الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، يونيو 09، 2026

الأدب الرقمي يكتب العالم من جديد إعداد: عبده حقي

 


تجدر الإشارة إلى أن مجال الأدب الرقمي لا يعرف دائماً إيقاعاً أسبوعياً منتظماً مثل سوق الرواية الورقية أو السينما، لذلك فإن أبرز المستجدات خلال الأسبوع الماضي تمثلت أساساً في إطلاق أعمال تفاعلية جديدة، وإعلانات منصات الأدب الإلكتروني، وصدور دراسات وملفات نقدية ومشاريع سردية رقمية جديدة في مختلف المناطق الثقافية. وقد اعتمدت هذه الحصيلة على مواقع الأدب الإلكتروني العالمية ومنصات النشر الرقمي والمجلات المتخصصة. 

لم تعد الشاشة مجرد وسيط يعبر من خلاله النص نحو القارئ، بل تحولت إلى فضاء إبداعي كامل تتجاور فيه الكلمات مع الصورة والصوت والحركة والذكاء الاصطناعي. وخلال الأسبوع الماضي برزت مؤشرات جديدة تؤكد أن الأدب الرقمي يواصل توسيع حدوده الجمالية والمعرفية، وأن العلاقة بين الكاتب والقارئ دخلت مرحلة جديدة تتجاوز القراءة الخطية التقليدية نحو المشاركة والتفاعل وإعادة تشكيل المعنى.

في المغرب، ما يزال الأدب الرقمي يتحرك داخل دوائر ثقافية محدودة مقارنة ببعض التجارب العالمية، غير أن النقاشات الجديدة حول الكتابة التفاعلية والسرد الرقمي والذكاء الاصطناعي أخذت مساحة أوسع في المدونات والمنصات الثقافية. كما تواصل المبادرات الفردية المغربية تطوير أشكال سردية تجمع بين النص والصورة والرابط التشعبي، في محاولة لإعادة تعريف مفهوم الكتابة الأدبية في البيئة الرقمية. 

ومن بين المراجع المغربية المهمة التي عادت إلى التداول الرقمي خلال الفترة الأخيرة كتاب «ما هو الأدب الرقمي؟» للكاتب المغربي عبده حقي، وهو مشروع نقدي يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها هذا الحقل الإبداعي.

أما في العالم العربي، فقد استمرت المنصات المهتمة بالأدب الإلكتروني في إبراز تجارب السرد التفاعلي والشعر الرقمي والرواية التشعبية. ولا يزال اسم الروائي الأردني محمد سناجلة حاضراً باعتباره من أوائل من أسسوا للرواية التفاعلية العربية عبر أعمال رقمية شكلت منعطفاً في تاريخ الأدب العربي الإلكتروني. 

كما تواصل الجامعات العربية ومراكز البحث إصدار دراسات جديدة حول رهانات الأدب الرقمي ومستقبله في البيئة العربية، مع التركيز على العلاقة بين الإبداع والذكاء الاصطناعي والسرد الشبكي والوسائط المتعددة. 

وفي أوروبا، شهد الأسبوع الماضي اهتماماً متزايداً بالأدب الإلكتروني من خلال التحضير للمؤتمر العالمي لمنظمة الأدب الإلكتروني «إي إل أو» (منظمة الأدب الإلكتروني)، الذي يعد أكبر تجمع عالمي للمبدعين والباحثين في هذا المجال. وقد أعلنت المنظمة عن مواصلة استقبال المشاريع الرقمية والعروض الأدبية التفاعلية التي تستكشف العلاقة بين الإنسان والآلة والكتابة الذكية. 

كما واصلت مجلة «إلكترونيك بوك ريفيو» (المراجعة الإلكترونية للكتاب) نشر ملفات نقدية جديدة تتناول مستقبل الأدب الإلكتروني والكتابة الرقمية المعتمدة على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. 

وفي شرق آسيا، تواصل المؤسسات الثقافية والجامعات اليابانية والكورية والصينية دمج الذكاء الاصطناعي في مشاريع السرد الرقمي والقصص التفاعلية. ويبرز اهتمام متزايد بالأعمال التي تسمح للقارئ بالمشاركة في تشكيل مسار النص عبر واجهات رقمية متطورة، وهي اتجاهات أصبحت تشكل جزءاً من المشهد الأدبي الجديد في المنطقة. كما تتزايد الأبحاث المرتبطة بالكتابة الخوارزمية وتوليد النصوص بواسطة النماذج اللغوية المتقدمة.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، فقد استمر النقاش حول العلاقة بين الأدب والذكاء الاصطناعي في ظل صدور أعمال وتجارب رقمية جديدة تستخدم النماذج اللغوية التوليدية في إنتاج القصص والشعر والنصوص التفاعلية. كما شهدت المؤسسات المتخصصة في الأدب الإلكتروني عرض مشاريع هجينة تجمع بين الكتابة والصورة المولدة آلياً والفنون الرقمية. 

ومن أبرز الملفات الفكرية التي أثارت الانتباه خلال الأسابيع الأخيرة مقال موسع نشرته مجلة The New Yorker بعنوان «التاريخ المبكر لفوضى الذكاء الاصطناعي»، ناقش تأثير النصوص المولدة آلياً على مستقبل الكتابة الإنسانية، محذراً من احتمال غمر الفضاء الرقمي بنصوص آلية تفقد اللغة جزءاً من فرادتها الإبداعية. 

إن الحصيلة العامة للأسبوع الماضي تكشف أن الأدب الرقمي لم يعد مجرد تجربة هامشية أو مختبراً تقنياً محدود التأثير، بل أصبح حقلاً إبداعياً عالمياً تتقاطع فيه الفلسفة والتقنية والفن والذكاء الاصطناعي. الكاتب الجديد لم يعد يكتب فقط بالقلم أو لوحة المفاتيح، بل يكتب أيضاً بالخوارزمية والرابط التشعبي والصورة والصوت. والقارئ بدوره لم يعد متلقياً سلبياً، بل صار شريكاً في إنتاج المعنى.

ومن هذا المنظور تبدو الكتابة الرقمية أشبه بمحيط واسع تتداخل فيه اللغات والثقافات والشاشات والبرمجيات. فالنص الأدبي لم يعد يسكن الورق وحده، بل صار ينتقل بين الأجهزة والمنصات والذكاءات الاصطناعية، باحثاً عن قارئ جديد قادر على إعادة اكتشاف الأدب في صورته المتحولة باستمرار. وبين المغرب والعالم العربي وأوروبا وشرق آسيا وأمريكا تتشكل اليوم خرائط جديدة للخيال الإنساني، خرائط لا ترسمها المطابع وحدها، بل ترسمها أيضاً الشاشات والخوارزميات وأصابع القراء وهم يشاركون في كتابة المستقبل.


0 التعليقات: