة الغفران؟

القصة بدأت برسالة حقيقية!

أحد الأدباء اسمه ابن القارح كتب إلى المعري رسالة طويلة يتباهى فيها بثقافته ويطلب من المعري أن يمدحه.
المعري لم يرد بطريقة مباشرة… بل قرر أن يرد بقصة خيالية مذهلة!

تخيل أن ابن القارح مات… ثم ذهب إلى الآخرة… ثم دخل الجنة!

ومن هنا تبدأ الرحلة.

ماذا يحدث داخل القصة؟

في الكتاب، يرافقنا المعري في رحلة عبر العالم الآخر:
الجنة — النار — الحساب — لقاء الشعراء — الحوارات

لكن المفاجأة:
الجنة ليست مكانًا صامتًا… بل مليئة بالشعراء والأدباء الذين ماتوا منذ قرون!

ابن القارح يبدأ يقابل شخصيات تاريخية:

  • شعراء جاهليون

  • شعراء إسلاميون

  • أدباء مشهورون

ويدور بينهم نقاش طويل حول الشعر، اللغة، الدين، والأخلاق.

الجنة عند المعري ليست كما نتخيل

المعري لا يصف الجنة فقط بالأنهار والقصور…
بل يحولها إلى منتدى أدبي كبير!

الشعراء يجلسون ويتجادلون:
من الأفضل؟
من الصادق؟
من الكاذب؟
ومن يستحق الغفران؟

أحيانًا الحوار يكون جديًا… وأحيانًا ساخرًا جدًا.

السخرية الذكية في الكتاب

رسالة الغفران ليست كتابًا دينيًا تقليديًا.
المعري يستخدم الخيال ليقول أفكارًا لا يستطيع قولها مباشرة.

مثلاً:
بعض الشعراء الذين كانوا معروفين بالكذب يدخلون الجنة!
وبعض المتدينين يظهرون بصورة مضحكة!

هنا نفهم أن المعري لا يحاكم الناس… بل ينتقد النفاق الثقافي والاجتماعي.

هو يسأل سؤالًا مهمًا:
هل الحكم على الإنسان بالكلام أم بالأخلاق؟

لماذا يعتبر الكتاب مهمًا جدًا؟

الكثير من الباحثين يقولون إن هذا الكتاب يشبه الكوميديا الإلهية لدانتي التي كتبت بعده بقرون.

أي أن المعري سبق الأدب العالمي بفكرة الرحلة إلى العالم الآخر.

الكتاب مهم لأنه:

  • أول رواية خيالية فلسفية في الأدب العربي

  • مليء بالفكاهة والذكاء

  • يقدم نقدًا اجتماعيًا جريئًا

  • يجمع بين الدين والأدب والفلسفة

أسلوب الكتاب

رغم أن عمره ألف سنة… إلا أنه ممتع!

اللغة قوية لكنها مليئة بالطرائف
والحوار يشبه أحيانًا مناظرات البرامج الثقافية اليوم

المعري كان يكتب كأنه يرى المستقبل:
يعرف أن الناس ستختلف… وستجادل… وستبحث عن المعنى.

ماذا نتعلم من رسالة الغفران؟

الكتاب لا يريد أن يخيفنا من الآخرة…
بل يريد أن يجعلنا نفكر في الحياة.

أهم الأفكار فيه:

  • الإنسان لا يقاس بالمظاهر

  • الثقافة ليست ادعاءً

  • الحقيقة تحتاج عقلًا لا تقليدًا

  • والضحك أحيانًا أقوى من الخطابة

لماذا يصلح هذا الكتاب لليوم؟

لأننا ما زلنا نعيش نفس النقاشات:
من المثقف الحقيقي؟
من الصادق؟
من يتحدث باسم الدين؟
ومن يمثل الأخلاق؟

المعري طرح هذه الأسئلة قبل ألف عام… وما زالت حية.

الخلاصة

رسالة الغفران ليست كتابًا قديمًا نضعه في الرفوف،
بل رحلة ممتعة داخل عقل عربي عبقري استخدم الخيال ليقول الحقيقة.

هي قصة عن الجنة… لكنها في الحقيقة قصة عن البشر.

وكلما قرأناها نكتشف أن الإنسان لا يتغير كثيرًا…
الزمن يتغير فقط.


0 التعليقات: