لم يعد الكتاب الإلكتروني في العالم العربي مجرّد بديلٍ تقنيّ للنسخة الورقية، ولا حلًّا اضطراريًا فرضته الشاشات، بل أصبح خلال الأسابيع الأخيرة فضاءً مستقلاً للإصدار والتجريب والتداول. فالجديد الذي يُنشر اليوم بصيغة EBOOK لا ينتظر معارض الكتب، ولا يمرّ عبر الطباعة والتخزين، بل يولد مباشرة في الفضاء الرقمي، خفيفًا، سريع الانتشار، وقادرًا على ملامسة قارئٍ تغيّرت عاداته كما تغيّر زمنه.
في المشهد الثقافي العربي الراهن، يظهر الكتاب الإلكتروني بوصفه استجابة صريحة لتحوّل القراءة: قارئٌ يتنقّل، يقرأ في الهاتف، يعود إلى النص، يضع ملاحظاته، ويشارك الاقتباس لحظة اكتشافه. لهذا، لم يعد غريبًا أن تختار أسماء معروفة وناشرون تقليديون إطلاق أعمال جديدة مباشرة بصيغة رقمية، أو إصدار نسخ إلكترونية متزامنة مع الورقي، أو حتى الاكتفاء بالصيغة الرقمية وحدها.
الإصدار الإلكتروني: من الهامش إلى الواجهة
في الأيام الأخيرة، لوحظ تزايد واضح في الإعلان عن إصدارات عربية رقمية جديدة في مجالات متنوّعة:
روايات قصيرة، يوميات، مقالات فكرية، شهادات سياسية، وكتب نقدية خفيفة الحجم لكنها كثيفة الدلالة. هذا النوع من الكتب لا يسعى إلى “الضخامة”، بل إلى التركيز، ويخاطب قارئًا لا يريد الانتظار.
اللافت أن كثيرًا من هذه الإصدارات الجديدة يراهن على:
-
النص المكثف بدل العمل الضخم.
-
اللغة الشخصية بدل السرد الأكاديمي البارد.
-
الراهنية بدل الزمن الطويل للتحرير والطباعة.
هنا، يتحوّل الـEBOOK إلى مساحة اعتراف، أو موقف، أو تدخل ثقافي سريع، يلتقط اللحظة قبل أن تبرد.
الرواية الإلكترونية: سردٌ أخف… وجرأة أعلى
في حقل الرواية تحديدًا، بدأت تظهر أعمال تُكتب منذ البداية على أساس أنها روايات إلكترونية: فصول قصيرة، إيقاع سريع، لغة أقرب إلى اليوميات، وتحرّر واضح من هاجس “الحجم”. هذه الروايات لا تخجل من قِصرها، ولا من طابعها التجريبي، لأنها تعرف أنها تُقرأ على شاشة لا تحتمل الإطالة المصطنعة.
الرواية الإلكترونية الجديدة تميل إلى:
-
تفكيك الخطّ السردي الواحد.
-
إدخال مقاطع تأملية أو توثيقية.
-
اللعب بالزمن والذاكرة والاعتراف الشخصي.
وهذا ما يجعل كثيرًا منها أقرب إلى “دفاتر سردية” مكتوبة بيد صاحبها، لا إلى روايات مصقولة داخل ورش التحرير الطويلة.
الكتاب الفكري والسياسي: سرعة النشر كسلاح
في المجال الفكري والسياسي، أصبح الـEBOOK أداةً فعّالة للتدخل السريع. فبدل انتظار النشر الورقي، تصدر اليوم كتب إلكترونية تناقش:
-
التحولات الجيوسياسية الراهنة.
-
قضايا حرية التعبير.
-
أزمات الهوية واللغة.
-
شهادات من داخل الأحداث.
هذه الكتب لا تدّعي الاكتمال، لكنها تملك قيمة الآنية، وتتحرّك مثل مقالٍ طويل، أو ملفٍّ فكري مفتوح، يواكب النقاش بدل أن يلحق به متأخرًا.
الناشر والكاتب: أدوار تتقاطع
واحدة من أبرز سمات جديد الكتاب الإلكتروني العربي هي تداخل الأدوار. فالكثير من الكتّاب باتوا:
-
ينشرون أعمالهم الرقمية مباشرة.
-
يتولّون تصميم الغلاف البسيط.
-
يختارون منصّات التوزيع بأنفسهم.
وفي المقابل، بدأت دور نشر عربية تقليدية تُنشئ أقسامًا رقمية مستقلة، لا تقلّ أهمية عن الورقي، وتُدير علاقة مختلفة مع النص: علاقة تقوم على المرونة لا الصرامة، وعلى التجريب لا القوالب الجاهزة.
القارئ الرقمي: شريكٌ في صناعة النص
الكتاب الإلكتروني الجديد لا يُكتب لقارئٍ صامت. القارئ هنا:
-
يعلّق.
-
يشارك.
-
يقتبس.
-
يراسل الكاتب أحيانًا.
وهذا ما يجعل بعض الإصدارات الإلكترونية أقرب إلى نصوص حيّة، تتطوّر، تُنقّح، وتُعاد قراءتها في أكثر من طبعة رقمية. الكتاب لم يعد نهاية المسار، بل بداية حوار.
خلاصة مكتوبة بهدوء
ما يحدث اليوم في مجال الكتاب الإلكتروني العربي ليس مجرّد تطوّر تقني، بل تحوّل في فلسفة النشر والقراءة معًا. النصّ أصبح أخف، أسرع، أكثر جرأة، وأقلّ خضوعًا للطقوس القديمة. والكاتب لم يعد ينتظر الإذن ليقول ما يريد، ولا القارئ ينتظر المعرض ليكتشف الجديد.
الـEBOOK العربي، في نسخته الراهنة، يشبه كراسًا شخصيًا كُتب بخطّ اليد، لا يهمّ أن يكون أنيقًا بقدر ما يهمّ أن يكون صادقًا.
وهذا، في زمن الضجيج، قيمة لا يُستهان بها.








0 التعليقات:
إرسال تعليق