الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أبريل 23، 2026

الترحيل القسري وجه آخر لخلل النظام العالمي: إعداد عبده حقي

 


في زمنٍ يتكاثر فيه العابرون فوق خرائط القلق، لم تعد الهجرة مجرد انتقال جغرافي من ضفة إلى أخرى، بل تحوّلت إلى نصّ إنساني مفتوح على جراح العالم، نصّ تكتبه السياسات كما تكتبه الحروب والكوارث والتفاوتات الاقتصادية. وإذا كانت International Organization for Migration (المنظمة الدولية للهجرة) ترى أن “الهجرة المنظمة والإنسانية تعود بالنفع على الجميع” ، فإن الواقع يكشف عن مفارقة حادة: عالمٌ يعترف بالحركة البشرية، لكنه يعجز عن حمايتها.

في عمق هذا المشهد، يبرز دور United Nations High Commissioner for Refugees (مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)، التي ترصد أرقاماً تكاد تفوق الخيال. فقد بلغ عدد اللاجئين (Refugees – لاجئون) في العالم عشرات الملايين، بينما تجاوز عدد طالبي اللجوء (Asylum-seekers – طالبي اللجوء) مستويات غير مسبوقة، في سياق عالمي يتسم بتصاعد النزاعات المسلحة (Armed conflicts – نزاعات مسلحة) والانهيارات البيئية (Environmental collapse – انهيار بيئي).

لكن خلف هذه الأرقام تقف حكايات بشرية لا تُختزل في الإحصاء. إن مفهوم “النزوح القسري” (Forced displacement – النزوح القسري) لم يعد مرتبطاً فقط بالحروب، بل امتد ليشمل ضحايا التغير المناخي (Climate change – التغير المناخي)، الذين يُدفعون نحو الهجرة البيئية (Environmental migration – الهجرة البيئية)، حيث تتحول الأرض إلى كائن طارد لا يحتمل الحياة.

في هذا السياق، يقدم Migration Data Portal (بوابة بيانات الهجرة) صورة دقيقة عن التحولات العميقة في أنماط التنقل البشري، مؤكداً أن الهجرة لم تعد حدثاً استثنائياً بل صارت بنية دائمة في النظام العالمي (Global system – النظام العالمي).
فالعدد الإجمالي للمهاجرين الدوليين (International migrants – مهاجرون دوليون) بلغ حوالي 304 ملايين شخص، أي ما يقارب 3.7% من سكان العالم، وهو رقم يعكس ليس فقط اتساع الظاهرة، بل أيضاً عمق الاختلالات التي تدفع إليها.

ومع ذلك، فإن الوجه الأكثر قتامة للهجرة يتجلى في الطرق الخطرة (Dangerous routes – طرق خطرة)، حيث يتحول البحر إلى مقبرة جماعية. ففي سنة واحدة فقط، قُدّر عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم أو اختفوا بنحو 8000 شخص، كثير منهم ابتلعتهم “حطاميات غير مرئية” (Invisible shipwrecks – حوادث غرق غير مرئية) لا تترك أثراً سوى صمت العائلات المنتظرة.

إن هذا العنف غير المرئي يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً حول مسؤولية المجتمع الدولي، الذي يمثله إطار United Nations (الأمم المتحدة)، في حماية الكرامة الإنسانية. فالهجرة، كما تؤكد الأمم المتحدة، ليست مجرد أزمة، بل يمكن أن تكون “جزءاً من الحل” (Part of the solution – جزء من الحل)، إذا ما أُديرت بسياسات عادلة ومنصفة.

غير أن التناقض يكمن في تضييق مسارات الهجرة القانونية (Legal pathways – مسارات قانونية)، مما يدفع آلاف الأشخاص إلى أحضان شبكات التهريب (Smuggling networks – شبكات التهريب) والاتجار بالبشر (Human trafficking – الاتجار بالبشر). وهنا تتقاطع المعاناة مع الاقتصاد الخفي، حيث تتحول الهجرة إلى سوق سوداء (Black market – سوق سوداء) تتغذى على اليأس.

في المقابل، تعمل منظمات مثل Refugees International (منظمة اللاجئين الدولية) على الدفاع عن حقوق اللاجئين (Refugee rights – حقوق اللاجئين) وتسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرضون لها، سواء في بلدان العبور أو في دول الاستقبال. وتؤكد هذه المنظمات أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفير المساعدة الإنسانية (Humanitarian aid – المساعدة الإنسانية)، بل في بناء سياسات شاملة (Comprehensive policies – سياسات شاملة) تضمن الإدماج (Integration – الإدماج) والكرامة.

وفي هذا المشهد المعقد، تتعدد أشكال الهجرة: من الهجرة الاقتصادية (Economic migration – الهجرة الاقتصادية) إلى الهجرة القسرية (Forced migration – الهجرة القسرية)، ومن اللجوء السياسي (Political asylum – اللجوء السياسي) إلى النزوح الداخلي (Internal displacement – النزوح الداخلي). وكل شكل منها يعكس خللاً بنيوياً في توزيع الثروة والسلطة داخل العالم.

إن اللافت في تقارير المنظمات الدولية هو أن أغلب اللاجئين لا يصلون إلى الدول الغنية، بل يبقون في دول الجوار (Neighbouring countries – الدول المجاورة)، التي تستضيف حوالي 66% منهم، رغم محدودية مواردها.
وهذا يعيد طرح السؤال حول العدالة العالمية (Global justice – العدالة العالمية): من يتحمل عبء الهجرة؟ ومن يملك حق رسم الحدود؟

في العمق، تبدو الهجرة كمرآة تعكس اختلالات النظام الدولي، حيث تتحول الحدود (Borders – حدود) إلى أدوات فرز، لا بين البشر فحسب، بل بين القيم أيضاً. فبين خطاب حقوق الإنسان (Human rights – حقوق الإنسان) وممارسات الردع (Deterrence policies – سياسات الردع)، تتسع الفجوة بين المعلن والمُمارس.

ولعل أكثر ما يثير القلق هو تزايد ظاهرة “التهجير الصامت” (Silent displacement – تهجير صامت)، حيث يُجبر الناس على مغادرة أوطانهم دون ضجيج إعلامي، بسبب الفقر (Poverty – الفقر) أو الجفاف (Drought – الجفاف) أو انهيار الخدمات الأساسية (Basic services – الخدمات الأساسية). إنها هجرة بلا عناوين، لكنها تكتب أكبر مآسي العصر.

في النهاية، لا يمكن قراءة الهجرة بمعزل عن سؤال الإنسان ذاته: ما معنى أن يكون للمرء وطن (Homeland – وطن)؟ وهل يصبح الوطن مجرد ذكرى قابلة للحمل في حقيبة صغيرة؟
إن الإجابة لا تكمن في الأرقام ولا في التقارير، بل في القدرة على إعادة تعريف التضامن (Solidarity – التضامن) بوصفه قيمة كونية، لا شعاراً سياسياً.

هكذا، تظل الهجرة نصاً مفتوحاً، يكتبه اللاجئ بخطواته المرتعشة، وتعيد كتابته المؤسسات الدولية بلغة الأرقام، بينما يقف العالم بينهما، متردداً بين أن يكون شاهداً أو شريكاً في صناعة هذا المصير.


0 التعليقات: