أحياناً تقول حقيبة سفر خاصة ما لا تقوله البيانات الدبلوماسية الطويلة. وهذا بالضبط ما استوقفني في خبر حلول وزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريغيف بالمغرب لقضاء إجازة خاصة، بالتزامن مع استئناف شركة «أركيا» رحلاتها المباشرة نحو مراكش بعد انقطاع دام نحو ثلاثة أعوام. فالمعطى المعلن يؤكد أن الأمر لا يتعلق بمهمة حكومية رسمية، وأن نفقات الرحلة يتحملها المشاركون فيها بصورة شخصية، لكن السياسة، كما أعرفها وكما تعلمناها من تقلبات منطقتنا، لا تمنح المسؤول الكبير إجازة كاملة من صفته السياسية؛ إذ يظل اختياره للوجهة حاملاً لدلالات تتجاوز الفندق والطائرة وبرنامج الاستجمام.
أنا لا أقرأ عودة ميري ريغيف إلى المغرب باعتبارها حدثاً سياحياً عابراً فقط، ولا أرى فيها كذلك انقلاباً استراتيجياً يستحق المبالغة والاحتفال، بل أتعامل معها بوصفها قطعة صغيرة في صورة أكبر: العلاقات المغربية الإسرائيلية اجتازت خلال السنوات الأخيرة امتحانات سياسية وأمنية وإقليمية شديدة التعقيد، خصوصاً منذ اندلاع الحرب في غزة، ومع ذلك لم تنقطع كل الخيوط التي تربط البلدين، ولم تتحول الأزمة الفلسطينية، رغم فداحتها، إلى إغلاق مطلق لكل قنوات الاتصال.
ولعل ما يهمني أكثر في هذه الزيارة هو أنها تتزامن مع عودة الربط الجوي المباشر بين تل أبيب ومراكش. هنا تنتقل المسألة من الرمزية السياسية إلى الاقتصاد الحقيقي. فالطائرة التي تقل وزيرة أو سائحاً عادياً لا تحمل أجساد المسافرين فقط؛ إنها تحمل معها ليالي فندقية، ومصاريف مطاعم، وسيارات أجرة، وتسوقاً، وزيارات للمواقع التاريخية، ورحلات إلى الصويرة وأوريكا وأكفاي والدار البيضاء وفاس وطنجة، وقد تحمل مستقبلاً معها مستثمرين ورجال أعمال ومهنيين يبحثون عن فرص جديدة.
وأعتقد أن قوة المغرب اليوم تكمن تحديداً في قدرته على أن يجعل الاتصال الجوي أداة من أدوات الاقتصاد الوطني، لا مجرد مسألة تقنية بين مطارين. فقد استقبل المغرب خلال سنة 2025 نحو 19.8 مليون سائح، وهو رقم قياسي بزيادة بلغت حوالي 14 في المائة عن السنة السابقة، فيما تؤكد المعطيات الرسمية المغربية أن المداخيل السياحية بلغت نحو 138 مليار درهم، مع إحداث 90 ألف منصب شغل جديد، ليقترب عدد العاملين في القطاع من 900 ألف شخص. كما يطمح المغرب إلى بلوغ 26 مليون سائح في أفق 2030.
هذه الأرقام، في تقديري، أهم كثيراً من السجالات الإيديولوجية التي تحاول أحياناً اختزال كل سائح في جواز سفره وكل طائرة في موقف سياسي. المغرب يريد أن يصبح من كبار الفاعلين السياحيين في العالم، وهذا الطموح يحتاج إلى مزيد من الخطوط الجوية والأسواق والمستثمرين والزبائن، لا إلى إغلاق الأبواب. وقد ربطت الاستراتيجية السياحية المغربية نفسها ارتفاع جاذبية الوجهة بتوسيع الربط الجوي الدولي، إلى جانب الترويج والاستثمار وتحسين جودة العرض السياحي.
ولهذا أرى أن اختيار شخصية سياسية إسرائيلية معروفة مثل ميري ريغيف لمراكش لقضاء عطلة خاصة يحمل، شاء البعض أم أبى، قيمة دعائية للوجهة المغربية. ولا أقصد هنا أن سائحاً واحداً، مهما كان منصبه، سيغير مؤشرات الاقتصاد، فهذا كلام لا يستقيم حسابياً، وإنما أتحدث عن قوة الصورة: مسؤولة بارزة تختار المغرب مرة أخرى، وخط جوي يعود إلى العمل، ومسافرون يتابعون التجربة، ومدينة مثل مراكش تؤكد من جديد قدرتها على جذب زوار من بيئات سياسية وثقافية متباينة.
ثم إن لريغيف نفسها صلة وجدانية بالمغرب بحكم أصول عائلتها المغربية، وقد سبق لها أن زارت المملكة، كما شاركت سنة 2023 في زيارة رسمية شهدت توقيع اتفاقات تعاون في مجال النقل، شملت موضوعات مرتبطة بالنقل البحري والسلامة الطرقية والاعتراف المتبادل برخص القيادة. وهذا يجعل عودتها الحالية، حتى وهي خاصة، امتداداً لمسار سابق من الاتصال وليس اكتشافاً مفاجئاً للمغرب.
وأنا، كمغربي، تهمني أيضاً زاوية أخرى لا ينبغي إغفالها: هناك في إسرائيل جالية واسعة ذات جذور مغربية، ولا يمكن محو قرون من التاريخ المشترك بجرة قلم سياسية. الذاكرة اليهودية المغربية جزء من تاريخ المغرب نفسه، من فاس إلى الصويرة، ومن تطوان إلى صفرو ومراكش والرباط والدار البيضاء. ومن الطبيعي أن تتحول رحلات الجذور والذاكرة العائلية والتراث إلى رافد سياحي واقتصادي، تماماً كما تستثمر دول كثيرة في سياحة الذاكرة والأنساب والثقافة.
لكنني في المقابل لا أقبل أن يصبح الحديث عن المكاسب السياحية والتجارية ذريعة لوضع المأساة الفلسطينية بين قوسين.
بالنسبة إلي، ليست هناك ضرورة للاختيار بين مصلحتين على طريقة: إما علاقة المغرب بإسرائيل وإما فلسطين. السياسة المغربية الرسمية نفسها ما تزال تعلن دعمها الصريح لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين. وقد جددت الرباط هذا الموقف رسمياً، بما في ذلك في بيانات حديثة تؤكد أن السلام المستدام يمر عبر قيام دولة فلسطينية تعيش إلى جانب إسرائيل في أمن وسلام.
وهنا أجد نفسي أقرب إلى الواقعية التي لا تفصل الاقتصاد عن المبادئ ولا تحول المبادئ إلى شعارات تمنع السياسة من الحركة. من حق المغرب أن يفتح خطوط الطيران، وأن يستقبل السياح من إسرائيل، وأن يطور المبادلات والاستثمارات والتكنولوجيا والنقل، ومن حقه أن يستفيد من أي فرصة قانونية تخدم نموه وتشغيل شبابه وتعزيز حضوره الدولي. وفي الوقت نفسه، من حق الفلسطيني أن يعيش حراً فوق أرضه، وأن تكون له دولة وسيادة وحدود ومؤسسات ومستقبل لأطفاله.
لا أرى أي تناقض أخلاقي حتمياً بين الأمرين.
بل قد يكون الإبقاء على قنوات الاتصال أكثر فائدة للقضية الفلسطينية من القطيعة المطلقة. فالبلد الذي يتحدث مع الجميع يستطيع، نظرياً على الأقل، أن ينقل المواقف ويشارك في الوساطات ويطرح المبادرات، بينما الطرف الذي يغلق جميع الأبواب على نفسه يحتفظ بخطاب مرتفع النبرة لكنه يفقد جزءاً من قدرته على التأثير.
ومع ذلك، ينبغي أيضاً ألا ننزلق إلى الجانب المقابل، فنصور كل اتصال دبلوماسي أو رحلة جوية على أنه «انتصار للسلام». السلام الحقيقي لن يصنعه خط مراكش–تل أبيب وحده، ولن تقيمه الفنادق الممتلئة ولا الاتفاقات التجارية، وإنما يحتاج قبل كل شيء إلى تسوية سياسية عادلة تنهي دوامة الحرب والاحتلال والعنف وتمنح الفلسطينيين حقهم في تقرير المصير والدولة.
ما يعجبني في النموذج المغربي حين يحافظ على توازنه هو هذه القدرة على السير فوق أرض مليئة بالتناقضات من دون الارتماء بالكامل في أحد الخندقين. المغرب يستطيع أن يقول للإسرائيلي: مرحبا بك سائحاً أو مستثمراً أو شريكاً في مشروع يخدم مصالحنا، وأن يقول في اللحظة نفسها: لا سلام نهائياً من دون حقوق سياسية كاملة للشعب الفلسطيني.
وعندما أرى ميري ريغيف تعود إلى مراكش في رحلة خاصة، فإنني أقرأ وراء صورتها شيئاً أكبر من إجازة وزيرة: أقرأ بلداً أصبح أكثر ثقة في جاذبيته، يفتح مطاراته أمام العالم، ويستعد لموعد 2030، ويوسع شبكات الربط والنقل، ويسعى إلى جعل السياحة إحدى قاطرات اقتصاده. والتوقعات الاقتصادية الرسمية نفسها تشير إلى استمرار دينامية خدمات السياحة والنقل خلال 2026، مدفوعة بنمو الطلب الدولي وتوسيع قدرات الاستقبال والمطارات والخدمات اللوجستية.
لكنني أقرأ خلف الطائرة أيضاً ظلاً فلسطينياً لا ينبغي أن يختفي من الصورة. فكل تقدم اقتصادي نصنعه لأنفسنا لا يفرض علينا أن نفقد حسنا بالعدالة، وكل انفتاح سياسي لا يعني أن نقدم شيكاً أبيض لأي حكومة إسرائيلية في قراراتها تجاه الفلسطينيين.
إن مصلحة المغرب، كما أفهمها، ليست في التطبيع العاطفي مع الصراعات ولا في القطيعة العاطفية مع المصالح، وإنما في سياسة مغربية مستقلة تقيس علاقاتها بميزان مصالحها الوطنية، وتحافظ في الآن نفسه على موقفها التاريخي من الحقوق الفلسطينية.
لهذا تبدو لي رحلة ميري ريغيف إلى المغرب أكبر قليلاً من إجازة، وأصغر كثيراً من أن تكون تحولاً جيوسياسياً بمفردها. إنها إشارة أخرى إلى أن جسوراً ظلت قائمة رغم العواصف، وإلى أن مراكش لا تزال قادرة على تحويل الاختلافات السياسية إلى حركة في المطارات والفنادق والأسواق.
أما الطريق الحقيقي نحو السلام، فسيظل ناقصاً مهما كثرت الرحلات، ما دام الفلسطيني لم يحصل بعد على تذكرة الوصول إلى دولته المستقلة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق