الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أغسطس 08، 2026

«تيك شبيلة تيوليولا»... كيف خبأت طفولتنا ذاكرة الأندلس المفقودة: عبده حقي


كنا في طفولتنا نلتقي في الأزقة والساحات الصغيرة، نتشابك بالأيدي أو نصفق على إيقاع لعبة جماعية، ونردد بعفوية كلمات لم نكن نسأل عن معناها:

«تيك شبيلة تيوليولا
ما قتلوني ما حياوني
غير الكاس لي عطاوني...»

كنا نرددها كما ورثناها عن أطفال سبقونا، وهم بدورهم ربما ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، من دون أن يخطر لنا أن خلف تلك الأصوات الغريبة حكاية محتملة أكبر كثيرا من مجرد لعبة أطفال. وبعد عقود، بدأت أكتشف أن «تيك شبيلة تيوليولا» ليست مجرد كلمات عبثية كما كنا نظن، وأن بعض الباحثين والمهتمين بالذاكرة الأندلسية يربطونها بمأساة الموريسكيين الذين عاشوا الاضطهاد والتحويل الديني القسري ثم الطرد من إسبانيا واستقر قسم منهم في المغرب وبلدان المغرب العربي.

لكن البحث التاريخي يفرض منذ البداية تصحيح فكرة تتكرر كثيرا في الروايات المتداولة حول هذه الأهزوجة. فربطها مباشرة بـ«استرجاع الإسبان لإشبيلية» يحتاج إلى تدقيق زمني كبير.

إشبيلية انتقلت إلى سيطرة الملك فرناندو الثالث ملك قشتالة سنة 1248، بعد حصار طويل، أي قبل الطرد الكبير للموريسكيين بأكثر من ثلاثة قرون. وتؤكد الدراسات التاريخية أن المدينة دخلت تحت السيطرة القشتالية في نوفمبر 1248. 

أما المأساة الموريسكية التي يُرجح أن تكون الأهزوجة ـ إن صح أصلها الأندلسي ـ قد احتفظت بصداها، فتعود أساسا إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر.

وهذا التمييز مهم جدا.

فنحن لسنا أمام أنشودة ثبت أنها قيلت لحظة سقوط إشبيلية سنة 1248، بل أمام أثر شفهي محتمل لذاكرة موريسكية متأخرة، قد تكون مدينة إشبيلية بقيت حاضرة فيه باعتبارها مدينة ضائعة أو وطنا بعيدا يتمنى المنفي العودة إليه.

من المسلمين إلى الموريسكيين

بعد تقدم الممالك المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية بقي عدد كبير من المسلمين يعيشون داخل الأراضي التي أصبحت خاضعة للحكم المسيحي. وفي أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر تعرضت جماعات مسلمة واسعة لضغوط انتهت بإجبار أعداد كبيرة منها على اعتناق المسيحية.

ومن هؤلاء ظهر ما أصبح يعرف تاريخيا باسم الموريسكيين، أي المسلمين السابقين وذريتهم الذين صاروا، رسميا، مسيحيين جددا، مع استمرار الاشتباه في احتفاظ كثير منهم بعقيدتهم الإسلامية وممارساتهم سرا. وتصف الدراسات الأكاديمية مرحلة التحويل الديني هذه بأنها جرت في حالات كثيرة تحت الضغط والإكراه. 

وبمرور الزمن أصبحت اللغة واللباس والعادات والممارسات الاجتماعية للموريسكيين موضع مراقبة وتضييق. وأصبح السؤال بالنسبة إلى السلطات لا يتعلق فقط بالعقيدة المعلنة، وإنما أيضا بمدى اندماج هذه الجماعات في المجتمع المسيحي الجديد.

ثم جاءت النهاية الأكثر قسوة.

بين سنتي 1609 و1614 نفذت الدولة الإسبانية عملية الطرد العام للموريسكيين. ويذكر الباحث الإسباني في الدراسات العربية والموريسكية ميكيل دي إيبالثا أن المؤرخين هنري لابيير وبرنار فانسان استطاعا توثيق نحو 275 ألف مطرود، بينما يمكن أن يتجاوز العدد الإجمالي 300 ألف إذا احتسبت حالات الخروج غير المسجلة والوفيات المرتبطة بظروف الرحيل والمنفى. 

لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي من ضفة إلى أخرى. كانت اقتلاعا لعائلات من الأماكن التي ولد فيها أفرادها وأجدادهم، وقطعا لعلاقة استمرت أجيالا طويلة بالأرض والبيت والحي والمقبرة والذاكرة.

إشبيلية تعود إلى قلب الحكاية

وجود إشبيلية داخل الذاكرة الموريسكية ليس افتراضا مجردا.

فالوثائق المتعلقة بالطرد تثبت أن المدينة عرفت بدورها إجراءات لطرد الموريسكيين سنة 1610. وتشير دراسة عن المشهد التاريخي لمدينة إشبيلية إلى وجود 7503 موريسكيين فيها وفق إحصاء أجري في السنة نفسها، كما نشرت مراسيم الطرد في يناير 1610، وأصبح ميناؤها جزءا من عمليات إخراج السكان الموريسكيين. 

وهنا تصبح عبارة «تيك شبيلة» أكثر إثارة.

إحدى القراءات المتداولة ترى أنها تحريف صوتي تراكم عبر أجيال من التداول الشفهي لعبارة مثل «ديك إشبيلية»، أي «تلك إشبيلية»، بينما تُفسر «تيوليولا» أحيانا باعتبارها تحويرا لعبارة قريبة من «تنولي ليها»، أي «سأعود إليها».

وتتبنى بعض الكتابات حول الأهزوجة هذا التحليل، فتقرأ المطلع باعتباره نظرة المنفي إلى إشبيلية التي تبتعد عنه ووعدا خياليا بالعودة إليها. 

إنها قراءة جذابة ومؤثرة، لكن علينا ألا نحولها إلى حقيقة لغوية نهائية.

فالتراث الشفهي يتعرض باستمرار للتحوير. تسقط منه الكلمات، وتتغير الأصوات، وتندمج الجمل بعضها في بعض، ويعيد كل جيل إنتاج ما ورثه بما يناسب لهجته وذاكرته.

لهذا السبب لا نملك، فيما عثرت عليه من مصادر، مخطوطة موريسكية من القرن السابع عشر مكتوبا فيها النص المغربي المعروف اليوم حرفيا:

«تيك شبيلة تيوليولا، ما قتلوني ما حياوني...»

وهذه نقطة جوهرية في أي تناول تاريخي جاد للموضوع.

«ما قتلوني ما حياوني»... جملة بين الحياة والموت

من بين جميع كلمات الأهزوجة تبقى عبارة:

«ما قتلوني ما حياوني»

الأكثر قوة ووضوحا.

إنها تكاد تختصر حالة إنسان حُرم من الموت ومن الحياة معا؛ لم يمت جسديا، لكنه فقد الاطمئنان والهوية والوطن والقدرة على أن يعيش كما يريد.

وعندما توضع هذه العبارة داخل السياق الموريسكي تصبح دلالتها أكثر إيلاما. فقد عاش الموريسكيون سنوات طويلة بين التحويل الديني والرقابة والاتهام بممارسة الإسلام سرا، ثم جاء قرار إخراجهم الجماعي من البلاد. 

لهذا يمكن فهم بقاء عبارة مثل «ما قتلوني ما حياوني» باعتبارها تعبيرا شعبيا عن تجربة الاقتلاع والوجود المعلق بين وطن فُقد ومنفى لم يصبح وطنا بعد.

وقد تناولت الباحثة ناهد جعفر هذه الأهزوجة في مقال بعنوان «تِكِشْبيلا تِوِلُّيُولا» نشرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وقرأت كلماتها في ضوء تجربة الموريسكيين والطرد والذاكرة الأندلسية. 

سر «الكاس لي عطاوني»

تبقى العبارة الأكثر إثارة للجدل:

«غير الكاس لي عطاوني».

