في الأيام القليلة الماضية بدا المشهدُ العربيّ للكتاب—بين المغرب والمشرق—وكأنه يتحرّك على أكثر من إيقاع: إيقاعُ “صدر حديثًا” الذي يلاحق الجديد لحظة خروجه من المطبعة، وإيقاعُ “القراءة/التقديم” الذي يرافق الإصدارات ويمنحها سياقًا، ثم إيقاعُ دور النشر نفسها وهي تعيد ترتيب حضورها بين الجوائز ومعارض الكتب وقوائم التوزيع. ومن خلال تتبّع ما نشرته “الضفة الثالثة” في زاوية “صدر حديثًا”، وما تواصل “القدس العربي” نشره في باب “كتب”، إلى جانب ما تُعلنه دار الساقي ودار الآداب في واجهاتها الرسمية، يمكن رسمُ صورةٍ مركّبة عن “الجديد” الذي يُصنع الآن: موضوعاتُه، وخرائطُه، وحساسياتُه الجمالية والفكرية.
1) “الضفة الثالثة”: مزاجُ الجديد… بين الرواية والترجمة والأنثولوجيا
تبدو “الضفة الثالثة” في زاوية “صدر حديثًا” أشبهَ بمِجسٍّ يوميّ/أسبوعيّ يلتقط نبض النشر العربي وما حوله. في نهاية يناير وبداية فبراير 2026، ظهرت مجموعة إعلانات/تقديمات لكتبٍ تُشير بوضوح إلى ثلاث نزعات بارزة:
أولًا: الرواية بوصفها “وثيقة حساسية” لا مجرد حكاية.
من الأمثلة اللافتة تقديمُ رواية “جنين في جنين” للكاتب الفلسطيني نسيم قبها، بوصفها إصدارًا جديدًا عن دار “العائدون للنشر والتوزيع”. حضورُ المدينة/الجرح في العنوان وحده يكشف كيف تعود الجغرافيا الفلسطينية لتصبح مادةً سرديةً مباشرة، لا على سبيل الرمز البعيد.
ثانيًا: الترجمة ليست مهنةً تقنية… بل تجربةُ معرفة وهوية.
وهنا يبرز المثال المغربي تحديدًا عبر تقديم كتاب “شاعرية الترجمة: حوار ذاتي لمترجم” للمترجم المغربي سعيد بوخليط: عملٌ يُقدَّم كـ“مونولوغ ذاتي” يراجع فيه صاحبه مسارًا طويلًا مع النصوص (وبخاصة المتن الباشلاري)، ويحوّل سؤال الترجمة من “كيف ننقل؟” إلى “كيف نعيش النص حين ننقله؟”، ومن “الأمانة” بوصفها رقابة إلى “المسؤولية” بوصفها أخلاقًا. هذا النوع من الكتب يهمّ القارئ المغربي خصوصًا لأنه يضع خبرة الترجمة في صميم النقاش الثقافي لا على هامشه.
ثالثًا: الأنثولوجيا والاشتغال الأكاديمي بوصفهما علامةَ نضجٍ في استقبال الأدب العربي عالميًا.
في “صدر حديثًا” تظهر أيضًا أعمالٌ من قبيل أنثولوجيا القصيدة العربية في أوروبا (بالعربية والألمانية) بوصفها مشروعًا مؤسَّسًا وفق شروط بحثية في سياق أكاديمي ألماني، بما يعني أن “تدويل” الشعر العربي لم يعد مجرد مبادرات فردية، بل يدخل مجال المؤسسات والمعايير العلمية.
بهذا المعنى، فإن “الضفة الثالثة” لا تكتفي بإعلان وصول الكتاب؛ بل تمنح القارئ إشاراتٍ مبكرة عمّا يجري في سوق الأفكار والذائقة: فلسطين تستعيد سردها، والمغرب يقدّم صوتًا في فلسفة الترجمة، والقصيدة العربية تعبر لغويًا بآليات أكثر صرامة.
2) “القدس العربي”: الكتاب كحوارٍ نقديّ… لا كإعلانٍ تجاري
في “القدس العربي”، قسم “كتب” ضمن “الأسبوعي” يشتغل غالبًا على طريقة مختلفة: بدل أن يقول لك “صدر كتاب”، يحاول أن يقول “لماذا يستحق هذا الكتاب أن يُقرأ الآن؟”. وعند رصد المواد المنشورة أواخر يناير 2026، نجد مثالًا دالًا: مادة عن كتاب “بجعد” لعبد الغني خلدون، تُقدَّم ضمن قراءة تربط التراث المعماري بالذاكرة وبالمستقبل، وتتعامل مع المكان بوصفه كائنًا ثقافيًا حيًا، لا خلفية جامدة.
الدلالة هنا ليست في عنوان كتابٍ واحد، بل في منهج التقديم: “القدس العربي” تميل إلى أن تُبقي الكتاب داخل حقل النقاش الفكري/الجمالي، بحيث يصبح صدوره مدخلًا لمساءلة أسئلة أكبر: معنى المكان، علاقة الثقافة بالعمارة، وكيف تتحول المدينة من مادة تاريخ إلى مادة تفكير.
وهذا الشكل من “صحافة الكتب” يلتقي مع ما يحتاجه القارئ المغربي والعربي اليوم: ليس فقط معرفة ما الذي صدر، بل أيضًا امتلاك مفاتيح أولية للقراءة والتمييز وسط وفرة العناوين.
3) دار الساقي: بين الجوائز والمعارض… وإدارة “اللحظة الثقافية”
إذا انتقلنا إلى “دار الساقي”، فنحن أمام دارٍ تُدير حضورها في المجال العام عبر ثلاث بوابات واضحة على واجهتها: الأخبار/البيانات، الجوائز، معارض الكتاب. وفي مطلع فبراير 2026 برز خبرٌ عن حجب جائزة مي غصوب للرواية في دورتها الرابعة لعام 2026، وهو قرارٌ يحمل في العادة إشاراتٍ تتجاوز التنظيم الداخلي: رسالة معيارية حول شروط “الرواية الأولى” والحد الأدنى من السوية الفنية، وأيضًا تذكير بأن الجوائز ليست احتفالًا دائمًا بل قد تكون “موقفًا نقديًا” حين لا تتحقق المعايير.
وفي السياق نفسه، تُشير “الساقي” إلى حضورها في معرض القاهرة الدولي للكتاب (يناير 2026) ضمن خط أخبارها، بما يؤكد أن المعارض ما زالت—even مع التحول الرقمي—فضاءً حاسمًا لتسويق العناوين وصناعة العلاقات بين الناشرين والقراء والوسطاء الثقافيين.
وعلى مستوى الإصدارات المتداولة حديثًا عبر قنوات التوزيع، تظهر في قوائم حديثة لكتب الدار عناوين فكرية/بحثية مثل كتاب “قرن من الاشتراكية: قراءة في تجارب أوروبا” (يناير 2026) بما يعكس استمرار خط الساقي المعروف: المزج بين الأدب والكتاب السياسي/الفكري، وإبقاء “الأسئلة الكبرى” (الاقتصاد، المجتمع، التاريخ) ضمن واجهة النشر العربية.
4) دار الآداب: واجهة “الجديد” باعتبارها خريطةَ موسمٍ روائيّ
في “دار الآداب” تحديدًا، يلفت النظر أن الموقع الرسمي يعرض منذ الواجهة عناوين عديدة تحت لافتة “جديد عن دار الآداب”، ثم يقدّم قسمًا واضحًا بعنوان “أحدث الإصدارات” يضم كتبًا موسومة بصفة “جديد”.
ومن بين ما يظهر في “أحدث الإصدارات” على واجهة الدار:
-
“مشقة العادي” لساري موسى (موسوم: جديد)
-
“الريح تعرف اسمي” لإيزابيل ألليندي (موسوم: جديد)
-
“خلوة النقص” لعالية ممدوح، ويظهر في صفحته أنه إصدار 2026
-
“غزة الناجية الوحيدة” (موسوم: جديد)
-
“حائكات الأزل” (موسوم: جديد)
وهذه العناوين—بقطع النظر عن اختلاف أجناسها ومصادرها—تفتح نافذة على “خريطة اهتمام” واضحة:
-
رواية عربية راهنة تتأمل اليومي وتوتراته (“مشقة العادي”).
-
رواية مترجمة لكاتبة عالمية واسعة الانتشار (ألليندي) بما يؤكد استمرار سوق الترجمة بوصفه رافعة مبيعات ورافعة ذائقة معًا.
-
حضور فلسطين/غزة في العنوان ذاته يشي بأن المأساة الراهنة لم تعد “خبرًا”، بل دخلت بقوة إلى مسارات السرد والتوثيق وإعادة بناء المعنى.
5) ماذا تقول هذه “الإشارات” عن المغرب والعالم العربي الآن؟
إذا جمعنا هذه الخيوط الأربع (الضفة الثالثة/القدس العربي/الساقي/الآداب)، سنلاحظ أن “الجديد” في النشر العربي خلال الأيام الأخيرة لا يتحرك داخل رفٍّ واحد، بل داخل سوقٍ متعددة الطبقات:
-
طبقة التقديم الإعلامي الثقافي: تُجسدها “الضفة الثالثة” بوضوح في صيغة “صدر حديثًا”، حيث الخبر موجز لكنه يمنح بيانات أولية تساعد القارئ على اللحاق بالمستجدات بسرعة.
-
طبقة القراءة النقدية: كما في “القدس العربي”، حيث يصبح الكتاب ذريعةً لفتح موضوع فكري/ثقافي أوسع.
-
طبقة صناعة السمعة المؤسسية للناشر: كما في “دار الساقي” عبر الجوائز والمعارض والبيانات، وهي أدوات لصناعة الثقة في “علامة الدار” بقدر ما هي أدوات تسويق.
-
طبقة بناء الموسم الروائي/الترجمي: كما في “دار الآداب” التي تعرض “الأحدث” كموسمٍ مفتوح، وتخلط العربي بالمترجم في واجهة واحدة.
أما المغرب، فحضوره يتسرّب هنا عبر الفاعل الثقافي لا عبر المؤسسة فقط: مثال سعيد بوخليط، مترجم مغربي يُقدَّم كتابه بوصفه تأملًا في أخلاقيات الترجمة وأسئلتها، وهو نموذج لكيف يمكن للخبرة المغربية أن تدخل قلب النقاش العربي حول “اللغة” و“الوساطة” و“الكتابة الثانية” التي تصنعها الترجمة.
خاتمة للنشر: موسمٌ يكتب نفسه تحت ضغط الواقع… وبشغف المعنى
خلاصة ما يظهر من هذا الرصد أن النشر العربي في مطلع 2026 لا يعيش “ترف التنوع” فقط، بل يعيش أيضًا ضغط اللحظة: فلسطين/غزة كعنوان وكأفق، الترجمة كسؤال هوية ومعرفة، المدينة/المكان كذاكرة تتكلم، والناشر كفاعلٍ يوازن بين الجمالية والمعيار والسوق. وبين منصات تقديم الإصدارات (الضفة الثالثة) ومنابر القراءة (القدس العربي) ودور النشر ذاتها (الساقي والآداب)، تتشكل خريطةٌ تقول شيئًا واحدًا على الأقل بثقة: الكتاب العربي ما زال قادرًا على تجديد لغته وموضوعاته، شرط أن لا يتحول “الجديد” إلى مجرد عدّادٍ للعناوين، بل إلى معنى يضيفه كل إصدار إلى السرد الثقافي العربي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق