تقف أغاتا كريستي في عالمنا اليوم مثل ساعةٍ قديمة لا تتوقف عن النبض، تدقّ بإيقاعٍ ثابت في ذاكرة الأدب العالمي. هي ليست كاتبة بوليسية فحسب ، بل مهندسة خفية للقلق الإنساني، صانعة متاهات لا يدخلها القارئ إلا ليكتشف أنه صار جزءًا منها. وبعد مرور قرنٍ كامل على ولادة هذا المشروع السردي الفريد، يعود المخرج سين ديفيجن عبر فيلمه الوثائقي "أغاتا كريستي "مئة عام من التشويق" ليُعيد فتح هذا الملف، ليس بوصفه تكريمًا، بل تحقيقًا جديدًا في عبقرية لم تُستنفد بعد.
الفيلم لا يكتفي باستعراض
سيرة أغاتا، بل يذهب أبعد من ذلك، كأنه يعامل نصوص كريستي بوصفها مسارح جريمة تحتاج
إلى إعادة تمثيل. يختار عشرة أعمال من الأكثر تأثيرًا في مسيرتها، ويشرع في تفكيكها
قطعة بعد قطعة، كما يفعل محققٌ صبور أمام لغزٍ معقّد. من «القضية الغامضة في ستايلز»
إلى «مقتل روجر أكرويد»، حيث ظهرت إحدى أكثر الخدع السردية جرأة في تاريخ الرواية،
يبدو أن كريستي لم تكن تكتب روايات، بل كانت تختبر حدود الذكاء البشري نفسه.
ومن بين أبرز الشخصيات
التي صنعت مجدها، يظهر هيركل بوارو، المحقق البلجيكي الشهير، الذي يعتمد على
ما يسميه «الخلايا الرمادية» (أي التفكير العقلي الدقيق) بدل الأدلة المادية. كما نجد ميس
ماربل، تلك
العجوز الهادئة التي تخفي وراء بساطتها قدرة مذهلة على كشف الحقيقة. هذه الشخصيات لم
تعد مجرد مخلوقات أدبية، بل تحولت إلى رموز ثقافية تتجاوز حدود النص.
ما يدهشك في هذا التفكيك
ليس فقط براعة الحبكة، بل تلك القدرة الغريبة على زرع الشك في كل شيء: في الشخصيات،
في الوقائع، بل حتى في صوت الراوي ذاته. لقد أدخلت كريستي القارئ إلى لعبة خطرة، حيث
لا أحد بريء، ولا شيء كما يبدو. وهنا تحديدًا يكمن سرّها الأكبر: إنها لا تمنحك الحقيقة،
بل تدفعك إلى الشك فيها.
ولعل ما يميز هذا الوثائقي
أنه لا يعزل النص عن سياقه، بل يعيده إلى جذوره الحياتية. فهذه المرأة التي اشتغلت
ممرضة خلال الحرب العالمية الأولى، لم تكن بعيدة عن عالم السموم الذي ملأ رواياتها.
كانت تعرف، بدقة علمية، كيف يقتل السم بصمت، وكيف يترك خلفه أثرًا يكاد لا يُرى. وكأنها
نقلت هذه الخبرة من الجسد إلى السرد، فصارت حبكاتها تشتغل بالطريقة نفسها: قتلٌ بطيء
للثقة، وحقنٌ تدريجي للشك.
ثم هناك الشرق، ذلك
الفضاء الذي منح كتابتها أفقًا آخر. رحلاتها إلى العراق وسوريا ومصر لم تكن مجرد سياحة،
بل كانت استكشافًا لمسرح جديد للجريمة. في «جريمة في قطار الشرق السريع» و«موت على
النيل»، يتحول المكان إلى شريك في الحبكة، لا مجرد خلفية. الصحراء، القطار، النهر…
كلها عناصر تتحول إلى أدوات سردية تساهم في بناء التوتر، كما لو أن الجغرافيا نفسها
تتآمر مع القاتل.
لكن المفارقة الكبرى
التي يسلط عليها الوثائقي الضوء هي أن شخصيات كريستي تجاوزت مؤلفتها. لم يعد مجرد شخصية ورقية، بل صار كائنًا ثقافيًا
قائمًا بذاته، له حضوره واستقلاله، وكذلك ميس
ماربل
التي أصبحت نموذجًا
للذكاء المتخفي في الحياة اليومية.
غير أن السؤال الذي
يظل معلقًا في نهاية هذا التحقيق البصري هو: لماذا لا تزال كريستي تُقرأ حتى اليوم؟
لماذا يعود إليها القارئ، رغم معرفته المسبقة بأنه سيُخدع؟
الجواب، (بشكل متناقض
ظاهريًا)، لا يكمن فقط في عبقرية الحبكة، بل في تلك العلاقة الخاصة التي تقيمها مع
القارئ. إنها لا تضعه خارج النص، بل تُدخله إلى قلب اللعبة. تجعله شريكًا في التحقيق،
ثم تخونه في اللحظة الأخيرة. وهذه الخيانة، (بشكل متناقض ظاهريًا)، هي ما يجعل التجربة
ممتعة. لأن القارئ، في العمق، لا يبحث عن الحقيقة فقط، بل عن متعة الضياع قبل الوصول
إليها.
هكذا تتحول روايات أغاتا
كريستي إلى ما
يشبه مختبرًا نفسيًا، نختبر فيه حدود ذكائنا، وحدود ثقتنا في الآخرين، بل في أنفسنا
أيضًا. وكلما اعتقدنا أننا فهمنا قواعد اللعبة، تعود لتقلبها رأسًا على عقب، كأنها
تقول لنا: الحقيقة ليست ما تراه، بل ما تفشل في رؤيته.
في النهاية، لا يخرج
المشاهد من وثائقي سين ديفيجن بإجابات نهائية، بل بأسئلة جديدة. وربما
هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه كريستي بعد مئة عام من الغموض: أن الأدب الحقيقي لا
يحل الألغاز، بل يصنعها… ويتركنا نعيش داخلها.








0 التعليقات:
إرسال تعليق