يبدو “المشهد الحقوقي” في مطلع 2026 كأنه اختبارٌ مزدوج: اختبارٌ للدول التي تُحكِم السيطرة على المجال العام باسم الاستقرار، واختبارٌ للمؤسسات الديمقراطية التي تُفاوِض قيمها عند بوابات الهجرة والأمن والهوية. وبين المغرب العربي (الجزائر وتونس) ومصر والشرق الأوسط ثم الاتحاد الأوروبي، تتكرر الأسئلة نفسها بأسماء مختلفة: من يملك الحق في الكلام؟ من يراقب السلطة؟ وما ثمنُ الاعتراض السلمي؟
في الجزائر، تُسجَّل في التقارير الحقوقية عودةٌ كثيفة إلى “الملف الأمني” باعتباره اللغة الأكثر استعمالًا في التعامل مع النشطاء والصحافيين ومنظمي الاحتجاجات السلمية. تتحدث منظمات دولية عن تضييق على التجمعات، واعتقالات مرتبطة بمحاولات تنظيم وقفات سلمية، واستعمال اتهامات مرتبطة بـ“الأمن” لملاحقة أصوات معارضة.
ومن الأمثلة الحية التي تُستشهد بها كثيرًا: قضية الناشط والشاعر محمد تجاديت؛ إذ طالبت منظمات حقوقية بإسقاط المتابعات عنه وعن آخرين من ناشطي “الحراك”، محذّرة من توظيف تهم “أمن الدولة” ضد ممارسات تدخل في صميم حرية التعبير والتنظيم.
هذا النوع من القضايا لا يُقرأ فقط كملف قضائي، بل كإشارة سياسية: تضييق المجال المدني، وإضعاف حق المجتمع في التنظيم المستقل، وتحويل النقاش العمومي إلى مساحة عالية المخاطر.
أما تونس، فالصورة الحقوقية أكثر درامية منذ 2023 وتستمر إلى 2026 وفق خلاصات تقارير حديثة: توسع المحاكمات ذات الطابع السياسي، وتكريس الاعتقال التعسفي كأداة لإخراج المعارضين من المجال العام، وملاحقات تستند إلى تهم فضفاضة (من قبيل “التآمر” أو “الإرهاب”) في قضايا تخص سياسيين ومحامين وحقوقيين وإعلاميين.
ومن الأمثلة المباشرة التي تبرز في النقاش العام: الحديث المتكرر عن تجميد الأرصدة والقيود البنكية والإجراءات ضد منظمات أو مدافعين عن حقوق الإنسان بدعوى “التمويل الأجنبي” أو “حماية المصلحة الوطنية”، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية “تصعيدًا” يمس جوهر الحق في تكوين الجمعيات والعمل المدني.
بالانتقال إلى مصر، تتحدث تقارير حقوقية حديثة عن استمرار “القبضة” على المجال العام: تضييق على العمل الأهلي المستقل، وملاحقات بحق منتقدين سلميين، وبقاء آلاف المحتجزين في أوضاع صعبة داخل منظومة الحبس الاحتياطي المطوّل أو أحكام تُنتقد لافتقارها لمعايير المحاكمة العادلة.
وكي لا يبقى الكلام عامًا، تبرز حالات محددة تُضيء طبيعة الانتهاكات: مثل اعتقال أشخاص بسبب نقاشات على الإنترنت حول المعتقدات الدينية، وهي قضية أثارتها منظمة دولية مطالبة بالإفراج غير المشروط عن موقوفين اعتُبر سجنهم مرتبطًا بممارسة سلمية لحرية الفكر والضمير والتعبير.
وفي الوقت نفسه، تشير تقارير أخرى إلى مفارقة لافتة: الحديث عن إفراجات محدودة يقابلها استمرار موجات توقيف جديدة تطال صحافيين ومحامين وناشطين.
وفي الشرق الأوسط على نطاق أوسع، تتقاطع حقوق الإنسان مع الحرب والسلطة والانقسام الداخلي. في سياق فلسطين مثلًا، لا تتوقف الانتهاكات عند الاحتلال والحرب فقط، بل تُسجل منظمات حقوقية أيضًا اتهامات للسلطة الفلسطينية بتصعيد قمع المعارضين وادعاءات عن اعتقالات تعسفية وشكاوى تعذيب أو سوء معاملة أثناء الاحتجاز.
وفي إيران، تصف تقارير حديثة سنة 2025 بأنها شهدت تصاعدًا حادًا: أرقام مرتفعة للإعدامات، وقمعًا للاحتجاجات واعتقالات واسعة، بما يجعل “الحق في التظاهر” و“الحق في الحياة” و“الضمانات القضائية” في قلب الأزمة.
أما اليمن، فالمأساة الحقوقية طويلة النفس: اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري ومحاكمات جائرة من أطراف متعددة، مع تقارير متكررة عن استهداف حقوقيين وعاملين إنسانيين، ما يضاعف الكلفة الإنسانية ويقوّض إمكانات الإغاثة.
وعند الوصول إلى الاتحاد الأوروبي، يبرز وجهٌ مختلف للأزمة: ليس بالضرورة في “قمع الداخل” بنفس الصورة، بل في حدود السياسة حين يتعلق الأمر بالهجرة واللجوء والتمييز. تقارير حقوقية أوروبية وبرلمانية تتناول مزاعم “الصدّ/الإرجاع القسري” عند الحدود الخارجية، وما قد يترافق معه من عنف أو احتجاز تعسفي أو معاملة حاطة بالكرامة، فضلًا عن أسئلة حول دور الوكالات الأوروبية في ضمان عدم وقوع الانتهاكات.
وتضيف خلاصات قانونية مرتبطة باجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن ملفات اللجوء في 2024–2025 ظلت تُنتج نزاعات حول الوصول إلى إجراءات اللجوء، والاحتجاز، وظروف الاستقبال، ومزاعم الإرجاع على الحدود البرية والبحرية.
وفي العمق، يستمر تحدي العنصرية وخطاب الكراهية والتمييز داخل عدد من الدول الأوروبية، مع قلق من “تطبيع” سرديات اليمين المتطرف وتأثير ذلك على حقوق الأقليات والمهاجرين واللاجئين.
الخلاصة أن “الجديد” في وضعية حقوق الإنسان ليس حدثًا واحدًا بل اتجاهات:
-
في بعض دول المنطقة العربية، مزيد من تجريم المعارضة السلمية وتوسيع أدوات المتابعة.
-
في بؤر النزاعات، تتحول الحقوق إلى ضحايا إضافية للحرب، مع اتساع الاعتقالات والإخفاء والقمع.
-
وفي أوروبا، يتجسد التوتر بين القيم والمصالح في سياسات الهجرة والحدود والتمييز.
وإذا كان من درسٍ عملي يقدمه هذا المشهد المتشابك، فهو أن حماية حقوق الإنسان لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة المواطن على الكلام دون خوف، وبقضاء مستقل لا يُستخدم لإسكات الخصوم، وبحدود لا تُحوِّل الإنسان إلى “ملف أمني”، وبمجتمع مدني لا يُعامل باعتباره خطرًا بقدر ما هو صمام أمان.







0 التعليقات:
إرسال تعليق