الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 23، 2026

إصدارات جديدة تعيد الرواية والفكر والترجمة إلى واجهة المشهد الثقافي : عبده حقي


تتحرك المطابع العربية هذه الأيام بإيقاع لافت، وكأن خريف 2026 قرر أن يعيد الكتاب إلى قلب المشهد الثقافي بعد موسم طويل تتنازع فيه الثقافةَ المنصات الرقمية والفيديوهات القصيرة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي واقتصاد الانتباه. جولة في الإصدارات الجديدة التي وصلت خلال الأسابيع والأيام الأخيرة إلى المكتبات ومعارض الكتب تكشف أن الكتاب العربي لا يزال قادرًا على مفاجأتنا بتنوع أسئلته، وأن دور النشر، من بيروت والقاهرة إلى عمّان وأربيل وأبوظبي ودمشق، ما زالت تراهن على الرواية والفكر والتاريخ والنقد والترجمة، بل بدأت تقترب أكثر فأكثر من القضايا التي تشغل الإنسان المعاصر: الهوية، والمنفى، والاستبداد، والذاكرة، والتحولات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وعلاقة الحقيقة بزحف المعلومات والخوارزميات.

من أحدث الكتب التي استوقفتني كتاب «غنّيلي شوي شوي – في الغناء والسياسة والمجتمع» للكاتب السوري عمر قدور، الصادر عن دار رياض الريس. لا يتعامل المؤلف مع تاريخ الغناء العربي باعتباره حكاية ألحان وأصوات جميلة فقط، بل يضع الأغنية داخل تاريخ اجتماعي وسياسي معقد، ويتخذ من أم كلثوم وشبكة الملحنين والشعراء والفنانين المحيطة بها طريقًا لإعادة قراءة صناعة النجومية والذائقة العربية الحديثة. ومن أم كلثوم إلى أسمهان وليلى مراد وعبد الحليم حافظ وفيروز والقدود الحلبية، تتحول الموسيقى إلى مرآة للمجتمع، ويصبح تاريخ الأغنية تاريخًا موازيًا لتحولات السياسة والمدينة والطبقات والسينما والإذاعة. وهذه المقاربة هي التي تمنح الكتاب أهميته: إنه لا يسأل فقط ماذا غنى العرب، وإنما كيف صنعت السياسة والاقتصاد والمؤسسات الثقافية الطريقة التي استمعوا بها إلى الغناء ومن رفعوه إلى مرتبة الأسطورة.

ومن عالم الموسيقى إلى سؤال الاختلاف الاجتماعي تأتي رواية «كائن غير سوي» لطاهر النور، التي تتخذ من شخصية عسكري متقاعد يجد في الكتابة متنفسًا لمواجهة العالم مدخلًا لمساءلة معنى «السوي» و«غير السوي». فالمشكلة، كما توحي الرواية، قد لا تكمن دائمًا في الفرد المختلف بقدر ما تكمن في المجتمع الذي يتولى توزيع شهادات القبول والرفض، ويقرر من يحق له أن ينتمي ومن ينبغي أن يظل على الهامش. والسخرية هنا ليست مجرد تقنية أسلوبية، بل تتحول إلى أداة لكشف النفاق الاجتماعي والتناقض الأخلاقي والفساد، وإلى طريقة تجعل القارئ يعيد النظر في المسلمات التي تحكم علاقته بالآخر المختلف عنه.

ويبدو أن سؤال الهوية لا يغيب أيضًا عن الإصدارات الفكرية الجديدة. ففي «متاهات التأويل: قراءات في العلمنة والتدين والهوية» يفتح غسان الكشوري مساحة لحوار فكري متعدد الأصوات حول ثلاث قضايا تكاد تكون من أكثر القضايا حساسية في الثقافة العربية الحديثة: الدين، والعلمانية، والهوية. أهمية هذا النوع من الكتب أنه يحاول تخليص النقاش من الثنائية السهلة التي تختصر المجال في مواجهة نهائية بين متدين وعلماني، أو بين أصالة وحداثة، ليعيد الاعتبار إلى السياقات وإلى التاريخ وإلى اختلاف التجارب. فالهوية ليست كتلة جامدة، والدين لا يعمل في فراغ اجتماعي، والعلمانية ليست نموذجًا واحدًا يمكن نسخه من مجتمع إلى آخر. إنها أسئلة تحتاج إلى الحوار أكثر مما تحتاج إلى الشعارات، وإلى التأويل أكثر مما تحتاج إلى الأحكام القطعية.