هناك رواية شائعة تقول إن المقصود هو كأس الخمر، وإن الموريسكي كان يوضع أحيانا أمام اختبار رمزي أو ممارسة مهينة يراد منها إثبات ابتعاده عن الإسلام.

وتورد بعض القراءات المعاصرة للأهزوجة هذه الرواية، بل تربط الكأس باختبار ديني أو بالإكراه على شرب الخمر. 

لكن من الضروري هنا التمييز بين التفسير الأدبي الشعبي وبين الواقعة التاريخية المثبتة.

فالمصادر التاريخية تؤكد وجود التحويل القسري والمراقبة والاضطهاد الديني ومحاكم التفتيش، لكنها لا تقدم، بحسب ما توفر لي في هذا البحث، دليلا قاطعا يثبت أن شرب كأس من الخمر كان طقسا عاما ومنظما يُفرض على الموريسكيين قبل صعودهم إلى السفن.

لذلك أفضل التعامل مع «الكأس» كجزء من الذاكرة الرمزية للأهزوجة إلى أن يظهر دليل تاريخي مباشر يحسم أصل العبارة.

فالكتابة عن الذاكرة تتطلب قدرا من المحبة، لكن الكتابة عن التاريخ تتطلب أيضا قدرا مساويا من الحذر.

الموريسكيون يصلون إلى المغرب

الجزء الثابت تاريخيا أن المغرب كان من أهم البلدان التي استقبلت المهاجرين والمطرودين الأندلسيين والموريسكيين.

يخصص ميكيل دي إيبالثا فصولا واسعة لدراسة استقرارهم في المغرب، خصوصا في تطوان وسلا والرباط وفاس ومناطق ساحلية أخرى. وتشير دراسته إلى صعوبة إعطاء رقم نهائي للموريسكيين الذين وصلوا إلى المغرب، لكنها توثق الأثر الكبير الذي تركته هجراتهم في عدد من المدن المغربية. 

وهنا أجد المدخل الأكثر منطقية لفهم استمرار الأهزوجة في المغرب.

فالإنسان المهاجر لا يحمل معه الممتلكات فقط. إنه يحمل الأسماء واللغة والأمثال والأطباق والألحان والحكايات والأغاني.

وإذا استقرت جماعات أندلسية وموريسكية كبيرة في المدن المغربية، فمن الطبيعي أن تترك وراءها آثارا داخل الذاكرة الشفوية المحلية، حتى وإن تغيرت معاني هذه الآثار عبر القرون.

من المرثية إلى لعبة الأطفال

لعل أكثر ما يدهشني في «تيك شبيلة تيوليولا» هو التحول الذي يمكن أن يكون قد أصابها.

فإذا صح ارتباطها بالفعل بالموريسكيين، فنحن أمام نموذج مدهش للطريقة التي تستطيع بها الشعوب الاحتفاظ بمآسيها بعدما تنسى تفاصيلها.

ربما كانت في البداية صوت رجل مطرود ينظر خلفه إلى إشبيلية.

ثم أصبحت أغنية تتناقلها العائلات.

ثم نسي الأبناء الحكاية وبقي اللحن.

وبعد أجيال طويلة أصبح أطفال المغرب يصفقون بأيديهم ويضحكون وهم يرددون كلمات كانت، في زمن مجهول، تحمل الحزن والاقتلاع والحنين.

فالذاكرة الشعبية لا تحفظ التاريخ كما تحفظه المخطوطات.

إنها تحفظ شظاياه.

قد تسقط الأسماء والتواريخ، لكن تبقى كلمة. يبقى إيقاع. تبقى جملة غامضة. ويبقى حزن لا يعرف الجيل الجديد سببه.

لهذا أعود اليوم إلى طفولتي وأسأل نفسي: ماذا كنا نردد بالفعل؟

هل كانت «تيك شبيلة» مجرد لعبة شعبية مغربية ألصقت بها الذاكرة الحديثة قصة أندلسية؟

أم أنها بالفعل بقايا مرثية موريسكية طويلة تآكلت كلماتها طوال أربعة قرون حتى لم يبق منها سوى هذه المقاطع؟

لا أملك دليلا يسمح لي بالحسم.

لكنني أعرف شيئا واحدا: الرواية ليست مستحيلة تاريخيا، لأن وجود الموريسكيين في إشبيلية، وطردهم منها سنة 1610، ووصول أعداد كبيرة منهم إلى المغرب، كلها وقائع موثقة. أما الانتقال من هذه الوقائع إلى القول إن الأهزوجة نفسها تعود حتما إلى أولئك المطرودين، فيظل فرضية ثقافية تحتاج إلى وثائق إضافية. 

وهنا تكمن، بالنسبة إلي، القيمة الحقيقية لهذه الكلمات.

فربما لا تقدم «تيك شبيلة تيوليولا» وثيقة تاريخية بالمعنى الأكاديمي الصارم، لكنها تفتح نافذة واسعة على العلاقة العميقة بين المغرب والأندلس وعلى الطريقة التي يمكن أن يختبئ بها التاريخ داخل أبسط تفاصيل حياتنا اليومية.

لقد رددناها أطفالا وضحكنا.

واليوم، عندما أقول:

«تيك شبيلة تيوليولا
ما قتلوني ما حياوني
غير الكاس لي عطاوني...»

أسمعها بطريقة مختلفة.

أرى الموانئ، والسفن، والعائلات المقتَلعة من أرضها، والعيون التي تلتفت إلى الضفة الأخرى.

وأفكر أن بعض ألعاب طفولتنا ربما لم تكن ألعابا فقط.

ربما كانت ذاكرة أجداد عبرت البحر، ثم اختبأت قرونا في أفواه الأطفال.

المراجع والمصادر

  1. ميكيل دي إيبالثا Míkel de Epalza، Los moriscos antes y después de la expulsión، مدريد، MAPFRE، 1992؛ النسخة الرقمية: مكتبة ميغيل دي ثيربانتس الافتراضية، 2001. وهو من أهم المراجع المستخدمة في أعداد المطرودين واستقرار الموريسكيين بالمغرب. (Biblioteca Virtual Miguel de Cervantes)

  2. Cambridge University Press، Muslims of Medieval Latin Christendom, c.1050–1614، فصل «Christians in Name: The Morisco Problem (1499–1614)»، حول التحويلات القسرية للمسلمين ونشوء الجماعة الموريسكية. (Cambridge)

  3. Cambridge University Press، فصل Seville and Early Modern Spain، ويتضمن الإطار التاريخي لانتقال إشبيلية إلى حكم فرناندو الثالث سنة 1248. (Cambridge Resolve)

  4. Juan Ruiz Jiménez، Pregón de expulsión de los moriscos de Sevilla (1610)، مشروع Historical Soundscapes، ويتناول مراسيم طرد موريسكيي إشبيلية وإحصاء المدينة سنة 1610. (Paysages Sonores Historiques)

  5. ناهد جعفر، «تِكِشْبيلا تِوِلُّيُولا»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، دراسة ثقافية تربط الأهزوجة بالذاكرة الموريسكية والطرد من الأندلس. (Palestine Studies)

  6. Biblioteca Virtual Miguel de Cervantes، المواد المتعلقة بالطرد العام للموريسكيين بين 1609 و1614، ومسارات هجرتهم واستقرارهم في بلدان المغرب، وخاصة المغرب. (Biblioteca Virtual Miguel de Cervantes)

  7. Tikchbila، مادة مرجعية تجمع الروايات المتداولة حول الأصل اللغوي للأهزوجة وارتباطها بإشبيلية والموروث الموريسكي، مع ببليوغرافيا لدراسات الموريسكيين. تُستعمل هنا للمقارنة لا بوصفها دليلا تاريخيا حاسما. (Wikipedia)

أقوى نقطة في هذه النسخة للنشر هي أنها لا تقدم الرواية الشعبية باعتبارها حقيقة محسومة؛ بل تجعل الغموض نفسه جزءًا من جاذبية المقال، وهو ما يمنحه مصداقية تاريخية أكبر.


0 التعليقات: