أَصْدِقَائِي الْأَوْفِيَاءَ، أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ. نَرْتَحِلُ الْيَوْمَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ فِي تَارِيخِ الْأَدَبِ الْحَدِيثِ، رِوَايَةِ «مَدَامْ بُوفَارِي»، الَّتِي نَشَرَهَا الرَّوَائِيُّ الْفَرَنْسِيُّ غُوسْتَافْ فْلُوبِيرْ سَنَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَسَبْعٍ وَخَمْسِينَ. وَقَدْ أَحْدَثَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَجَّةً كَبِيرَةً عِنْدَ صُدُورِهَا، وَتَعَرَّضَ كَاتِبُهَا لِلْمُحَاكَمَةِ بِتُهْمَةِ الْإِخْلَالِ بِالْأَخْلَاقِ الْعَامَّةِ، لَكِنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ قَاعَةِ الْمَحْكَمَةِ لِتَدْخُلَ إِلَى الْخُلُودِ الْأَدَبِيِّ.
تَحْكِي الرِّوَايَةُ قِصَّةَ إِيمَّا
بُوفَارِي، الشَّابَّةِ الْحَالِمَةِ الَّتِي تَزَوَّجَتْ مِنَ الطَّبِيبِ
الرِّيفِيِّ شَارْلْ بُوفَارِي. كَانَتْ إِيمَّا تَتَوَقَّعُ مِنَ الزَّوَاجِ
حَيَاةً مَلِيئَةً بِالْعِشْقِ وَالْمُغَامَرَةِ وَالرَّفَاهِيَّةِ، كَمَا
قَرَأَتْ فِي الرِّوَايَاتِ الرُّومَانْسِيَّةِ الَّتِي أَدْمَنَتْهَا فِي
شَبَابِهَا. غَيْرَ أَنَّ الْوَاقِعَ كَانَ أَكْثَرَ بَسَاطَةً وَهُدُوءًا.
وَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي بَيْتٍ رِيفِيٍّ مُتَوَاضِعٍ وَإِلَى جَانِبِ زَوْجٍ
يُحِبُّهَا بِصِدْقٍ، وَلَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى ذَلِكَ الْبَرِيقِ الَّذِي
كَانَتْ تَحْلُمُ بِهِ.
مِنْ هُنَا تَبْدَأُ رِحْلَةُ السُّقُوطِ
الْبَطِيءِ. تَنْدَفِعُ إِيمَّا خَلْفَ الْأَحْلَامِ وَالرَّغَبَاتِ، وَتَدْخُلُ
فِي عَدَّةِ عَلاقَاتٍ عَاطِفِيَّةٍ بَاحِثَةً عَنْ السَّعَادَةِ الْمَفْقُودَةِ.
وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تُغْرِقُ نَفْسَهَا فِي الدُّيُونِ وَالْمُشْتَرَيَاتِ
الْفَاخِرَةِ وَأَوْهَامِ الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَكُلَّمَا
اقْتَرَبَتْ مِنْ حُلْمٍ تَخَيَّلَتْ أَنَّهُ سَيُنْقِذُهَا، اكْتَشَفَتْ أَنَّهُ
يَتَحَوَّلُ إِلَى سَرَابٍ جَدِيدٍ. وَفِي النِّهَايَةِ تَجِدُ نَفْسَهَا أَمَامَ
كَارِثَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ تَقُودُهَا إِلَى مَصِيرٍ مَأْسَاوِيٍّ
يَبْقَى مِنْ أَشَدِّ النِّهَايَاتِ تَأْثِيرًا فِي تَارِيخِ الرِّوَايَةِ
الْعَالَمِيَّةِ.
جَاءَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي فَتْرَةٍ
شَهِدَتْ تَحَوُّلَاتٍ كَبِيرَةً فِي الْمُجْتَمَعِ الْفَرَنْسِيِّ خِلَالَ
الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ. فَقَدْ كَانَتْ فِرَنْسَا تَعِيشُ عَلَى إِيقَاعِ
صُعُودِ الطَّبَقَةِ الْبُورْجُوَازِيَّةِ وَاتِّسَاعِ الِاسْتِهْلَاكِ
وَتَغَيُّرِ الْقِيَمِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ أَرَادَ
فْلُوبِيرْ أَنْ يَكْشِفَ التَّنَاقُضَ بَيْنَ الْأَحْلَامِ الْمُتَضَخِّمَةِ
وَالْوَاقِعِ الْمَحْدُودِ. كَمَا أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِدَ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ
الْخَيَالِ الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَرْفُضُ حَقِيقَةَ حَيَاتِهِ وَيَعِيشُ
أَسِيرًا لِصُوَرٍ مُتَخَيَّلَةٍ.
وَتُعَدُّ «مَدَامْ بُوفَارِي» مِنْ أَبْرَزِ
أَعْمَالِ الْمَذْهَبِ الْوَاقِعِيِّ فِي الْأَدَبِ. فَقَدْ سَعَى فْلُوبِيرْ
إِلَى وَصْفِ الْأَشْيَاءِ وَالْمَشَاعِرِ وَالْأَحْدَاثِ بِدِقَّةٍ
اسْتِثْنَائِيَّةٍ. وَكَانَ يُؤْمِنُ بِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْمُثْلَى هِيَ الَّتِي
تُصَاغُ بِعِنَايَةٍ شَدِيدَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ أَقْصَى دَرَجَاتِ الْجَمَالِ
وَالدِّقَّةِ. وَلِهَذَا أَصْبَحَ أُسْلُوبُهُ مَرْجِعًا لِأَجْيَالٍ مِنَ
الرُّوَائِيِّينَ فِي الْعَالَمِ.
وَإِذَا سَأَلْنَا: لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ
هَذِهِ الرِّوَايَةُ خَالِدَةً؟ فَالْجَوَابُ يَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى
تَجَاوُزِ زَمَانِهَا وَمَكَانِهَا. فَإِيمَّا بُوفَارِي لَيْسَتْ مُجَرَّدَ
امْرَأَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ مِنَ الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، بَلْ هِيَ رَمْزٌ
إِنْسَانِيٌّ لِلْبَحْثِ الْمُسْتَمِرِّ عَنِ السَّعَادَةِ. إِنَّهَا تُمَثِّلُ
الْهُوَّةَ بَيْنَ مَا نَحْلُمُ بِهِ وَمَا نَمْلِكُهُ فِعْلًا. وَهَذِهِ
الْهُوَّةُ لَا تَزَالُ حَاضِرَةً فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ الْمُعَاصِرِ،
وَرُبَّمَا أَصْبَحَتْ أَكْبَرَ فِي عَصْرِ الصُّوَرِ الرَّقْمِيَّةِ
وَالشَّبَكَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَقَدْ تَرَكَتِ الرِّوَايَةُ أَثَرًا
عَمِيقًا فِي الْأَدَبِ وَالسِّينَمَا وَالْفِكْرِ الْحَدِيثِ. فَقَدِ
اسْتَلْهَمَهَا كُتَّابٌ كَثِيرُونَ فِي أُورُوبَّا وَالْعَالَمِ. كَمَا
تَحَوَّلَتْ إِلَى أَفْلَامٍ وَمَسْرَحِيَّاتٍ وَأَعْمَالٍ تِلْفَازِيَّةٍ عَدِيدَةٍ.
وَفِي الْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ النَّفْسِ أَصْبَحَ مَفْهُومُ «الْبُوفَارِيَّةِ»
يُسْتَخْدَمُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى حَالَةِ عَدَمِ الرِّضَا عَنِ الْوَاقِعِ
وَالْهُرُوبِ الْمُسْتَمِرِّ نَحْوَ أَحْلَامٍ مُتَخَيَّلَةٍ.
وَمِنْ أَشْهَرِ الِاقْتِبَاسَاتِ
الْمُنْسُوبَةِ إِلَى فْلُوبِيرْ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ: «مَدَامْ
بُوفَارِي أَنَا». وَهِيَ عِبَارَةٌ تُعَبِّرُ عَنْ إِدْرَاكِ الْكَاتِبِ أَنَّ
شَخْصِيَّتَهُ الرُّوحِيَّةَ وَتَسَاؤُلَاتِهِ الْعَمِيقَةَ تَتَجَلَّى فِي
بَطَلَةِ الرِّوَايَةِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلَافِ الظُّرُوفِ
وَالْهُوِيَّةِ.
أَمَّا أَنَا، فَكُلَّمَا عُدْتُ إِلَى
قِرَاءَةِ «مَدَامْ بُوفَارِي» ازْدَدْتُ اقْتِنَاعًا بِأَنَّ الْأَدَبَ
الْعَظِيمَ لَا يَكْتَفِي بِسَرْدِ الْحِكَايَاتِ، بَلْ يَضَعُ الْإِنْسَانَ
أَمَامَ مِرْآةٍ تَكْشِفُ أَعْمَقَ مَا فِيهِ. إِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُذَكِّرُنِي
دَائِمًا بِأَنَّ الْخَطَرَ لَا يَكْمُنُ فِي الْحُلْمِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي
تَحَوُّلِ الْحُلْمِ إِلَى وَهْمٍ يَقْطَعُ صِلَتَنَا بِالْوَاقِعِ. وَرُبَّمَا
لِهَذَا السَّبَبِ مَا زَالَتْ تَحْتَفِظُ بِقُدْرَتِهَا عَلَى إِثَارَةِ
الْأَسْئِلَةِ وَإِرْبَاكِ الْقُرَّاءِ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ وَنِصْفٍ
عَلَى صُدُورِهَا.
إِلَى هُنَا نَصِلُ إِلَى خِتَامِ
حَلْقَتِنَا الْيَوْمَ. فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ سَنَرْتَحِلُ إِلَى عَالَمِ
رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رَوَائِعِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ مَعًا
أَسْرَارَهَا وَخَلْفِيَّاتِهَا وَأَثَرَهَا فِي الثَّقَافَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
إِلَى اللِّقَاءِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق