الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، فبراير 17، 2026

مَتاهاتُ الحِكايةِ الذَّكِيَّةِ تَتَّسِعُ فِي فَضاءِ الإِبْداعِ العَرَبِيِّ وَالإِفْرِيقِيِّ: عبده حقي


يَشْهَدُ مَجَالُ الأَدَبِ الرَّقْمِيِّ فِي الفَضَاءِ العَرَبِيِّ وَالإِفْرِيقِيِّ تَحَوُّلًا لَافِتًا فِي هٰذِهِ السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ، حَيْثُ لَمْ يَعُدِ النَّصُّ مُجَرَّدَ كِتَابَةٍ مَطْبُوعَةٍ، بَلْ أَصْبَحَ بِنْيَةً مُتَحَرِّكَةً تَتَقَاطَعُ فِيهَا اللُّغَةُ مَعَ الصُّورَةِ وَالخَوَارِزْمِيَّةِ وَالصَّوْتِ وَالتَّفَاعُلِ. وَفِي المَغْرِبِ وَالعَالَمِ العَرَبِيِّ وَإِفْرِيقِيَا نُلاَحِظُ تَشَكُّلَ خَرِيطَةٍ جَدِيدَةٍ لِلْكِتَابَةِ تَخْرُجُ مِنَ الوَرَقِ إِلَى الشَّاشَةِ، وَمِنَ القَارِئِ الصَّامِتِ إِلَى المُتَلَقِّي المُشَارِكِ.

فِي المَغْرِبِ بَدَأَتِ التَّجَارِبُ الرَّقْمِيَّةُ تَتَّخِذُ طَابِعًا مُؤَسَّسَاتِيًّا، فَإِلَى جَانِبِ المُبَادَرَاتِ الجَامِعِيَّةِ وَالمُخْتَبَرَاتِ الثَّقَافِيَّةِ، أَصْبَحَتِ التَّظَاهُرَاتُ الرَّقْمِيَّةُ تَجْمَعُ بَيْنَ الفَنِّ وَالتِّكْنُولُوجْيَا، خَاصَّةً فِي المَدُنِ الكُبْرَى. وَيَظْهَرُ اتِّجَاهٌ نَحْوَ مَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ «الرِّوَايَةِ التَّفَاعُلِيَّةِ»، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ النَّصُّ إِلَى وَاجِهَةٍ تَسْتَعْمِلُ الصُّوَرَ وَالفِيدْيُوهَاتِ وَالرَّوَابِطَ. كَمَا تَزَايَدَتِ الوِرَشَاتُ الَّتِي تُدَرِّبُ الشَّبَابَ عَلَى صِنَاعَةِ الحِكَايَاتِ التَّفَاعُلِيَّةِ وَالشِّعْرِ البَصَرِيِّ وَالكِتَابَةِ بِمُسَاعَدَةِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ، وَهُوَ مَا يُشِيرُ إِلَى انْتِقَالِ الأَدِيبِ مِنْ دَوْرِ الكَاتِبِ إِلَى دَوْرِ المُصَمِّمِ السَّرْدِيِّ.

وَيَتَّضِحُ أَيْضًا تَوَجُّهٌ مَغْرِبِيٌّ لِرَبْطِ الأَدَبِ الرَّقْمِيِّ بِالأَرْشِيفِ وَالذَّاكِرَةِ؛ فَقَدْ بَدَأَتْ مَشَارِيعُ رَقْمَنَةِ المَخْطُوطَاتِ وَالسِّيَرِ الشَّفَوِيَّةِ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَوَادَّ سَرْدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تُقَدَّمُ فِي شَكْلِ مَوَاقِعَ تَفَاعُلِيَّةٍ وَخَرَائِطَ قِصَصِيَّةٍ، وَهُوَ مَا يَعْنِي أَنَّ الأَدَبَ لَمْ يَعُدْ يَحْكِي التَّارِيخَ فَقَطْ بَلْ يَبْنِيهِ بَصَرِيًّا وَتَجْرِيبِيًّا.

أَمَّا فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، فَقَدْ أَصْبَحَ الأَدَبُ الرَّقْمِيُّ جُزْءًا مِنْ مَشْرُوعٍ أَوْسَعَ لِتَحْدِيثِ اللُّغَةِ نَفْسِهَا. فَفِي المُؤْتَمَرَاتِ وَالمَهْرَجَانَاتِ الثَّقَافِيَّةِ يَتِمُّ التَّرْكِيزُ عَلَى عَلاَقَةِ العَرَبِيَّةِ بِالتِّكْنُولُوجْيَا وَوُصُولِهَا إِلَى الفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ، وَقَدْ أَصْبَحَتِ النُّصُوصُ التَّفَاعُلِيَّةُ وَكُتُبُ الشَّاشَةِ وَالشِّعْرُ المُتَحَرِّكُ حَاضِرَةً فِي المَنْصَّاتِ الثَّقَافِيَّةِ وَالمُسَابَقَاتِ القِرَائِيَّةِ وَالتَّعْلِيمِيَّةِ. وَتُسَاهِمُ المُؤَسَّسَاتُ الثَّقَافِيَّةُ فِي دَعْمِ التَّرْجَمَةِ وَالنَّشْرِ الرَّقْمِيِّ وَإِيصَالِ الأَدَبِ الإِفْرِيقِيِّ وَالعَرَبِيِّ إِلَى جُمْهُورٍ أَوْسَعَ، مِمَّا يُوَلِّدُ حِوَارًا عَابِرًا لِلْحُدُودِ.

وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ بَرَزَتْ ظَاهِرَةُ «المُؤَلِّفِ الجَمَاعِيِّ»، حَيْثُ تَكْتُبُ النُّصُوصُ أَحْيَانًا بِمُشَارَكَةِ القُرَّاءِ أَوْ بِمُسَاعَدَةِ الخَوَارِزْمِيَّاتِ، وَتَنْشَأُ رِوَايَاتٌ تَتَغَيَّرُ مَسَارَاتُهَا بِحَسَبِ اخْتِيَارِ المُتَلَقِّي. وَيُلاَحَظُ أَنَّ الشَّبَابَ العَرَبِيَّ أَصْبَحَ يَتَعَامَلُ مَعَ النَّصِّ كَمَا يَتَعَامَلُ مَعَ لُعْبَةٍ أَوْ فِيلْمٍ، فَيُعِيدُ كِتَابَتَهُ وَيُضِيفُ لَهُ وَيُحَوِّلُهُ إِلَى مَحْتَوًى صَوْتِيٍّ أَوْ بَصَرِيٍّ، وَبِذٰلِكَ يَخْتَفِي الحَاجِزُ التَّقْلِيدِيُّ بَيْنَ الفُنُونِ.

إِفْرِيقِيًّا، يَبْدُو الأَدَبُ الرَّقْمِيُّ أَكْثَرَ ارْتِبَاطًا بِقَضَايَا الهُوِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَالذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ. فَقَدْ ظَهَرَتْ مَنْصَّاتٌ رَقْمِيَّةٌ لِلشِّعْرِ وَالقِصَّةِ تُوَثِّقُ التَّجَارِبَ الشَّفَوِيَّةَ وَتُحَوِّلُهَا إِلَى أَرْشِيفٍ تَفَاعُلِيٍّ. وَأَصْبَحَتِ المَشَارِيعُ الَّتِي تَدْمَجُ الإِنْسَانِيَّاتِ الرَّقْمِيَّةَ بِالإِبْداعِ الأَدَبِيِّ تُوَفِّرُ دَعْمًا لِلشُّعَرَاءِ وَالكُتَّابِ مِنْ أَجْلِ إِنْتَاجِ نُصُوصٍ مَرْبُوطَةٍ بِالبَيَانَاتِ وَالخَرَائِطِ وَالأَصْوَاتِ البِيئِيَّةِ.

وَتُقَدِّمُ المَهْرَجَانَاتُ الإِفْرِيقِيَّةُ وَالدَّوْلِيَّةُ فَضَاءً لِهٰذِهِ التَّجَارِبِ، حَيْثُ تُنَاقَشُ أَشْكَالُ السَّرْدِ الجَدِيدَةُ وَتُقَدَّمُ عُرُوضٌ تَجْمَعُ بَيْنَ القِصَّةِ وَالمُوسِيقَى وَالأَدَاءِ الحَيِّ، فَيُصْبِحُ الأَدَبُ حَدَثًا تَفَاعُلِيًّا لَيْسَ لَهُ شَكْلٌ ثَابِتٌ. وَيَبْرُزُ اتِّجَاهٌ نَحْوَ اسْتِعْمَالِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ فِي إِعَادَةِ بِنَاءِ الحِكَايَاتِ الشَّعْبِيَّةِ وَتَوْلِيدِ نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا، بِحَيْثُ تَتَكَيَّفُ مَعَ لُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَجُمْهُورٍ مُتَنَوِّعٍ.

وَالمُلاَحَظُ أَنَّ القَارَّةَ تَتَّجِهُ نَحْوَ تَحْوِيلِ الأَدَبِ إِلَى مَعْرِفَةٍ تَشَارُكِيَّةٍ؛ فَبَدَلَ أَنْ يَبْقَى الكِتَابُ مُنْتَجًا نِهَائِيًّا، أَصْبَحَ مَشْرُوعًا مُفْتُوحًا يَتَغَيَّرُ مَعَ الزَّمَنِ وَالمُسْتَخْدِمِينَ. وَهُنَا تَظْهَرُ فِكْرَةُ «الأَدَبِ المُسْتَمِرِّ» الَّذِي لاَ يُغْلَقُ بِنِهَايَةٍ بَلْ يَظَلُّ قَابِلًا لِلتَّحْدِيثِ.

إِجْمَالًا، نَجِدُ أَنَّ المَشْهَدَ الرَّقْمِيَّ فِي المَغْرِبِ وَالعَالَمِ العَرَبِيِّ وَإِفْرِيقِيَا يَتَّجِهُ نَحْوَ إِعَادَةِ تَعْرِيفِ الكِتَابَةِ ذَاتِهَا. فَلَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ مَا الَّذِي نَكْتُبُهُ، بَلْ مَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ النَّصُّ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَمَعَ تَزَايُدِ دَوْرِ التِّكْنُولُوجْيَا، يَبْدُو أَنَّ المُسْتَقْبَلَ سَيَكُونُ لِلنُّصُوصِ الَّتِي تُقْرَأُ وَتُشَاهَدُ وَتُسْمَعُ وَتُعَاشُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ.

هٰكَذَا يَتَحَوَّلُ الأَدَبُ مِنْ كِتَابٍ يُحْمَلُ بِاليَدِ إِلَى عَالَمٍ يُسْكَنُ، وَمِنْ صَوْتٍ وَاحِدٍ إِلَى جَوْقَةٍ رَقْمِيَّةٍ تُشَارِكُ فِيهَا الأَجْهِزَةُ وَالبَشَرُ مَعًا، فَتَتَشَكَّلُ ثَقَافَةٌ جَدِيدَةٌ لاَ تُقَاسُ بِعَدَدِ الصَّفَحَاتِ بَلْ بِعَدَدِ الاِحْتِمَالاَتِ.


0 التعليقات: