أجدُ السريرَ نائمًا فيَّ.
أرفع يدي.
لا أراها.
أقول لها:
إلى أين؟
لا تتأخر.
أرتجف.
أفتح النافذة.
يدخل البحر.
لا يدخل ماؤه.
يدخل البحر نفسه.
بأسماكه.
بغرقاه.
بسفنه القديمة.
بملحه.
بمقاهيه البعيدة.
يملأ الغرفة.
لكنه لا يبلل شيئًا.
ثم يجلس قبالتي.
يضع ساقًا فوق ساق.
يسألني:
لا أعرف.
أبحث في الأدراج.
أخرج إلى الشارع.
لكن الشارع لا يؤدي إلى المدينة.
يؤدي إلى رأسي.
أمشي داخله.
هذه تبيع الخوف.
هذه تبيع الذكريات المستعملة.
رجل عجوز يصيح:
ثلاثة ندمٍ بدرهمين!
أقترب.
أراها تبيع وجوهًا كنت أعرفها.
أقول:
هذا وجه أبي.
تقول:
كان وجه أبيك.
أقول:
وهذا وجه أمي؟
فتخفض عينيها.
تقول:
هذا ليس للبيع.
ثم تضعه في صدري.
أواصل المشي.
لكن قدميَّ ترفضان السير.
تقول اليمنى:
وتقول اليسرى:
أجلس على الرصيف.
فينشق الرصيف.
أقع.
كل ساعة تشير إلى عمر مختلف.
واحدة تقول إنني طفل.
ثانية تقول إنني ميت منذ ثلاثين سنة.
ثالثة لم تولد بعد.
أمسكها.
أضعها على أذني.
أسمع قلبًا.
أكتشف أنه قلبي.
أكسر الزجاج.
يخرج القلب.
له جناحان أسودان.
يدور حولي.
ثم يسأل:
هل انتهيت من الركض؟
أقول:
لا أعرف لماذا كنت أركض.
يضحك.
يقول:
هذا هو سبب التعب كله.
أتسلق الحائط.
نعم.
الحائط.
أتسلق الجدار بيديَّ.
أول قبلة.
أول كتاب.
أول خيبة.
أول جنازة.
أريد النزول لجمعها.
لكن الجدار يقول:
اتركها.
أقول:
إنها حياتي.
يقول:
أصل إلى أعلى الحائط.
لا أجد الجهة الأخرى.
أجد مطبخًا.
أمامها كأس حليب.
لكن الحليب أزرق.
والخبز يتنفس.
والسكين تسأل عن اسمي.
أجلس إلى جوار الطفل الذي كنته.
ينظر إليّ طويلًا.
يقول:
لماذا صرت عجوزًا؟
أقول:
لأنني عشت.
يهز رأسه.
لا يصدقني.
يسأل:
هل فعلت كل ما وعدتني به؟
أصمت.
ينزل من الكرسي.
يفتح جيبي.
يخرج منه حفنةً من الأعذار.
يرميها في القمامة.
ثم يقول:
كنتُ أطلب منك أشياء بسيطة.
أن تظل مدهوشًا.
أن تحب كثيرًا.
أن تخاف أقل.
أن تنظر إلى السماء.
أن تركض أحيانًا بلا سبب.
أن تبكي إذا أردت.
أن تصدق الموسيقى.
ماذا فعلتَ أنت؟
أقول:
كبرت.
فيضحك ضحكة مؤلمة.
ويقول:
هذه ليست إجابة.
فجأةً يبدأ المطبخ بالدوران.
الطاولة تصبح سفينة.
الثلاجة تصبح قبرًا أبيض.
الملاعق تتحول إلى طيور.
يصبح شابًا.
ثم رجلًا.
ثم شيخًا.
ثم رمادًا.
ثم يعود طفلًا.
يسألني:
أيهما أنا؟
أقول:
أنت جميعهم.
يقول:
وأنت؟
أمد يدي إلى وجهي.
لا أجد وجهًا.
أجد بابًا.
أفتحه.
أدخل.
أفتح غرفة.
أفتح أخرى.
أفتح ثالثة.
أجد أمي.
لا تنظر إليّ.
تخيط ثوبًا أبيض.
أقول:
أمي.
تقول:
أجلس قربها.
أسأل:
لمن هذا الثوب؟
تقول:
لك.
أقول:
هل سأموت؟
تضحك.
تقول:
أستيقظ.
لكنني لا أستيقظ.
جذورها في السماء.
أوراقها تحت الأرض.
كل عين ترى عمرًا من أعمارى.
عين تراني في العشرين.
عين تراني في الخمسين.
عين تراني بعد موتي.
أنظر في الأخيرة.
أرى غرفتي.
كرسيًا فارغًا.
كتابًا مفتوحًا.
نظارات موضوعة قرب الفنجان.
نافذة مفتوحة.
يدخل منها الهواء.
لا أحد يقول:
كان هنا.
لكن الستارة تتحرك.
وأشعر براحة غريبة.
ربما هذا ما نصير إليه:
رائحةً تبقى في قميص.
فراغًا في كرسي.
أمشي في المدينة.
كل الناس بلا رؤوس.
أحدهم يضع رأسه على طاولة مقهى.
رأسه يشرب القهوة.
امرأة تعبر الطريق.
رأسها يضحك.
جسدها يبكي.
طفل يحمل رأس رجل مسن.
رجل مسن يحمل رأس رضيع.
وأنا؟
أضع رأسي في حقيبة.
يا لها من خفة.
فجأة يصبح العالم أجمل.
الأشجار لا تحتاج إلى تفسير.
العصافير لا تحتاج إلى فلسفة.
السماء لا تحتاج إلى عنوان.
الحب لا يحتاج إلى محامٍ.
الموت لا يحتاج إلى استعارة.
أمشي.
فقط أمشي.
أدخل مقهى.
النادل هيكلي العظمي.
يعرفني.
يقول:
المعتاد؟
أقول:
ما المعتاد؟
يقول:
أقول:
لا.
أريد شيئًا آخر.
يفتح صدره.
يخرج منه شمسًا صغيرة.
يضعها في فنجان.
يقول:
اشرب ببطء.
أرتشف.
تحترق سنوات كاملة في فمي.
تذوب أسماء.
تختفي تواريخ.
أرى جميع الذين سامحتهم.
ثم أرى الذين لم أسامحهم.
أشرب جرعة أخرى.
أسامحني.
أخرج.
أمد يدي.
أنزعه.
يسقط الليل دفعة واحدة.
تتدحرج النجوم في الشوارع.
يجمعها الأطفال في جيوبهم.
أجد نجمة قرب قدمي.
أرفعها.
إنها ساخنة.
أسألها:
ماذا أفعل بك؟
تجيب:
لا تفعل شيئًا.
ضعني فقط في يدك.
أفعل.
أصل إلى البحر.
نعم.
واقف على قدميه.
طويل جدًا.
يرتدي معطفًا أزرق.
له لحية من الزبد.
يقترب.
يضع يده على رأسي.
يقول:
أنت متعب.
أقول:
من أنا؟
يقول:
أنت السؤال الذي أضاع صاحبه.
أقول:
أين قلبي؟
يشير إلى الأفق.
أناديه:
ارجع!
يلتفت.
يقول:
بل أنت تعال.
أدخل الماء.
لا أغرق.
أمشي فوق القاع.
أبي يمر على هيئة سمكة فضية.
تظل أمي.
تمشي نحوي فوق الماء.
أقول:
هل أنت حقيقة؟
تقول:
وهل تحتاج المحبة إلى الحقيقة؟
ثم تعبر من خلالي.
أشم رائحة بيت قديم.
أصل إلى القارب.
أجلس إلى جوار قلبي.
لا نتكلم.
نبحر.
لا يوجد مجداف.
لا توجد ريح.
القارب يعرف الطريق.
أسأل:
إلى أين نحن ذاهبان؟
يقول قلبي:
أقول:
أين هو؟
يشير إلى صدري.
أفتح صدري.
أجد داخله مدينة صغيرة.
كل شوارعها تحمل اسمي.
ميدان اسمه خوف.
زقاق اسمه حب.
مستشفى اسمه ذاكرة.
مقبرة اسمها غد.
أدخل.
نعم.
أنا أنتظرني.
أجلس أمامي.
لا أعرف أيُّنا الحقيقي.
أقول لي:
لقد تأخرت.
أقول لي:
كنت أبحث عنك.
أقول:
وأين كنت؟
أجيب:
هنا.
منذ البداية.
يمر النادل.
نسأله عن الحساب.
يضحك.
يقول:
دفعتم الثمن منذ ولادتكم.
ثم ينطفئ.
أمد يدي إلى نفسي.
تلتقي يدي بيدي.
تتوقف السيارات.
تتوقف الدماء.
تتوقف الذكريات عن العض.
تتوقف الساعة عن أكل أصابعي.
قد يكون من داخلي.
قد يكون من قبر.
قد يكون من طفل لم يولد.
يقول:
لا يوجد شيء خلف الباب.
أفتح الباب رغم ذلك.
لأنني إنسان.
وفي الداخل
أجد كرسيًا.
فوقه قميصي القديم.
أرتدي القميص نفسه.
وأكتب القصيدة نفسها.
أفهم أنني لم أتحرك قط.
أقول لقلبي:
هل هذه هي السعادة؟
يركل حصاة.
يقول:
لا تقل سعادة.
الكلمات تفسد الأشياء أحيانًا.
أقول:
ماذا أسميها إذن؟
يقول:
لا تسمها.
عشها.
فأخلع اسمي.
أعلقه على شجرة.
أخلع عمري.
أتركه على الرمل.
أخلع خوفي.
أطويه بعناية.
أضعه داخل حذائي.
ثم أخلع وجهي.
أعطيه للبحر.
يسألني:
ماذا ستفعل بلا وجه؟
أقول:
سأرى.
أمشي.
يصير جسدي شفافًا.
تمر الأشجار من خلالي.
تمر الطيور.
تمر امرأة تحمل خبزًا.
يمر قطار.
تمر جنازة.
يمر عرس.
يمر عام 1980.
يمر عام 2026.
يمر يوم لم أعشه بعد.
يمر موتي.
أراه.
يبتسم لي.
ألوّح له.
ويمضي.
ثم يتحول الصوت إلى حجر.
ثم الحجر إلى ماء.
ثم الماء إلى طائر.
ثم الطائر إلى كلمة.
تقترب منها أمي.
تمسحها بإصبعها.
أختفي.
يرفع الكوب.
يشربني.
أدخل قلبه.
أعيش فيه لحظة.
أسمع ذكرياته.
أرى أمه.
أرى خوفه.
أرى سرير طفولته.
ربما كنت دمعةً في عين غريب.
لكن البحر صار صغيرًا.
أضعه في جيبي.
يسألني الناس:
ما هذا الصوت؟
أقول:
لا شيء.
وفي الليل،
أستلقي.
تستلقي المدينة إلى جواري.
تضع رأسها على كتفي.
تقول:
هل ما زلت تبحث؟
أقول:
لا.
تسأل:
وجدتَ ما تريد؟
أقول:
لا.
فتبتسم.
وأبتسم.
أغمض عيني.
أرى بابًا.
لا أفتحه.
أجلس أمامه.
صوت أمي.
ارتطام موجة.
خشخشة صفحات.
فنجانًا يوضع فوق طاولة.
وشخصًا يقول:
تعال.
لكنني لا أذهب.
أبقى هنا.
داخل هذه اللحظة.
داخل هذا الجسد.
داخل هذا النفس القصير.
وأقول له:
نم.
لقد تعبتَ من حملي.







.jpg)
0 التعليقات:
إرسال تعليق