أعترف أنني حين قرأت أن كيلوغرام الموز بلغ في بعض أسواق وهران وضواحيها ألفي دينار جزائري، احتجت إلى لحظات حتى أستوعب الرقم. فالأمر لا يتعلق بفاكهة نادرة وصلت للتو من غابات الأمازون، ولا بمحصول فاخر يعرض في مزاد علني إلى جانب اللوحات والتحف، وإنما نتحدث، بكل بساطة، عن الموز؛ تلك الفاكهة الشعبية التي يضعها ملايين الناس عبر العالم في حقائب أطفالهم المدرسية أو يشترونها من أقرب متجر من دون أن يضطروا إلى مراجعة حساباتهم البنكية أولاً.
لكن الموز، كما يبدو، قرر في الجزائر أن يرتقي اجتماعياً.
فقد تحول خلال أيام من فاكهة متواضعة إلى ما يشبه سلعة فاخرة، بعدما تراوحت أسعاره، وفق المعطيات الواردة في النص الأصلي، بين 1200 و1500 دينار للكيلوغرام، قبل أن تظهر حالات بيع وصلت إلى ألفي دينار. وكان السعر قبل ذلك، خلال يوليو، في حدود 650 ديناراً، ثم ارتفع تدريجياً إلى 800 و850 ديناراً، وتجاوز لاحقاً حاجز الألف دينار.
بالنسبة إلي، لا تكمن أهمية هذه القصة في الموز ذاته. وإذا أردنا قليلاً من السخرية، فالموز بريء من كل ما يقع، ولم يطلب في يوم من الأيام أن يصبح مؤشراً اقتصادياً أو أن ينافس الذهب والدولار في نشرات الأسعار. لكن الطريقة التي ارتفع بها سعره تكشف مشكلة أعمق بكثير تتعلق بكيفية إدارة العرض والاستيراد والتوزيع والمنافسة.
القصة التي جرى تداولها تتحدث عن أحد التجار الذين ينشطون في تجارة ما يعرف محلياً بـ«الكابة»، أي نقل سلع بكميات محدودة من أوروبا نحو الجزائر عبر مسالك تجمع أحياناً بين الرسمي وغير الرسمي. هذا التاجر، المقيم بحسب الرواية في إسبانيا، أدخل كمية من الموز ثم تمكن من بيعها بسرعة كبيرة بسبب الندرة الشديدة التي تعرفها الأسواق.
وهنا يبدأ الجانب المثير في الحكاية.
فحين يصبح كيلوغرام الموز القادم من الضفة الأخرى للمتوسط قابلاً للبيع بألفي دينار بمجرد وصوله إلى وهران، فإننا لا نكون أمام معجزة تجارية، بل أمام سوق فقد شيئاً أساسياً يسمى التوازن بين العرض والطلب.
البائع لم يحتج إلى حملة إعلانية، ولا إلى مؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا إلى شعار تسويقي من قبيل «موزة الموسم». الندرة تكفلت بكل شيء.
فعندما يختفي منتج معتاد من السوق، أو تقل كمياته بشكل حاد، يتحول المستهلك نفسه إلى أفضل وكالة إشهار له.
وقد تبدو قصة ألفي دينار حالة استثنائية ناجمة عن المضاربة والسوق الموازية، ولذلك لا أتعامل معها باعتبارها سعراً رسمياً ثابتاً، لكن استمرار تداول الموز بأسعار مرتفعة للغاية لعدة أيام يجعل الظاهرة تستحق التوقف عندها. والنص نفسه يشدد على أن هذه الأسعار مرتبطة بسوق متوترة وليست أسعاراً مرجعية عادية.
المثير أكثر أن الموز ليس فاكهة هامشية عالمياً. إنه من أكثر الفواكه إنتاجاً واستهلاكاً، وتصفه الأسواق في بلدان كثيرة بأنه مادة غذائية عادية واسعة التداول.
وهنا تصبح المفارقة أوضح.
فوفق الأرقام التي يستند إليها النص، يظل استهلاك الفرد الجزائري من الموز منخفضاً مقارنة بعدد من دول المنطقة، إذ يتراوح بين نحو كيلوغرامين وأربعة كيلوغرامات سنوياً، مقابل أرقام أعلى في المغرب وتونس ومصر.
وأنا هنا لا أريد أن أحول عدد الموزات التي يأكلها المواطن إلى مؤشر رسمي للرخاء، وإلا اضطررنا مستقبلاً إلى تأسيس «وزارة للموز الاستراتيجي»، لكن المسألة تظل ذات دلالة؛ لأن توفر السلع الغذائية العادية بأسعار معقولة يعد أحد أبسط المعايير التي يشعر المواطن من خلالها بأداء الاقتصاد.
يمكن للحكومة أن تتحدث عن مليارات الدولارات، وعن احتياطات الطاقة، وعن التوازنات الكبرى، لكن المواطن يقيس الاقتصاد بطريقة أكثر واقعية: كم ثمن البطاطس؟ كم ثمن الزيت؟ وهل يستطيع شراء الفاكهة لأطفاله؟
ومن هنا يبدو الموز أحياناً أكثر بلاغة من خطابات الاقتصاد الكلي.
المشكلة، وفق التحليل الوارد في المادة الأصلية، ترتبط أساساً بسياسة تقليص الواردات وتحديد عدد المستوردين والحصص المخصصة لهم. فبعدما كان عدد المستوردين أكبر بكثير، أصبحت السوق خلال الفترة الأخيرة محصورة، بحسب النص، في عدد قليل من المتعاملين الحاصلين على حصص محدودة.
ومنطق السوق هنا بسيط إلى درجة أنه لا يحتاج إلى شهادة دكتوراه في الاقتصاد.
حين تقلل عدد المستوردين، وتحدد الكميات الداخلة، بينما يظل الطلب قائماً، فإنك تقلص العرض.
وحين يقل العرض أمام طلب مرتفع، ترتفع الأسعار.
وحين ترتفع الأسعار وتختفي السلعة من القنوات الرسمية، تظهر المضاربة.
وحين تظهر المضاربة، تدخل السوق الموازية إلى المسرح، مرتدية أجمل بدلة لديها.
إنها سلسلة معروفة، تبدأ بقرار إداري وتنتهي غالباً عند جيب المستهلك.
ثم هناك مشكلة أخرى تتعلق بطول سلسلة التوزيع. فالمستورد يبيع لتاجر الجملة، وتاجر الجملة يمرر السلعة إلى وسيط آخر، ثم تصل إلى بائع التجزئة، وكل حلقة تضيف تكاليفها وربحها وهامشها. وبعد جولة طويلة بين المخازن والشاحنات والوسطاء، قد تنظر الموزة إلى نفسها في المرآة فلا تتعرف إلى الثمن الذي بدأت به الرحلة.
النص الأصلي ينتقد أيضاً ضعف شبكات التوزيع الحديثة وقلة مراكز الشراء الكبرى وهيمنة جانب من التجارة غير الرسمية، ويرى في ذلك أحد الأسباب التي تجعل الأسعار أكثر عرضة للمضاربة والارتفاع.
أما فكرة إنتاج الموز محلياً لتعويض الواردات فتبدو، من الناحية النظرية، جذابة. من منا لا يحب شعار «ننتج ما نستهلك»؟
لكن الاقتصاد لا يعيش بالشعارات وحدها.
الموز محصول يحتاج إلى ظروف مناخية ومائية وطاقة قد تجعل إنتاجه في بلد غير استوائي أكثر تكلفة من استيراده من دول تملك ظروفاً طبيعية أفضل. والنص يطرح هذه المسألة بوضوح: ما الجدوى من إنتاج سلعة محلياً بأربعة أو خمسة أضعاف تكلفة استيرادها، إذا لم تكن مرتبطة بالأمن الاستراتيجي للدولة؟
وهنا أصل إلى نقطة أعتبرها مركزية: السيادة الاقتصادية لا تعني أن نغلق الحدود أمام كل سلعة، بل أن نعرف ماذا ننتج، وماذا نستورد، وماذا نصدر، وكيف نوازن بين الثلاثة.
هناك فرق كبير بين حماية الإنتاج الوطني وبين تحويل الحماية إلى حصار على المستهلك.
كما أن هناك فرقاً بين تنظيم الاستيراد وبين خنقه إلى درجة يصبح معها المنتج البسيط نادراً.
إذا منعت السوق الرسمية من تلبية الطلب، فلن يختفي الطلب بقرار إداري. سيبحث الناس عن السلعة في مكان آخر.
وهنا تزدهر السوق الموازية.
إنها قاعدة قديمة: الفراغ الاقتصادي لا يبقى فارغاً طويلاً.
والمفارقة أن الإجراءات المصممة لمحاربة الاستيراد العشوائي قد تمنح أحياناً أرباحاً استثنائية للتهريب والتجارة غير الرسمية. وكلما قل المنتج في المتاجر النظامية، ارتفعت قيمته في المسالك الموازية.
وهكذا نصل إلى نتيجة غريبة: التضييق على السوق قد يتحول، من حيث لا ندري، إلى أفضل هدية نقدمها للمضاربين.
وتنتقد المادة الأصلية بوضوح نموذج إدارة الاقتصاد عبر القيود والحصص والمنع، معتبرة أنه يؤدي إلى تقليص العرض وتقوية الاحتكارات وإضعاف المنافسة ودفع جزء أكبر من المبادلات نحو السوق غير الرسمية.
وبالنسبة إلي، فإن الحل لا يعني بالضرورة فتح أبواب الاستيراد بلا ضوابط، كما لا يعني إلغاء دور الدولة. المطلوب هو شيء أكثر ذكاء: قواعد شفافة، وعدد كاف من المستوردين، ومنافسة فعلية، ومراقبة واضحة للأسعار وهوامش الربح، وتطوير شبكة التوزيع، وتشجيع الإنتاج المحلي عندما يكون مجدياً اقتصادياً.
فالدولة القوية ليست الدولة التي تمنع كل شيء، بل الدولة التي تنظم السوق بحيث لا يستطيع مستورد واحد أو خمسة مستوردين التحكم في مادة يستهلكها ملايين الناس.
ولا أجد تفسيراً اقتصادياً مقنعاً لأن يصبح سعر فاكهة عادية مرآة لأزمة في السياسة التجارية.
يمكن للجزائر، وهي بلد يملك موارد نفطية وغازية ضخمة، أن تمول حاجاتها الغذائية ضمن سياسة تجارية عقلانية، وأن تطور في الوقت نفسه صادراتها خارج قطاع المحروقات، بدلاً من تحويل الحفاظ على العملة الصعبة إلى معادلة يدفع ثمنها المواطن في تفاصيل مائدته اليومية.
ويشير النص إلى أن فاتورة استيراد الموز تبقى محدودة قياساً بإجمالي الواردات الغذائية، ولذلك يرى صاحبه أن تقليصها بصورة حادة لا يقدم للاقتصاد فائدة توازي الأضرار الناتجة عن الندرة وارتفاع الأسعار.
في نهاية المطاف، قد يبدو الحديث عن الموز طريفاً، لكنه ليس تافهاً.
فالاقتصادات لا تنهار بسبب موزة، لكنها قد تكشف أمراضها من خلال موزة.
وحين تصل فاكهة شعبية إلى سعر يجعل المواطن يحسب ثمن الكيلوغرام بالدولار، فالسؤال لا يعود: لماذا ارتفع سعر الموز؟
السؤال الحقيقي يصبح: ما الذي حدث للسوق حتى أصبح الموز خبراً اقتصادياً وسياسياً؟
ربما هذا هو أكثر ما يثير السخرية في الحكاية.
فالجزائر التي تعد من كبار منتجي الغاز، والتي تتحدث عن مشاريع ضخمة وموازنات بمليارات الدولارات، تجد نفسها فجأة أمام جدل وطني حول فاكهة صفراء.
وإذا استمرت الأسعار بهذه الوتيرة، أخشى فقط أن يأتي يوم يصبح فيه تقديم طبق من الموز للضيوف دليلاً على الثراء، وأن نسمع في حفلات الزواج من يهمس بإعجاب:
«انظروا… لقد وضعوا الموز أيضاً على المائدة!»
وعندها لن تكون المشكلة في الموز بالتأكيد، بل في الاقتصاد الذي سمح لفاكهة بسيطة بأن تتحول إلى نكتة ثقيلة يدفع المواطن ثمنها من جيبه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق