أعادت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن الأوضاع في تونس وطبيعة العلاقات بين البلدين فتح نقاش واسع حول حدود التعاون الجزائري التونسي، ومدى قدرة تونس على الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي في ظل تنامي حاجتها إلى الطاقة والدعم المالي والمساندة الأمنية الجزائرية.
وأثارت التصريحات، التي وُصفت في أوساط تونسية بأنها تحمل نبرة أبوية، موجة من الجدل والاستياء، خصوصاً لدى من اعتبروا أنها تعكس اختلالاً واضحاً في ميزان العلاقات بين البلدين. غير أن قراءة المعطيات الاقتصادية والطاقية والأمنية الواردة في النص تكشف أن النقاش لا يتعلق فقط بطريقة التعبير الدبلوماسي، بل يرتبط أيضاً بدرجة الاعتماد التونسي على الجزائر في قطاعات حيوية واستراتيجية.
يُعد قطاع الطاقة أبرز المجالات التي تظهر فيها حاجة تونس الكبيرة إلى الجزائر. فالاقتصاد التونسي يعتمد بدرجة واسعة على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، في وقت يمثل فيه الغاز الجزائري، بحسب الأرقام الواردة في النص، ما بين 65 و70 في المائة من إجمالي الغاز الذي تحتاج إليه تونس لتشغيل محطاتها الحرارية.
وتشير المادة الأصلية إلى أن نحو 95 في المائة من الكهرباء المنتجة في تونس تأتي من محطات تعمل بالغاز الطبيعي. وبناءً على ذلك، فإن أي اضطراب كبير في الإمدادات الجزائرية قد يضع تونس أمام أزمة حقيقية في إنتاج الكهرباء، خصوصاً في ظل صعوبة الحصول على كميات بديلة من الأسواق الدولية بأسعار مناسبة.
ولا يعني هذا بالضرورة أن الجزائر ستستخدم الغاز وسيلة مباشرة للضغط السياسي، لكنه يوضح حجم الهشاشة التي يمكن أن تنتج عن الاعتماد المفرط على مصدر خارجي واحد، مهما كانت العلاقات الثنائية متينة.
وتستفيد تونس كذلك من مرور خط أنابيب الغاز العابر للبحر الأبيض المتوسط عبر أراضيها، وهو الخط الذي ينقل الغاز الجزائري إلى إيطاليا منذ ثمانينيات القرن الماضي. وتحصل تونس، وفق النص، على رسوم عبور تقدر في المتوسط بنحو 5.25 في المائة من الغاز المنقول، كما يمكن أن تصل العائدات السنوية إلى مئات الملايين من اليوروهات تبعاً للأسعار والكميات المصدرة.
ومن ثم، فإن أي تغيير في مسار تصدير الغاز الجزائري نحو أوروبا، أو إحياء مشاريع تسمح بربط الجزائر بإيطاليا بصورة مباشرة من دون المرور بالأراضي التونسية، قد يحرم الخزينة التونسية من إيرادات تتراوح، بحسب التقديرات الواردة، بين 300 و400 مليون يورو سنوياً.
لا يقتصر التأثير الجزائري على قطاع الطاقة، بل يمتد إلى السياحة، التي تعد أحد أهم مصادر العملة الأجنبية بالنسبة إلى تونس.
ويحتل السياح الجزائريون مكانة أساسية في السوق السياحية التونسية، نظراً إلى القرب الجغرافي وسهولة التنقل والتقارب الاجتماعي والثقافي بين الشعبين. ويورد النص أن عدد الزوار الجزائريين بلغ نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون سائح خلال سنة 2024، قبل أن يتجاوز أربعة ملايين خلال سنة 2025.
كما يقدر حجم إنفاقهم خلال موسم الصيف بأكثر من ملياري يورو، مع إمكانية ارتفاع المبلغ إذا أضيفت إليه زيارات نهاية السنة وبقية المناسبات والعطل.
ووفق المعطيات نفسها، يمثل السياح الجزائريون ما بين 35 و40 في المائة من مجموع الوافدين إلى تونس. وهذا يعني أن أي تراجع حاد في أعدادهم، نتيجة أزمة سياسية أو إغلاق الحدود أو فرض قيود جديدة على السفر، يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات في عدد من المدن والمناطق السياحية التونسية.
وبذلك تشكل السياحة الجزائرية، إلى جانب إمدادات الغاز ورسوم عبوره، واحداً من أبرز عناصر النفوذ الاقتصادي الذي تمتلكه الجزائر في علاقتها بجارتها الشرقية.
واجهت تونس خلال السنوات الأخيرة صعوبات مالية حادة، تمثلت في ارتفاع المديونية وتراجع احتياطي العملة الأجنبية وتعثر المفاوضات مع عدد من المؤسسات المالية الدولية.
وفي هذا السياق، قدمت الجزائر دعماً مالياً لتونس في مناسبات متعددة. ويشير النص إلى قرض بقيمة 300 مليون دولار في ديسمبر 2021، إضافة إلى مساعدة مالية بقيمة 200 مليون دولار في نهاية سنة 2022. كما سبق للجزائر، خلال عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، أن قدمت دعماً يقدر بنحو 250 مليون دولار سنة 2014.
وتختلف طبيعة هذه التدفقات المالية بين قروض وودائع ومنح ومساعدات مباشرة، غير أنها تعكس في مجملها دور الجزائر في مساعدة تونس على مواجهة جزء من أزماتها المالية والاقتصادية.
لكن استمرار الحاجة إلى هذه المساعدات يثير في المقابل أسئلة حول قدرة تونس على تنويع شركائها ومصادر تمويلها، حتى لا يتحول الدعم المؤقت إلى علاقة اعتماد دائمة تؤثر في هامش الحركة السياسية والاقتصادية للدولة التونسية.
سياسياً، شهدت العلاقات بين الجزائر وتونس تقارباً لافتاً خلال عهد الرئيس قيس سعيّد، حيث بدت المواقف التونسية في عدد من القضايا الإقليمية أقرب إلى المواقف الجزائرية.
ويربط النص هذا التقارب بحاجة تونس إلى ضمان استمرار إمدادات الطاقة والحصول على المساندة المالية والأمنية، في ظل الأزمات الداخلية التي تعيشها البلاد.
غير أن تفسير السياسة الخارجية التونسية انطلاقاً من العامل الاقتصادي وحده قد لا يكون كافياً؛ فالعلاقات بين الدولتين تستند أيضاً إلى حدود مشتركة طويلة، ومصالح أمنية متبادلة، وذاكرة تاريخية من التنسيق والتعاون.
ومع ذلك، فإن اختلال موازين القوة الاقتصادية والعسكرية يجعل الجزائر الطرف الأكثر قدرة على التأثير في مسار العلاقة، بينما تجد تونس نفسها مطالبة بالحفاظ على التوازن بين حاجتها إلى الدعم الجزائري وضرورة حماية استقلال قرارها السيادي.
يمثل التعاون الأمني والعسكري محوراً أساسياً آخر في العلاقات بين البلدين، خصوصاً أن طول الحدود البرية المشتركة بينهما يبلغ نحو 965 كيلومتراً.
ووفق النص، وقع البلدان في السابع من أكتوبر 2025 اتفاقاً حكومياً للتعاون العسكري، بحضور رئيس أركان الجيش الجزائري سعيد شنقريحة ووزير الدفاع التونسي خالد السهيلي. ويشمل الاتفاق مجالات مرتبطة بالتدريب والتنسيق وحماية الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب.
غير أن التنسيق الأمني ليس جديداً، إذ تعود اتفاقيات التعاون بين البلدين إلى سنوات سابقة، قبل وصول عبد المجيد تبون إلى الرئاسة. وقد تطور هذا التعاون بصورة خاصة بعد تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في المناطق الجبلية والحدودية التونسية.
ويذكر النص أن الجيش التونسي استفاد من الدعم الجزائري بعد الهجمات التي شهدها جبل الشعانبي وظهور كتيبة عقبة بن نافع المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
وفي يوليو 2014، قدمت الجزائر مساعدات عسكرية ومعدات إلى تونس، إضافة إلى تدريب وحدات تونسية متخصصة في مكافحة الإرهاب. كما أنشأت الجزائر بنية تحتية أمنية على امتداد حدودها الشرقية، شملت أبراج مراقبة وخنادق ومراكز متقدمة وتجهيزات إلكترونية، بهدف تعزيز مراقبة الحدود والتصدي لتحركات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
تعكس الأرقام الواردة في النص تفاوتاً واضحاً في الإمكانات العسكرية بين البلدين. فالميزانية العسكرية الجزائرية تتجاوز 20 مليار دولار، في حين تقدر الميزانية العسكرية التونسية بنحو 1.3 مليار دولار.
هذا الفارق يمنح الجزائر قدرة أكبر على توفير المعدات والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والتقني، ويجعل تونس مستفيدة بصورة مباشرة من القوة الأمنية والعسكرية الجزائرية، خصوصاً في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
لكن التعاون الأمني، مهما بلغت أهميته، يظل بحاجة إلى أطر قانونية واضحة وآليات رقابة تضمن احترام السيادة الوطنية، وتمنع تحول التنسيق المشترك إلى تدخل مباشر في الشؤون الداخلية لأي من البلدين.
تكشف المعطيات الواردة في النص أن تونس تستفيد بصورة كبيرة من علاقتها بالجزائر، سواء في مجال الغاز والكهرباء أو السياحة والتمويل والأمن. كما يظهر أن حجم ما تقدمه الجزائر لتونس يفوق، في المرحلة الراهنة، ما يمكن أن تقدمه تونس لجارتها من منافع مقابلة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه العلاقة إلى خطاب يقوم على منطق «الأخ الأكبر» و«الأخ الأصغر»، لأن العلاقات بين الدول لا تُبنى على الأبوة السياسية، بل على احترام السيادة والمصالح المتبادلة.
كما أن استقرار تونس يخدم الجزائر، مثلما يخدم استقرار الجزائر تونس. فأي اضطراب أمني أو اقتصادي في إحدى الدولتين ستكون له انعكاسات مباشرة على الدولة الأخرى، بحكم الجغرافيا والحدود وحركة السكان وتشابك المصالح.
لذلك تبدو تونس في حاجة إلى استراتيجية وطنية تقلص اعتمادها المفرط على مصدر واحد للطاقة، وتنويع أسواقها السياحية وشركائها الاقتصاديين، وتطوير قدراتها الأمنية والعسكرية الذاتية. وفي المقابل، تحتاج الجزائر إلى إدارة نفوذها الإقليمي بلغة الشراكة والاحترام، بعيداً عن التصريحات التي يمكن أن تُفهم باعتبارها مساساً بالسيادة التونسية.
إن مستقبل العلاقات الجزائرية التونسية ينبغي ألا يُبنى على التبعية أو الضغط، بل على شراكة متوازنة تحفظ لتونس استقلال قرارها، وتضمن للجزائر جاراً مستقراً وآمناً، وتحقق مصالح الشعبين في التنمية والتكامل والتعاون طويل الأمد.








0 التعليقات:
إرسال تعليق