في هذا المقال أقدّم قراءة نقدية متأنّية لكتاب «شبكات الغضب والأمل» للمفكّر الإسباني مانويل كاستلز، وهو عمل فكري يسعى إلى فهم التحوّلات العميقة التي أحدثتها الشبكات الرقمية في أنماط الاحتجاج، وتشكّل الوعي الجمعي، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع.
أولاً: قراءة تحليلية في أفكار الكتاب
يُعدّ كتاب شبكات الغضب والأمل محاولة جريئة لتفكيك ظاهرة الحركات الاجتماعية المعاصرة في زمن الإنترنت. ينطلق كاستلز من فرضية أساسية مفادها أن السلطة في المجتمعات الحديثة لم تعد حبيسة المؤسسات التقليدية، بل أصبحت موزّعة عبر شبكات اتصال مرئية وغير مرئية، حيث تتقاطع السياسة بالإعلام، والاقتصاد بالثقافة، والفرد بالجماعة.
يركّز الكاتب على لحظات تاريخية مفصلية، من انتفاضات الربيع العربي إلى حركات «احتلّوا» في الغرب، مبرزاً كيف تحوّلت الشبكات الرقمية إلى فضاءات بديلة للتعبير، والتنظيم، وبناء المعنى. في هذه الفضاءات، لا يُلغى الفعل الميداني، بل يُعاد تشكيله: الغضب يولد على الشاشة، ثم ينزل إلى الشارع، ليعود بعدها إلى الفضاء الرقمي في دورة تواصلية مفتوحة.
ما يميّز أطروحة كاستلز هو رفضه للتفسير الاختزالي للتكنولوجيا. فهو لا يرى في الإنترنت سبباً مباشراً للثورات، ولا يعتبره مجرّد أداة محايدة. الشبكات، في نظره، بيئة حاضنة تُسرّع الوعي، وتكسر احتكار السرد، وتُربك منطق السيطرة، لكنها لا تُنتج التغيير وحدها. التغيير يظلّ رهين تلاقي الوعي بالكرامة، والخوف بالأمل.
ثانياً: أسلوب الكتاب وحدوده النقدية
يمزج كاستلز بين التحليل السوسيولوجي والسرد التوثيقي، مستعيناً بأمثلة حيّة وشهادات من قلب الأحداث. هذا الأسلوب يمنح الكتاب قوة إقناعية واضحة، لكنه يفتح في الوقت ذاته باباً للنقاش. فبعض المقاطع تميل إلى التفاؤل المفرط بإمكانات الشبكات، وكأن الفضاء الرقمي قادر دائماً على إنتاج أشكال جديدة من الديمقراطية.
غير أن التجربة اللاحقة، خصوصاً في العالم العربي، كشفت عن مفارقة مؤلمة: الشبكات نفسها التي فتحت باب الأمل، تحوّلت لاحقاً إلى أدوات للمراقبة، والتضليل، وإعادة إنتاج السلطوية بأشكال أكثر نعومة. هنا، يبدو أن الكتاب، رغم عمقه، لم يكن معنياً بما يكفي بسيناريوهات الارتداد، حين تستعيد السلطة زمام المبادرة داخل الفضاء الرقمي نفسه.
ثالثاً: قيمة الكتاب اليوم
على الرغم من مرور سنوات على صدوره، لا يزال «شبكات الغضب والأمل» نصاً مرجعياً لفهم العلاقة الملتبسة بين التكنولوجيا والاحتجاج. قوته لا تكمن في دقّة تنبؤاته، بل في منهجه التحليلي الذي يربط المحلي بالعالمي، والذاتي بالبُنيوي، والعاطفة بالفعل السياسي.
الكتاب يذكّرنا بأن الغضب، حين لا يجد لغة مشتركة، يتبدّد، وأن الأمل، حين لا يتجسّد في تنظيم واعٍ، يتحوّل إلى ذكرى. بين الغضب والأمل، ترسم الشبكات خرائط جديدة للمعنى، لكنها لا تعفينا من مسؤولية الفعل النقدي، ولا من سؤال: من يملك السرد؟ ومن يملك الخوارزمية؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق