الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أغسطس 08، 2026

أَنَا الَّذِي نِمْتُ فِي جَيْبِ الْبَحْر: عبده حقي


أستيقظُ هذا الصباح
فلا أجدني في السرير.

أجدُ السريرَ نائمًا فيَّ.

وأجد وسادتي
وقد نبتت لها أذنان
وتصغي منذ الفجر
إلى شيءٍ يتحرك تحت جلدي.

                                                                      أرفع يدي.

لا أراها.

أرى سمكةً بيضاء
تخرج من كُمّ قميصي
وتسبح ببطء
نحو سقف الغرفة.

أقول لها:

إلى أين؟

فتفتح فمها
ويخرج منه صوت أمي:

لا تتأخر.

أرتجف.

أفتح النافذة.

يدخل البحر.

لا يدخل ماؤه.

يدخل البحر نفسه.

بأسماكه.

بغرقاه.

بسفنه القديمة.

بملحه.

بمقاهيه البعيدة.

بنساءٍ جلسن ذات مساء
ينتظرن رجالًا
ابتلعتهم الجهات الأربع.

يملأ الغرفة.

لكنه لا يبلل شيئًا.

يمر فوق السجاد
مثل فكرة.

ثم يجلس قبالتي.

يضع ساقًا فوق ساق.

يسألني:

ماذا فعلتَ بكل السنوات
التي أعطيتُكَ إياها؟

لا أعرف.

أبحث في الأدراج.

أجد عامًا كاملًا
مطويًا داخل منديل.

أجد صيفًا قديمًا
بين جوربين.

أجد طفولتي
مختبئة في علبة دواء.

أجد يومًا سعيدًا
مكسورًا إلى نصفين.

وأجد الثلاثاء الماضي
جالسًا في زاوية الخزانة
يبكي لأنه لم يره أحد.


أخرج إلى الشارع.

لكن الشارع لا يؤدي إلى المدينة.

يؤدي إلى رأسي.

أمشي داخله.

أرى أفكاري
تفتح دكاكين صغيرة.

هذه تبيع الخوف.

هذه تبيع الذكريات المستعملة.

هذه تعرض أحلامًا
بأثمان مخفضة.

رجل عجوز يصيح:

ثلاثة ندمٍ بدرهمين!

امرأة تقف وراء طاولة
مغطاة بالصور
تناديني باسمي.

أقترب.

أراها تبيع وجوهًا كنت أعرفها.

أقول:

هذا وجه أبي.

تقول:

كان وجه أبيك.

أما الآن
فقد صار نافذة.

أقول:

وهذا وجه أمي؟

فتخفض عينيها.

تقول:

هذا ليس للبيع.

ثم تضعه في صدري.


أواصل المشي.

لكن قدميَّ ترفضان السير.

تقول اليمنى:

لقد أخذتني إلى أماكن كثيرة
ولم تأخذني إليك.

وتقول اليسرى:

أمضيت عمري وأنا أحملك،
واليوم أريد أن تجلس.

أجلس على الرصيف.

فينشق الرصيف.

أقع.

أسقط في بئر
مملوءة بالساعات.

كل ساعة تشير إلى عمر مختلف.

واحدة تقول إنني طفل.

ثانية تقول إنني ميت منذ ثلاثين سنة.

ثالثة لم تولد بعد.

ورابعة
لا تحتوي على عقارب.

أمسكها.

أضعها على أذني.

أسمع قلبًا.

أكتشف أنه قلبي.

كان مختبئًا داخل الساعة
كل هذه الأعوام.

أكسر الزجاج.

يخرج القلب.

له جناحان أسودان.

يدور حولي.

ثم يسأل:

هل انتهيت من الركض؟

أقول:

لا أعرف لماذا كنت أركض.

يضحك.

تتساقط من ضحكته
مسامير صغيرة.

يقول:

هذا هو سبب التعب كله.


أتسلق الحائط.

نعم.

الحائط.

فالسلالم في حلمي
تؤدي إلى الأسفل فقط.

أتسلق الجدار بيديَّ.

كلما صعدت مترًا
تسقط مني ذكرى.

أول قبلة.

أول كتاب.

أول خيبة.

أول جنازة.

أول مرة أدركت فيها
أن أبي يمكن أن يموت.

أول مرة أدركت فيها
أن أمي ماتت فعلًا.

تسقط الذكريات تحتي
مثل تفاح أسود.

أريد النزول لجمعها.

لكن الجدار يقول:

اتركها.

أقول:

إنها حياتي.

يقول:

لهذا السبب تحديدًا
اتركها.


أصل إلى أعلى الحائط.

لا أجد الجهة الأخرى.

أجد مطبخًا.

تجلس فيه طفولتي
على كرسي قصير.

أمامها كأس حليب.

لكن الحليب أزرق.

والخبز يتنفس.

والسكين تسأل عن اسمي.

أجلس إلى جوار الطفل الذي كنته.

ينظر إليّ طويلًا.

يقول:

لماذا صرت عجوزًا؟

أقول:

لأنني عشت.

يهز رأسه.

لا يصدقني.

يسأل:

هل فعلت كل ما وعدتني به؟

أصمت.

ينزل من الكرسي.

يفتح جيبي.

يخرج منه حفنةً من الأعذار.

يرميها في القمامة.

ثم يقول:

كنتُ أطلب منك أشياء بسيطة.

أن تظل مدهوشًا.

أن تحب كثيرًا.

أن تخاف أقل.

أن تنظر إلى السماء.

أن تركض أحيانًا بلا سبب.

أن تبكي إذا أردت.

أن تصدق الموسيقى.

ماذا فعلتَ أنت؟

أقول:

كبرت.

فيضحك ضحكة مؤلمة.

ويقول:

هذه ليست إجابة.


فجأةً يبدأ المطبخ بالدوران.

الطاولة تصبح سفينة.

الثلاجة تصبح قبرًا أبيض.

الملاعق تتحول إلى طيور.

والطفل الذي كنته
يكبر أمامي بسرعة.

يصبح شابًا.

ثم رجلًا.

ثم شيخًا.

ثم رمادًا.

ثم يعود طفلًا.

يسألني:

أيهما أنا؟

أقول:

أنت جميعهم.

يقول:

وأنت؟

أمد يدي إلى وجهي.

لا أجد وجهًا.

أجد بابًا.

أفتحه.

أدخل.


في الداخل
ممر طويل.

على الجانبين
غرف تحمل أسماء الناس
الذين أحببتهم.

أفتح غرفة.

أجد صديقي القديم
يضحك كما كان يضحك
قبل أن تبتلعه السنوات.

أفتح أخرى.

امرأة أحببتها
تجلس أمام مرآة
تمشط شعر الغياب.

أفتح ثالثة.

أجد أمي.

لا تنظر إليّ.

تخيط ثوبًا أبيض.

أقول:

أمي.

تقول:

لا ترفع صوتك،
الموت نائم.

أجلس قربها.

أسأل:

لمن هذا الثوب؟

تقول:

لك.

أقول:

هل سأموت؟

تضحك.

فتنبت أزهار صغيرة
حول فمها.

تقول:

أنت تموت قليلًا
كلما نسيت أن تعيش.


أستيقظ.

لكنني لا أستيقظ.

فوق رأسي
شجرة مقلوبة.

جذورها في السماء.

أوراقها تحت الأرض.

تتدلى منها ثمار
تشبه العيون.

كل عين ترى عمرًا من أعمارى.

عين تراني في العشرين.

عين تراني في الخمسين.

عين تراني بعد موتي.

أنظر في الأخيرة.

أرى غرفتي.

كرسيًا فارغًا.

كتابًا مفتوحًا.

نظارات موضوعة قرب الفنجان.

نافذة مفتوحة.

يدخل منها الهواء.

لا أحد يقول:

كان هنا.

لكن الستارة تتحرك.

وأشعر براحة غريبة.

ربما هذا ما نصير إليه:

حركةً صغيرة
في ستارة.

رائحةً تبقى في قميص.

فراغًا في كرسي.

اسما يعبر
فم شخص
ثم يصمت.


أمشي في المدينة.

كل الناس بلا رؤوس.

يحمل كل واحد رأسه
تحت ذراعه.

أحدهم يضع رأسه على طاولة مقهى.

رأسه يشرب القهوة.

أما جسده
فيقرأ الصحيفة.

امرأة تعبر الطريق.

رأسها يضحك.

جسدها يبكي.

طفل يحمل رأس رجل مسن.

رجل مسن يحمل رأس رضيع.

وأنا؟

أضع رأسي في حقيبة.

أقرر أن أمشي بلا عقل
قليلًا.

يا لها من خفة.

فجأة يصبح العالم أجمل.

الأشجار لا تحتاج إلى تفسير.

العصافير لا تحتاج إلى فلسفة.

السماء لا تحتاج إلى عنوان.

الحب لا يحتاج إلى محامٍ.

الموت لا يحتاج إلى استعارة.

أمشي.

فقط أمشي.


أدخل مقهى.

النادل هيكلي العظمي.

يعرفني.

يقول:

المعتاد؟

أقول:

ما المعتاد؟

يقول:

كوب ندم
بلا سكر.

أقول:

لا.

أريد شيئًا آخر.

يفتح صدره.

يخرج منه شمسًا صغيرة.

يضعها في فنجان.

يقول:

اشرب ببطء.

أرتشف.

تحترق سنوات كاملة في فمي.

تذوب أسماء.

تختفي تواريخ.

أرى جميع الذين سامحتهم.

ثم أرى الذين لم أسامحهم.

ثم أكتشف فجأة
أن وجهي بينهم.

أشرب جرعة أخرى.

أسامحني.


أخرج.

المساء معلق
بمسمار فوق المدينة.

أمد يدي.

أنزعه.

يسقط الليل دفعة واحدة.

تتدحرج النجوم في الشوارع.

يجمعها الأطفال في جيوبهم.

أجد نجمة قرب قدمي.

أرفعها.

إنها ساخنة.

أسألها:

ماذا أفعل بك؟

تجيب:

لا تفعل شيئًا.

لماذا يريد الإنسان
أن يفعل شيئًا دائمًا؟

ضعني فقط في يدك.

أفعل.

لأول مرة
أمسك شيئًا
من دون رغبة في امتلاكه.


أصل إلى البحر.

البحر هذه المرة
واقف.

نعم.

واقف على قدميه.

طويل جدًا.

يرتدي معطفًا أزرق.

له لحية من الزبد.

يقترب.

يضع يده على رأسي.

يقول:

أنت متعب.

أقول:

من أنا؟

يقول:

أنت السؤال الذي أضاع صاحبه.

أقول:

أين قلبي؟

يشير إلى الأفق.

أرى قلبي هناك
يركب قاربًا صغيرًا.

أناديه:

ارجع!

يلتفت.

يقول:

بل أنت تعال.

أدخل الماء.

لا أغرق.

أمشي فوق القاع.

حول قدمي
أسماك تحمل وجوه الموتى.

أبي يمر على هيئة سمكة فضية.

صديق رحل
على هيئة حصان بحري.

أمي
لا تتحول إلى شيء.

تظل أمي.

تمشي نحوي فوق الماء.

أقول:

هل أنت حقيقة؟

تقول:

وهل تحتاج المحبة إلى الحقيقة؟

ثم تعبر من خلالي.

أشم رائحة بيت قديم.


أصل إلى القارب.

أجلس إلى جوار قلبي.

لا نتكلم.

نبحر.

لا يوجد مجداف.

لا توجد ريح.

القارب يعرف الطريق.

أسأل:

إلى أين نحن ذاهبان؟

يقول قلبي:

إلى المكان الذي كنت تأتي منه
قبل أن تولد.

أقول:

أين هو؟

يشير إلى صدري.


أفتح صدري.

أجد داخله مدينة صغيرة.

كل شوارعها تحمل اسمي.

ميدان اسمه خوف.

زقاق اسمه حب.

مستشفى اسمه ذاكرة.

مقبرة اسمها غد.

ومقهى في الزاوية
اسمه الآن.

أدخل.

أجد نفسي جالسًا هناك
في انتظاري.

نعم.

أنا أنتظرني.

أجلس أمامي.

لا أعرف أيُّنا الحقيقي.

أقول لي:

لقد تأخرت.

أقول لي:

كنت أبحث عنك.

أقول:

وأين كنت؟

أجيب:

هنا.

منذ البداية.


يمر النادل.

هذه المرة
وجهه يشبه الزمن.

نسأله عن الحساب.

يضحك.

يقول:

دفعتم الثمن منذ ولادتكم.

ثم ينطفئ.


أمد يدي إلى نفسي.

تلتقي يدي بيدي.

في اللحظة نفسها
تتوقف المدينة.

تتوقف السيارات.

تتوقف الدماء.

تتوقف الذكريات عن العض.

تتوقف الساعة عن أكل أصابعي.

وأسمع صوتًا يأتي من مكان
لا أعرفه.

قد يكون من داخلي.

قد يكون من قبر.

قد يكون من طفل لم يولد.

يقول:

لا يوجد شيء خلف الباب.

فلا تهدر عمرك
في طرقه.


أفتح الباب رغم ذلك.

لأنني إنسان.

وفي الداخل

أجد كرسيًا.

فوقه قميصي القديم.

وفي القميص
تنام فراشة.

وفي الفراشة
تنام مدينة.

وفي المدينة
بيت.

وفي البيت
امرأة تغني.

وفي الأغنية
ممر.

وفي الممر
طفل.

وفي الطفل
رجل مسن.

وفي الرجل المسن
بحر.

وفي البحر
كرسي.

وفوق الكرسي
أنا.

أرتدي القميص نفسه.

وأكتب القصيدة نفسها.


أفهم أنني لم أتحرك قط.

كل هذا السفر
وقع داخل نقطة واحدة.

كل القطارات
كانت تركض في دمي.

كل المطارات
بنيت بين ضلعين.

كل البحار
نامت في عيني.

وكل الذين فقدتهم
لم يغادروا.

لقد غيروا فقط
أماكن جلوسهم في جسدي.


أقول لقلبي:

هل هذه هي السعادة؟

يركل حصاة.

يقول:

لا تقل سعادة.

الكلمات تفسد الأشياء أحيانًا.

أقول:

ماذا أسميها إذن؟

يقول:

لا تسمها.

عشها.


فأخلع اسمي.

أعلقه على شجرة.

أخلع عمري.

أتركه على الرمل.

أخلع خوفي.

أطويه بعناية.

أضعه داخل حذائي.

ثم أخلع وجهي.

أعطيه للبحر.

يسألني:

ماذا ستفعل بلا وجه؟

أقول:

سأرى.


أمشي.

يصير جسدي شفافًا.

تمر الأشجار من خلالي.

تمر الطيور.

تمر امرأة تحمل خبزًا.

يمر قطار.

تمر جنازة.

يمر عرس.

يمر عام 1980.

يمر عام 2026.

يمر يوم لم أعشه بعد.

يمر موتي.

أراه.

يبتسم لي.

ألوّح له.

ويمضي.


عند الفجر
لا يبقى مني سوى صوت.

ثم يتحول الصوت إلى حجر.

ثم الحجر إلى ماء.

ثم الماء إلى طائر.

ثم الطائر إلى كلمة.

ثم الكلمة إلى نقطة سوداء
على صفحة بيضاء.

تقترب منها أمي.

تمسحها بإصبعها.

أختفي.


وأظهر من جديد
في كوب ماء
فوق طاولة شخص مجهول.

يرفع الكوب.

يشربني.

أدخل قلبه.

أعيش فيه لحظة.

أسمع ذكرياته.

أرى أمه.

أرى خوفه.

أرى سرير طفولته.

أفهم فجأة
أننا جميعًا
نشرب بعضنا بعضًا.

وأنني قد أكون مررت
في أجساد آلاف البشر
دون أن أعرف.

ربما كنت دمعةً في عين غريب.

ربما كنت كلمةً
أنقذت شخصًا من اليأس.

ربما كنت نظرةً
لم ينتبه إليها أحد.

ربما كنت فقط
صمتًا صغيرًا
بين جملتين.


في النهاية
أعود إلى البحر.

لكن البحر صار صغيرًا.

أضعه في جيبي.

يصدر صوت الموج
كلما مشيت.

يسألني الناس:

ما هذا الصوت؟

أقول:

لا شيء.

مجرد قلبي
يحاول العودة إلى البيت.


وفي الليل،

أستلقي.

تستلقي المدينة إلى جواري.

تضع رأسها على كتفي.

تقول:

هل ما زلت تبحث؟

أقول:

لا.

تسأل:

وجدتَ ما تريد؟

أقول:

لا.

فتبتسم.

وأبتسم.

كأننا فهمنا أخيرًا
أن السؤال نفسه
كان البيت.


أغمض عيني.

أرى بابًا.

لا أفتحه.

للمرة الأولى
لا أفتحه.

أجلس أمامه.

أسمع من خلفه
ضحكة طفل.

صوت أمي.

ارتطام موجة.

خشخشة صفحات.

فنجانًا يوضع فوق طاولة.

وشخصًا يقول:

تعال.

لكنني لا أذهب.

أبقى هنا.

داخل هذه اللحظة.

داخل هذا الجسد.

داخل هذا النفس القصير.

داخل هذه المعجزة المؤقتة
التي يسمونها حياة.

ثم أضع رأسي
على كتف الظلام،

وأقول له:

نم.

لقد تعبتَ من حملي.

وفي تلك اللحظة
أشعر بأن الكون كله
يتنفس من رئتي.

وأشعر بأنني
لستُ رجلًا
ولا اسمًا
ولا عمرًا
ولا ذكرى.

أنا مجرد نافذة
نسيها الله مفتوحة
على البحر.


0 التعليقات: