قبل قرابة أربعة عقود، بدت عبارة «عصر التواصل والمعرفة» وكأنها الاسم الأكثر دقة لمرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية، مرحلة بدأت فيها الحواسيب الشخصية تنتشر، ثم جاءت شبكة الإنترنت لتغير طبيعة الاتصال، وتعيد رسم الحدود بين الأفراد والمجتمعات والدول، وتجعل المعلومة تنتقل في ثوان قليلة من أقصى العالم إلى أقصاه. يومها كان التفاؤل كبيراً، وكانت الفكرة السائدة تقول إن البشرية تدخل عصراً تصبح فيه المعرفة متاحة للجميع، وتنكمش فيه المسافات، وتتراجع فيه احتكارات الإعلام والمعلومة، ويتحول العالم بالفعل إلى قرية كونية مترابطة.
لكنني أعتقد أن هذه التسمية، على وجاهتها
التاريخية، لم تعد كافية لوصف ما نعيشه اليوم. فنحن لم نغادر عصر التواصل والمعرفة
بشكل كامل، لكننا تجاوزناه إلى مرحلة أكثر تعقيداً، مرحلة أصبحت فيها الخوارزميات
والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة هي القوة التي تعيد تشكيل علاقتنا بالمعلومة
وبالواقع نفسه.
في المرحلة الأولى من الثورة الرقمية كان السؤال
الأساسي هو: كيف نصل إلى المعرفة؟ كانت المعلومة نادرة نسبياً، وكان الوصول إليها
يحتاج إلى مكتبات أو جامعات أو مؤسسات إعلامية أو خبراء متخصصين. ثم جاءت الإنترنت
ففتحت الأبواب على مصاريعها، وأصبح الإنسان يستطيع أن يصل إلى ملايين الصفحات
والمصادر من منزله وفي ثوان معدودة. لذلك كان من الطبيعي أن نتحدث آنذاك عن «مجتمع
المعلومات» و«مجتمع المعرفة».
أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة. لم تعد مشكلتنا
ندرة المعلومة، بل فائضها الهائل. نحن نغرق يومياً في الأخبار والصور والمقالات
والفيديوهات والتعليقات والبيانات، وأصبح التحدي الحقيقي لا يكمن في العثور على
المعلومة، بل في التمييز بين الصحيح والزائف، وبين المعرفة والدعاية، وبين الحقيقة
والمحتوى المصنوع لإثارة الانفعال أو التأثير في الرأي العام.
ومن هنا ظهر طرف جديد في علاقتنا بالعالم:
الخوارزمية. لم نعد نحن من يختار كل ما نراه ونقرأه، بل أصبحت المنصات تقترح علينا
الأخبار، وترتب لنا المنشورات، وتحدد الفيديو التالي الذي سنشاهده، وتقترح
الموسيقى والكتب والسلع وحتى الأشخاص الذين قد نتعرف إليهم. وفي كثير من الأحيان،
لا نعرف لماذا ظهر أمامنا هذا المحتوى تحديداً ولا لماذا اختفى محتوى آخر.
إن هذا التحول عميق جداً، لأنه يعني أن الإنسان لم
يعد يتعامل مباشرة مع فضاء المعرفة، بل صار يتعامل معه عبر وسيط خوارزمي ينتقي
ويرتب ويرشح ويستبعد. وهكذا انتقلنا تدريجياً من عصر كان فيه الإنسان يبحث عن
المعلومة إلى عصر أصبحت فيه المعلومة نفسها تبحث عن الإنسان.
ثم جاءت الثورة الأخيرة في الذكاء الاصطناعي
التوليدي لتدفع هذا التحول إلى مستوى أبعد. فالآلة لم تعد تكتفي بتخزين المعرفة أو
تصنيفها أو اقتراحها، بل أصبحت تنتج النصوص والصور والموسيقى والفيديوهات
والبرامج، وتلخص الكتب، وتحلل الوثائق، وتقترح الأفكار، وتشارك الإنسان في عمليات
كانت إلى وقت قريب حكراً على الذهن البشري.
لهذا لا أعتقد أن عبارة «عصر التواصل والمعرفة»
تكفي اليوم. نحن نعيش ما يمكن تسميته «عصر الوساطة الخوارزمية»، أي العصر الذي
أصبحت فيه الخوارزمية وسيطاً دائماً بين الإنسان والعالم. إنها تتدخل في ما نقرأه،
وما نشاهده، وما نشتريه، وما نسمعه، وما نبحث عنه، بل وأحياناً في الطريقة التي
نفكر بها ونصوغ بها أسئلتنا.
وقد يكون من الممكن النظر إلى التحول الرقمي الحديث
باعتباره سلسلة من المراحل المتداخلة. بدأت الإنسانية بعصر المعلومات، حيث كان
التركيز على رقمنة المعرفة وتخزينها، ثم انتقلت إلى عصر التواصل الذي جعل الشبكات
الاجتماعية والاتصال الفوري جزءاً من الحياة اليومية، ثم دخلت عصر الخوارزميات حيث
أصبحت أنظمة التوصية والتصنيف تتحكم في تدفق المحتوى، ونحن الآن ندخل مرحلة الذكاء
التوليدي التي أصبحت فيها الآلة نفسها طرفاً في إنتاج المعرفة.
غير أنني أرى أن هناك تسمية أكثر عمقاً من كل هذه
التسميات: «عصر الصراع على المعنى». فالمشكلة الكبرى اليوم لم تعد في امتلاك
المعلومة فقط، بل في امتلاك القدرة على تفسيرها. من يحدد لنا ما هو مهم؟ من يقرر
ما الذي ينبغي أن نراه أولاً؟ من يصنع الأولويات؟ ومن يمنح الأحداث معناها؟
لقد أصبحنا نعيش في زمن تتنافس فيه الدول والمؤسسات
الإعلامية والشركات التكنولوجية والمؤثرون والخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي
على شيء واحد: تشكيل إدراك الإنسان للعالم.
وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات عصرنا. فنحن أكثر
اتصالاً من أي جيل سابق، لكننا لسنا بالضرورة أكثر تفاهماً. نحن نمتلك معلومات
أكثر من أي وقت مضى، لكننا لسنا بالضرورة أكثر معرفة. لدينا آلاف الأصدقاء
والمتابعين الافتراضيين، ومع ذلك قد يتزايد الشعور بالعزلة. نستطيع الوصول إلى أي
معلومة تقريباً، لكن الوصول السريع لا يعني دائماً الفهم العميق.
بل إن وفرة المحتوى قد تتحول أحياناً إلى عائق أمام
التفكير. فالإنسان الذي ينتقل كل دقيقة من منشور إلى فيديو ومن خبر إلى إشعار ومن
تعليق إلى صورة قد يستهلك كماً هائلاً من المعلومات من دون أن يمنح نفسه الوقت
الكافي لتحليلها أو نقدها أو ربطها بسياقها.
ولهذا أصبح الانتباه نفسه مورداً اقتصادياً
وسياسياً وثقافياً. الشركات الرقمية تتنافس على دقائق المستخدم وساعاته، وكل منصة
تحاول أن تجعله يبقى أطول وقت ممكن أمام الشاشة. وهكذا لم تعد السوق الرقمية تبيع
فقط منتجات وخدمات، بل أصبحت تتنافس على الزمن الذهني للإنسان.
إن ما تغير خلال العقود الأربعة الماضية ليس حجم
التكنولوجيا فقط، بل موقعها في حياتنا. ففي الثمانينيات والتسعينيات كانت
التكنولوجيا أداة يستخدمها الإنسان لإنجاز بعض المهام، أما اليوم فهي بيئة كاملة
يعيش داخلها جزءاً متزايداً من حياته. الهاتف الذكي ليس مجرد جهاز اتصال، بل أصبح
نافذة للعمل والأخبار والعلاقات والتجارة والترفيه والتعليم والذاكرة الشخصية.
ويبدو أن الذكاء الاصطناعي سيدفع هذا التحول إلى
مستوى أكثر عمقاً، لأننا قد ننتقل من استخدام الأدوات الرقمية إلى تفويض جزء من
قراراتنا إليها. وقد يصبح المساعد الذكي مستشاراً في القراءة والكتابة والعمل
والتعلم والسفر والاستهلاك، وربما في قرارات أكثر حساسية مستقبلاً.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي الذي سيواجه الإنسانية في
السنوات والعقود المقبلة: ما الذي ينبغي أن يظل من اختصاص الإنسان؟
إن القضية ليست في رفض الذكاء الاصطناعي أو مقاومة
التقدم التكنولوجي، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً وغير عقلاني، بل في تحديد الحدود
التي تضمن أن تبقى التكنولوجيا أداة توسع قدرة الإنسان ولا تتحول إلى بديل عن حكمه
النقدي.
ولهذا أعتقد أن مفهوم «السيادة الدلالية» سيصبح من
المفاهيم الأساسية في المستقبل. والمقصود به قدرة الإنسان على الاحتفاظ بحقه في
فحص المعاني التي تقترحها عليه الخوارزميات، وعدم قبولها بصورة آلية، والاحتفاظ
بالقدرة على التأويل والشك والمقارنة واتخاذ القرار.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلات أذكى، بل
في أن يتوقف الإنسان عن ممارسة ذكائه النقدي.
لقد كانت معركة القرن الماضي مرتبطة إلى حد كبير
بحرية الوصول إلى المعلومات، أما معركة المرحلة المقبلة فقد تكون حول حرية الإنسان
في تفسير المعلومات وعدم الخضوع الكامل للوساطة الخوارزمية.
ومن هنا يمكن القول إن «عصر التواصل والمعرفة» لم
ينته تماماً، بل تحول إلى طبقة أساسية داخل عصر أوسع. فكما لم يلغ العصر الصناعي
الزراعة، ولم يلغ العصر الرقمي الصناعة، فإن عصر الذكاء الاصطناعي لن يلغي التواصل
والمعرفة، لكنه سيعيد تعريفهما.
ونحن اليوم نقف في نقطة انتقال تاريخية شبيهة بتلك
التي أحدثتها الطباعة أو الثورة الصناعية أو ظهور الإنترنت، غير أن التحول الحالي
أكثر حساسية لأنه لا يتعلق فقط بما ننتجه أو بكيفية تواصلنا، بل بكيفية التفكير
نفسها.
ولهذا يمكنني تلخيص التحول الذي عرفته البشرية خلال
العقود الأربعة الأخيرة في عبارة واحدة: لقد انتقلنا من عصر كان الإنسان فيه يبحث
عن المعرفة عبر الشبكة، إلى عصر أصبحت فيه الخوارزمية تقف بينه وبين المعرفة،
وتشارك في اختيارها وصياغتها وتفسيرها.
ومن ثم فإن السؤال الحاسم في القرن الحادي والعشرين
لن يكون: هل يستطيع الإنسان الوصول إلى المعرفة؟ فهذا السؤال حُسم إلى حد بعيد.
السؤال الأكثر خطورة هو: هل سيظل الإنسان قادراً على الاحتفاظ بحقه في الحكم على
هذه المعرفة، وفي رفضها أو نقدها أو إعادة تفسيرها؟
إنها، في النهاية، ليست معركة بين الإنسان والآلة،
وإنما معركة الإنسان من أجل ألا يتخلى طوعاً عن أثمن ما يمتلكه: حريته في التفكير،
وسيادته على المعنى.








0 التعليقات:
إرسال تعليق