ويحضر سؤال الدولة والمواطنة بقوة في كتاب عبد السلام المغراوي «ليبرالية بلا ديمقراطية – القومية والمواطنة في مصر (1922–1936)». فالمرحلة التي يتناولها الكتاب من أكثر مراحل التاريخ المصري الحديث خصوبة وتعقيدًا، لأنها شهدت بناء المؤسسات الدستورية الحديثة بالتوازي مع صراعات الهوية والاستقلال والعلاقة بالنموذج الأوروبي. والكتاب، كما يبدو من بنيته، لا يكتفي بتاريخ المؤسسات السياسية، بل يستدعي الصحافة والأدب والكاريكاتير بوصفها وثائق تساعد على فهم كيف كانت الثقافة نفسها تشارك في إنتاج مفهوم المواطن والدولة والآخر. وهو ما يجعل سؤال الكتاب يتجاوز مصر في تلك الحقبة إلى واقع عربي أوسع: هل يمكن أن توجد ليبرالية سياسية وثقافية حقيقية من دون ديمقراطية ومواطنة متساوية؟

أما كتاب «ملكات النفس – في تفقد الذات والمسؤولية الأخلاقية» للقمان زعيبط فيسير في اتجاه آخر، لكنه يظل قريبًا من سؤال الإنسان المعاصر. إنه يربط المعرفة بالمسؤولية، ويقترح التفكير في الخرائط التي نحملها داخل رؤوسنا قبل أن ننظر إلى خرائط العالم الخارجية. فالثقافة والتربية والخطابات الموروثة تصنع في داخل الإنسان تمثيلات للذات وللآخر، وقد تتحول هذه التمثيلات إلى أحكام مسبقة لا نشعر بها. لذلك فإن المعرفة، في الرؤية التي يعرضها الكتاب، ليست امتلاكًا للمعلومات بقدر ما هي ممارسة أخلاقية تستدعي مساءلة ما نعتقد أننا نعرفه.

الرواية الفلسطينية والعربية المرتبطة بالمنفى والذاكرة حاضرة بدورها في المشهد الجديد. فقد صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر رواية «خارج السرب» للكاتب والصحافي الفلسطيني الأميركي نظام المهداوي، وهي تفتح ذاكرة المنفى على أسئلة الهوية والفقد والأبوة والصحافة والبحث عن بيت لا تقتلع جذوره الحرب مرة أخرى. صدرت الرواية في أكتوبر 2026، في لحظة عربية أصبحت فيها كلمة «المنفى» أبعد من أن تكون مفهومًا أدبيًا مجردًا؛ إنها تجربة يومية يعيشها الملايين، ولهذا تبدو الروايات التي تقترب منها اليوم كأنها تكتب سيرة عصر عربي كامل لا سيرة شخصيات منفردة فحسب.

وتتعمق هذه الثيمة في رواية «ابحثي عمّا ليس هناك» للكاتبة والمترجمة لمى سخنيني، الصادرة عن دار العائدون للنشر والتوزيع في عمّان. بطلتها «سلام» تحمل تجربة المخيم الفلسطيني وآثار العنف العائلي والاجتماعي في الوقت نفسه، فيما تتقاطع داخل النص المقاومة الفلسطينية والذاكرة الشخصية والروحانية والخيال. اللافت أن الرواية لا تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها خلفية سياسية بعيدة، وإنما تدخلها في جسد الفرد وفي أسرته وعلاقاته ومخاوفه، بحيث يصبح تحرير الذات جزءًا من سؤال التحرر الأوسع.

ومن أبرز ما وصل إلى العربية أيضًا طبعة عربية جديدة من رواية «الرحلة الوسطى» للكاتب الأميركي تشارلز جونسون، بترجمة أسامة إسبر، صادرة عن دار قرطاس في أربيل بالتعاون في التوزيع مع دار الرافدين. وهذه الرواية، الحائزة جائزة الكتاب الوطنية الأميركية، تستعيد تاريخ تجارة الرقيق عبر الأطلسي من خلال رحلة بحرية تتحول إلى مختبر فلسفي للحرية والعبودية والهوية ومسؤولية الإنسان. ويبدو اختيار ترجمة هذا العمل اليوم بالغ الدلالة، لأن سؤال العبودية لم يبق حبيس التاريخ؛ فقد تغيرت أشكال السيطرة والاستغلال، لكن نقاش الكرامة والحرية والعنصرية والسلطة لا يزال شديد الحضور في العالم المعاصر.

وهناك أيضًا حضور متزايد للكتب التي تحاول فهم عالم المعلومات المتفجر الذي نعيش فيه. كتاب عالم الاجتماع الفرنسي جيرالد برونير «الأبوكاليبس المعرفي» يقارب واحدة من أخطر ظواهر العصر الرقمي: لم تعد المشكلة ندرة المعلومات، بل فيضها. لقد أصبح الإنسان محاطًا بكمية غير مسبوقة من المعطيات والأخبار والصور والتفسيرات، ومع ذلك قد يصبح أكثر عرضة للأوهام والمعلومات الزائفة وفقاعات التأكيد. إن وفرة المعرفة لا تؤدي تلقائيًا إلى مجتمع أكثر عقلانية، بل قد تنتهي، في غياب التربية النقدية، إلى نتيجة معاكسة تمامًا. ويقترح الكتاب تعزيز التفكير النقدي والتربية العلمية وتحميل المنصات الرقمية جزءًا من مسؤوليتها عن البيئة المعرفية الجديدة.

ويقترب من هذا الأفق كتاب «الأدب المقارن بين القواعد التقليدية ورهانات الذكاء الاصطناعي» لأنور عبد الحميد الموسى. أهمية ظهوره لا تتعلق بعنوانه التكنولوجي فحسب، بل بما يكشفه من تحوّل بدأ يصل فعليًا إلى الدراسات الإنسانية العربية. لقد دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة لم يعد فيها مجرد موضوع للروايات المستقبلية، وإنما أصبح أداة للقراءة والتحليل والترجمة والمقارنة وإنتاج النصوص. والسؤال الذي يطرحه الكتاب هو السؤال الذي سيزداد إلحاحًا خلال السنوات المقبلة: ما الذي يحدث للنقد الأدبي عندما تدخل الخوارزمية مختبر الناقد؟ وهل يمكن للآلة أن تقارن بين النصوص من دون أن تختزل الأدب إلى أنماط إحصائية؟ العمل، بحسب عرضه، يحاول الدفاع عن مقاربة توازن بين الأدوات التكنولوجية والحس الجمالي والنقدي البشري.

أما في مجال التربية، فقد أعلنت «إصدارات ترشيد التربوية» في 20 أكتوبر عن الترجمة العربية لكتاب رون ريتشارت «بناء ثقافات التفكير: القوى الثمانية لتحقيق تحول عميق في مدارسنا» بترجمة هلا الشروف، في نحو أربعمائة صفحة. والكتاب جدير بالانتباه لأن القضية التعليمية اليوم لم تعد مرتبطة بكمية المعلومات التي يستطيع المعلم نقلها إلى المتعلم، خصوصًا في زمن يستطيع فيه أي طالب الحصول على ملايين المعلومات خلال ثوان، وإنما بالبيئة التي يتعلم داخلها الإنسان كيف يفكر، وكيف يسأل، وكيف يحلل الأدلة، وكيف يبني معرفة مستقلة. هذه النقلة من «تعليم الإجابة» إلى «تعليم التفكير» قد تكون إحدى القضايا المركزية في مدرسة المستقبل.

والتاريخ بدوره يحتفظ بمكانه القوي في خريطة النشر. كتاب «قراءة في حضارات بلاد ما بين النهرين» لملكون ملكون يعيد القارئ إلى إحدى اللحظات المؤسسة للحضارة الإنسانية، أي ولادة الكتابة نفسها. فالانتقال من الرسم إلى العلامة ثم إلى الكتابة المسمارية لم يكن مجرد اختراع تقني؛ لقد كان ثورة غيرت علاقة الإنسان بالذاكرة والزمن والسلطة والمعرفة، وأتاحت للأفكار والقوانين والأحداث أن تتجاوز حياة أصحابها. والجميل أن التفكير في هذه البدايات يأتي اليوم ونحن نشهد ثورة أخرى في وسائل حفظ المعرفة وإنتاجها بواسطة الحوسبة والذكاء الاصطناعي، وكأن تاريخ البشرية يتحرك بين اختراعات تغير الطريقة التي تتذكر بها نفسها.

ويحضر التاريخ العربي الحديث والقديم أيضًا في أعمال أخرى، بينها كتاب «الجولان: دراسة في الجغرافيا الإقليمية» لأديب سليمان باغ، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في ترجمة عربية، وكتاب «المؤرخ ابن العديم الحلبي: بين العمل السياسي والنشاط الفكري 1192–1262» لسامي مرعي، الذي يعيد تقديم ابن العديم لا باعتباره مؤرخ حلب فحسب، وإنما رجل معرفة وسياسة ودبلوماسية عاش في زمن شديد الاضطراب.

وفي الرواية التاريخية تلفت الانتباه رواية «أيام الفاطمي المقتول» لنزار شقرون، حيث تنطلق الحكاية من موت الشخصية الرئيسية نفسها، ثم يعود البطل ليحكي رحلة البحث عن جذوره وهويته بين تونس ومصر. هذه اللعبة السردية تسمح للرواية بأن تجمع بين التاريخ والفلسفة والسؤال الوجودي، وأن تجعل الماضي مساحة لفحص السلطة والهوية والحقيقة، بدل تحويله إلى ديكور لأحداث انتهت.

وعلى مستوى حركة النشر المصرية، كشفت مشاركة دار الشروق في معرض بيروت للكتاب عن مجموعة واسعة من العناوين الحديثة، من بينها «شهادتي على العصر» لعمر بطيشة، و**«البردية الأولى لآدم»** لماجد شيحة، و**«كلب يقطف الزهور»** لنهى الزيني، و**«فابريكة سركيسيان»** لمحمود عبده، و**«تخفيف أحمال»** لشيرين سامي، و**«ابن القبطية»** لوليد علاء الدين، و**«اسمها حياة»** لأحمد صبري أبو الفتوح، و**«الوصول المقطوع»** لرشا عدلي، ضمن حزمة تؤكد استمرار الرواية والسيرة والكتابة الفكرية في احتلال مركز أساسي في استراتيجية الناشر العربي الكبير.

وتقدم المؤسسات الثقافية الخليجية، من جانبها، نموذجًا مختلفًا يتمثل في الجمع بين النشر والمبادرات المجتمعية. فكتاب «هنا لهم حكاية» الصادر عن مركز أبوظبي للغة العربية يجمع أربعًا وخمسين قصة لأشخاص من جنسيات وخلفيات مختلفة عاشوا تجاربهم في الإمارات، ويتناول الهوية والغربة والانتماء والتفاعل الثقافي والتراث، فيما صدر عن المركز القومي للترجمة في مصر كتاب «فلسفة العمل» لس. ديليزيل برنز بترجمة محسن ويفي ومراجعة أحمد زايد، ليعيد طرح السؤال القديم المتجدد: هل نعمل فقط لكي نحصل على الأجر، أم أن العمل نفسه جزء من الطريقة التي نبني بها معنى حياتنا وعلاقتنا بالمجتمع؟

هذه الخريطة، على اتساعها، تسمح لي بملاحظة تحول مهم في الكتاب العربي الجديد. فالمشهد لم يعد منقسمًا ببساطة بين الرواية والكتاب الأكاديمي كما كان يبدو أحيانًا، بل أصبحت الحدود أكثر مرونة. الرواية تستعير التاريخ والفلسفة، والتاريخ يستعين بالأدب والصورة والصحافة، والكتاب النقدي يدخل عالم الخوارزميات، والتربية تواجه الذكاء الاصطناعي، والترجمة تعيد إدخال أعمال عالمية كبرى إلى النقاش العربي. حتى الأغنية أصبحت مادة لفهم السلطة والمجتمع، والمنفى لم يعد موضوعًا فلسطينيًا أو سوريًا منفردًا، وإنما تحول إلى أحد المفاتيح الكبرى لفهم الإنسان العربي المعاصر.

وما يلفتني أكثر أن الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي أصبحا يتقدمان سريعًا نحو مركز المكتبة العربية. لم يعد النقاش يدور حول التقنية في كتب متخصصة منفصلة عن الثقافة، وإنما دخل إلى الأدب والنقد والتربية والإعلام والفلسفة. وهذه علامة على أننا أمام مرحلة مختلفة في تاريخ الكتاب العربي، لأن الكتاب نفسه أصبح مضطرًا إلى التفكير في مستقبل القراءة والكتابة والنقد في عالم تستطيع فيه الآلة أن تلخص كتابًا، وتقارن بين مئات الروايات، وتنتج قصة أو قصيدة أو دراسة خلال دقائق.

لكن هذا النشاط في النشر يضعنا أيضًا أمام مفارقة يصعب تجاهلها: الكتب تتكاثر بينما القارئ ما زال الحلقة الأكثر هشاشة في صناعة الثقافة العربية. لا تكفي عشرات الإصدارات الجديدة إذا ظلت خارج شبكات التوزيع، ولا تكفي المعارض الكبيرة إذا كان الكتاب يختفي بمجرد انتهاء المعرض، ولا يمكن بناء صناعة ثقافية حقيقية من دون مكتبات عامة، وإعلام ثقافي، ونقد جاد، ومراجعات كتب، وسياسات تجعل القراءة ممارسة يومية لا موسمًا احتفاليًا.

إن ما نراه في خريف 2026 يؤكد أن المؤلف العربي لا يعاني أزمة أفكار، وأن المترجم لا يزال قادرًا على فتح النوافذ بين العربية والعالم، وأن دور النشر تواصل المجازفة بإنتاج المعرفة رغم صعوبة السوق. الأزمة الحقيقية تكمن في المسافة التي ما زالت تفصل هذا الإنتاج الضخم عن قارئه الممكن.

لذلك لا أرى هذه الإصدارات مجرد لائحة عناوين وصلت حديثًا إلى رفوف المكتبات. أراها خريطة صغيرة لما يشغل العقل العربي في هذه اللحظة: خوف من ضياع الحقيقة في الفضاء الرقمي، وأسئلة متجددة حول الديمقراطية والهوية، وذاكرة مثقلة بالحروب والمنفى، ومحاولة للعودة إلى التاريخ من أجل فهم الحاضر، وانشغال متزايد بالذكاء الاصطناعي، وإصرار الرواية على حماية التجربة الإنسانية الفردية من أن تتحول إلى مجرد رقم في أرشيف العالم.

وتلك، ربما، هي أجمل مفارقات الكتاب في عصر الشاشة: كلما قيل إن زمنه انتهى، خرجت من المطابع كتب جديدة لتثبت أن الإنسان ما زال يحتاج إلى ذلك الفضاء البطيء والعميق الذي تمنحه القراءة؛ فضاء يستطيع فيه أن يتوقف قليلًا أمام فكرة، وأن يشك في يقين، وأن يعيش حياة شخص آخر، وأن يعود من الكتاب مختلفًا عمن كان قبل أن يفتحه.



0 التعليقات: