لا أستطيع أن أقرأ خبر تصنيف المغرب ثالث أكبر موطن للمليونيرات في إفريقيا كما لو كنت أقرأ خبرًا عاديًا في صفحة الاقتصاد. الرقم، في ظاهره، يلمع مثل وسام على صدر البلاد: 8300 مليونير، ومغرب يتقدم على دول إفريقية كبيرة، ومدن مغربية تتحول إلى فضاءات جاذبة لرأس المال والثروة والاستثمار. لكنني، وأنا أقرأ هذا الرقم، لا أسمع رنين الذهب فقط، بل أسمع أيضًا أنين جيوب فارغة، وقلق أسر تتدبر قوتها اليومي، وشبابًا يطاردون وظيفة كما لو كانوا يطاردون سرابًا في صحراء طويلة.
أي مغرب هذا الذي يصعد في سلم المليونيرات، بينما ينزل فيه ملايين المواطنين إلى قاع القلق الاجتماعي؟ أي معنى لهذا الثراء إذا كان المواطن البسيط لا يشعر منه إلا بارتفاع ثمن السكن، واشتعال الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، وانكماش الحلم في بيت صغير وراتب مستقر وعلاج كريم وتعليم محترم؟
لا أكتب هنا ضد الثروة. لست من الذين يكرهون الأغنياء لأنهم أغنياء، ولا أومن بخطاب الحقد الطبقي الذي يوزع الاتهامات على كل من نجح في التجارة أو المقاولة أو الاستثمار. المغرب يحتاج إلى مستثمرين، ويحتاج إلى شركات قوية، ويحتاج إلى رأسمال وطني قادر على الإنتاج والتشغيل والمنافسة. لكنني أكتب ضد ذلك النموذج الذي يسمح للثروة بأن تكبر في الأعلى، بينما تظل الفرص ضيقة في الأسفل. أكتب ضد اقتصاد ينتج مليونيرات أكثر مما ينتج عدالة. أكتب ضد وطن يتحول فيه النجاح إلى برج زجاجي عالٍ، يراه الفقراء من بعيد ولا يجدون إليه سلّمًا.
حين يقال لي إن المغرب يضم 8300 مليونير، أسأل فورًا: كم أسرة مغربية خرجت من الهشاشة؟ كم شابًا وجد عملًا كريمًا؟ كم طفلًا فقيرًا استطاع أن يعبر من مدرسة عمومية منهكة إلى مستقبل مفتوح؟ كم قرية تحررت من العزلة؟ كم مستشفى عمومي صار يحفظ كرامة المريض لا يضاعف ألمه؟ كم عاملًا ارتفع أجره بما يناسب نار الأسعار؟ كم مقاول صغير خرج من دوامة الضرائب والديون والبيروقراطية إلى فضاء النمو الحقيقي؟
هذه هي الأسئلة التي لا تطرحها تقارير الثروة عادة. التقارير تحصي المليونيرات، لكنها لا تحصي دمعة رب أسرة يقف أمام جزار ثم يغادر لأن ثمن اللحم أكبر من قدرته. لا تحصي حيرة أمّ أمام فاتورة الدواء. لا تحصي طالبًا يدرس وهو يعرف أن شهادته قد لا تفتح له إلا باب الانتظار. لا تحصي متقاعدًا قضى عمره في العمل ثم اكتشف أن معاشه أضعف من موجة الغلاء.
إن ارتفاع عدد المليونيرات قد يكون علامة على حيوية اقتصادية معينة، نعم. لكنه ليس وحده دليل صحة وطنية. قد يكون البلد غنيًا في واجهاته وفقيرًا في أعماقه. قد تكون المدن الكبرى مزينة بالمقاهي الفاخرة والسيارات اللامعة والمشاريع العقارية الضخمة، بينما في الخلفية نفسها تتكدس أحياء مهمشة، وشقق ضيقة، وأسر تعيش على حافة الشهر، وعمال لا يستطيعون الادخار ولو درهمًا واحدًا.
هنا يكمن التناقض المغربي الكبير: نحن بلد يملك مؤهلات هائلة، لكنه لم يحسم بعد سؤال العدالة في توزيع الفرص. بلد يبني موانئ وطرقًا وملاعب ومناطق صناعية، لكنه لم ينجح بالقدر الكافي في بناء الطمأنينة داخل البيت المغربي العادي. بلد يتقدم في بعض المؤشرات، لكنه يترك مواطنًا واسعًا يشعر أن التقدم يمر فوق رأسه ولا يدخل إلى مائدته.
ليست المشكلة أن يكون في المغرب مليونيرات. المشكلة أن يصبح الوصول إلى الثراء امتيازًا مغلقًا داخل شبكات محدودة، بينما يظل المواطن العادي محاصرًا بين ضعف الأجر وغلاء المعيشة ورداءة الخدمات. المشكلة أن يشعر الناس بأن اللعبة الاقتصادية لا تبدأ من خط واحد، وأن هناك من يولد وفي يده مفاتيح المصعد، وهناك من يولد أمام درج طويل مكسور.
الثروة لا تزعجني حين تكون ثمرة كفاءة ومخاطرة وابتكار وعمل. لكنها تصبح جرحًا أخلاقيًا حين تتحول إلى احتكار وريع وامتيازات وقرب من مراكز القرار. والثروة لا تخيفني حين تخلق الشغل وتدفع الضرائب وتوسع الإنتاج، لكنها تستفزني حين تتكدس في العقارات الفاخرة والمضاربات والاستهلاك الاستعراضي، بينما يحتاج الاقتصاد الحقيقي إلى مصانع ومختبرات وشركات ناشئة ومقاولات صغرى ومتوسطة قوية.
أريد مغربًا يصنع الأغنياء، لكنني أريده قبل ذلك أن يصنع الأمل. أريد مغربًا لا يعاقب الناجحين، لكنه لا يترك الضعفاء وحدهم في مواجهة السوق. أريد مغربًا تكون فيه الثروة الخاصة جزءًا من مشروع وطني، لا جزيرة منعزلة فوق بحر من القلق الاجتماعي. أريد أن أرى رجل الأعمال ناجحًا، لكنني أريد أيضًا أن أرى العامل الذي يشتغل عنده قادرًا على العيش بكرامة. أريد أن أرى المستثمر يربح، لكنني أريد أن أرى الدولة تربح معه ضرائب عادلة وخدمات عمومية أقوى. أريد أن أرى المدن تكبر، لكنني لا أريد أن يكبر معها الإحساس بالظلم.
فما قيمة أن نصبح ثالث موطن للمليونيرات في إفريقيا إذا كان الحلم المغربي نفسه يصبح أكثر كلفة؟ ما قيمة أن يتضاعف عدد أصحاب الملايين إذا كانت الطبقة الوسطى تخاف السقوط أكثر مما تطمح إلى الصعود؟ ما قيمة أن نحتفي بالمليونير الجديد إذا كان الشاب المغربي لا يرى أمامه إلا الهجرة أو البطالة أو العمل الهش؟ ما قيمة الاقتصاد إذا لم يتحول إلى كرامة يومية؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس الفقر وحده، بل الإحساس بأن الثروة موجودة ولكنها لا تصل. أن يرى المواطن الثراء حوله ولا يجد له نصيبًا من الفرصة. أن يرى العمارات ترتفع ولا يستطيع أن يشتري غرفة. أن يرى السيارات الفارهة تمر أمامه بينما يحسب ثمن النقل. أن يسمع عن ملايين الدولارات بينما يفكر في ثمن قنينة الزيت وكيلو الطماطم ودواء الضغط والسكري.
لهذا أرى أن الرقم، 8300 مليونير، لا ينبغي أن يكون مناسبة للتصفيق فقط، بل مناسبة للمساءلة. ينبغي أن نسأل عن مصدر الثروة، وعن مساراتها، وعن أثرها الاجتماعي، وعن علاقتها بالتشغيل والإنتاج والضرائب والاستثمار في الإنسان. ينبغي أن نسأل هل نحن أمام اقتصاد يوسع قاعدة الازدهار، أم أمام اقتصاد يركز الثروة في أيدٍ محدودة ويترك الباقي ينتظر الفتات؟
لا أريد خطابًا شعبويًا يهاجم الأغنياء كي يصفق الفقراء. هذا خطاب رخيص وسهل وخطير. أريد خطابًا وطنيًا جادًا يقول للأغنياء: ثروتكم مرحب بها حين تكون جزءًا من بناء البلاد. ويقول للدولة: مسؤوليتك ليست صناعة الواجهات اللامعة فقط، بل بناء العدالة الاجتماعية. ويقول للمجتمع: لا مستقبل لوطن يشعر فيه جزء صغير أنه يملك كل شيء، بينما يشعر الجزء الأكبر أنه يدفع ثمن كل شيء.
المغرب لا يحتاج إلى حرب بين الفقراء والأغنياء. يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد بين الثروة والكرامة. يحتاج إلى اقتصاد لا يفتخر فقط بمن بلغوا المليون دولار، بل بمن خرجوا من الفقر، وبمن صعدوا إلى الطبقة الوسطى، وبمن وجدوا تعليمًا جيدًا، وبمن تلقوا علاجًا محترمًا، وبمن امتلكوا فرصة حقيقية لا منحة عابرة.
سأفرح يوم يقال إن المغرب صار يضم عشرين ألف مليونير، بشرط أن يقال في الوقت نفسه إن الفوارق الاجتماعية تقلصت، وإن المدرسة العمومية استعادت قوتها، وإن المستشفى العمومي صار يحفظ الإنسان، وإن الأجر صار يكفي، وإن الشاب المغربي صار يرى مستقبله داخل وطنه لا خارجه.
أما أن نقول إن لدينا 8300 مليونير، بينما ملايين المغاربة يطاردون لقمة العيش، فذلك ليس خبرًا اقتصاديًا فقط، بل سؤال أخلاقي وسياسي واجتماعي كبير: أي مغرب نصنع؟ مغرب الثروة المشتركة أم مغرب الجزر الفاخرة وسط بحر من التعب؟
الجواب لن تمنحه التقارير الدولية. الجواب ستكتبه السياسات العمومية، والعدالة الضريبية، وجودة التعليم، وكرامة العمل، ونزاهة الفرص. عندها فقط يصبح عدد المليونيرات دليل قوة لا دليل اختلال. وعندها فقط نستطيع أن نقول إن المغرب لا يصعد في ترتيب الأثرياء فحسب، بل يصعد أيضًا في سلم العدالة والكرامة والإنصاف.








0 التعليقات:
إرسال تعليق