يعود ملف الصحراء المغربية ليكشف مرة أخرى عن مفارقة لافتة: كلما اتسعت دائرة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدمه المملكة المغربية، تزداد الأصوات القادمة من الجزائر وواجهة البوليساريو تشبثاً بخطاب قديم فقد الكثير من مبرراته الواقعية والتاريخية. بين خبرين متزامنين تقريباً—أحدهما من جمهورية التشيك يؤكد دعمه الواضح لسيادة المغرب على صحرائه، والآخر من الجزائر بمعية إيطاليا يعيد التذكير بشعار “تقرير المصير”—يتضح أن الصراع لم يعد فقط حول الأرض، بل حول من يمتلك القدرة على إنتاج حل واقعي قابل للحياة.
إن موقف جمهورية التشيك
ليس تصريحا دبلوماسيا عابرا، بل يعكس تحولا متراكماً داخل الفضاء الأوروبي نحو تبني
مقاربة براغماتية تنظر إلى مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أرضية جدية لتسوية
نزاع طال أمده. فالدبلوماسية الأوروبية، التي كانت تميل في السابق إلى الحياد الرمادي،
بدأت تدرك أن الجمود لا يخدم الاستقرار الإقليمي، وأن الحلول النظرية غير القابلة للتطبيق
لا يمكن أن تستمر كأفق سياسي مفتوح إلى ما لا نهاية.
في المقابل، يبدو الخطاب
الصادر عن الجزائر متشبثاً خطابات الحرب الباردة، حيث يُستعاد مفهوم “تقرير المصير”
كأداة سياسية أكثر منه مبدأ قانونياً قابلاً للتنفيذ في سياق معقد مثل الصحراء. وهنا
تبرز المفارقة الكبرى: الجزائر، التي تصر على تقديم نفسها كطرف “غير معني مباشرة بالنزاع”،
هي في الواقع الطرف الأكثر استثماراً فيه سياسياً ومالياً وإعلامياً. إن حضورها الدائم
في كل بيان، وكل تحرك، وكل تمويل، يكشف أن الأمر يتجاوز مجرد دعم “قضية” إلى محاولة
إعادة تشكيل توازنات إقليمية على حساب وحدة المغرب الترابية المشروعة.
أما جبهة البوليساريو،
فتجد نفسها اليوم أمام مأزق وجودي حقيقي. فهي من جهة تستند إلى خطاب لم يعد يحظى بنفس
الزخم الدولي، ومن جهة أخرى تعجز عن تقديم بديل سياسي واقعي يمكن أن يقنع القوى الكبرى.
لقد تحولت أطروحتها إلى ما يشبه “نصاً مؤجلاً” في أرشيف الأمم، يُستدعى عند الحاجة
الخطابية، لكنه يفتقر إلى شروط التفعيل في عالم تحكمه موازين القوة والمصالح.
إن دعم الحكم الذاتي
لا يأتي من فراغ، بل من إدراك متزايد بأن هذا المقترح يحقق معادلة دقيقة بين الحفاظ
على السيادة الوطنية وضمان تدبير محلي ديمقراطي يتيح لسكان الأقاليم الجنوبية إدارة
شؤونهم بأنفسهم. إنه حل يجمع بين الواقعية السياسية والشرعية الدولية، ويستجيب في الوقت
نفسه لتطلعات التنمية والاستقرار في منطقة تعاني من هشاشة أمنية متصاعدة في محيطها
الساحلي والصحراوي.
وإذا كانت بعض الأصوات
الأوروبية، مثل إيطاليا في بيانها المشترك مع الجزائر، لا تزال تكرر خطاب “الحل العادل”،
فإن هذا الغموض نفسه يعكس تردداً أكثر مما يعكس موقفاً حاسماً. فالدبلوماسية، في كثير
من الأحيان، تتحدث بلغة مزدوجة: لغة رسمية تحافظ على التوازن، ولغة ضمنية تتجه نحو
ما هو ممكن. وفي هذا السياق، يبدو أن “الممكن” اليوم هو الحكم الذاتي، لا الاستفتاء
الذي تعذر تنظيمه لعقود بسبب تعقيدات قانونية وديموغرافية معروفة.
إن تفكيك مزاعم الجزائر
والبوليساريو يمر أولاً عبر إعادة طرح السؤال الأساسي: هل الهدف هو حل النزاع أم إدامته؟
فإذا كان الهدف هو الحل، فإن كل المؤشرات الدولية—من مواقف دول أوروبية إلى اعترافات
قوى كبرى—تتجه نحو دعم المبادرة المغربية. أما إذا كان الهدف هو الإبقاء على ورقة ضغط
جيوسياسية، فإن استمرار الخطاب الانفصالي يصبح مفهوماً، لكنه يفقد شرعيته الأخلاقية
والسياسية.
في العمق، لم يعد نزاع
الصحراء مجرد ملف إقليمي، بل أصبح اختباراً لنموذجين: نموذج الدولة التي تقترح حلاً
مؤسساتياً قابلاً للتطوير، ونموذج الكيانات التي تقتات على استدامة النزاع. وبين النموذجين،
يبدو أن الزمن—بكل ما يحمله من تحولات دولية—يميل تدريجياً نحو من يملك رؤية للمستقبل،
لا من يكرر سرديات الماضي.
وهكذا، فإن تأكيد جمهورية
التشيك دعمها لسيادة المغرب ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة تتسع يوماً بعد يوم، فيما
تتراجع أطروحات الانفصال إلى هامش النقاش الدولي. وفي هذا الهامش تحديداً، تتلاشى الأصوات
التي لم تعد قادرة على إقناع العالم بأن التاريخ يمكن أن يعود إلى الوراء، أو أن الجغرافيا
يمكن أن تُعاد كتابتها خارج منطق الدولة والسيادة.
إنها لحظة وضوح سياسي:
الحكم الذاتي ليس مجرد خيار مغربي، بل أصبح، تدريجياً، لغة مشتركة يفهمها العالم بوصفها
الطريق الأقصر نحو إغلاق واحد من أطول النزاعات في المنطقة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق