لا أتعامل مع منح جائزة ساخاروف لعام 2026 للمحكمة الجنائية الدولية باعتباره مجرد لحظة احتفاء رمزية بمؤسسة قضائية دولية، لأن السياق الذي جاءت فيه الجائزة يجعلها أقرب إلى إعلان سياسي وحقوقي عن موقع العدالة الدولية في عالم تتزايد فيه النزاعات حول السيادة، والاختصاص القضائي، وحق المؤسسات الدولية في مساءلة الأفراد حين تفشل الدول أو تعجز أو ترفض القيام بذلك. فالمحكمة الجنائية الدولية تقف اليوم في نقطة شديدة الحساسية من تاريخها، ليس فقط بسبب الملفات التي تنظر فيها، وإنما لأن استقلالها نفسه أصبح موضع مواجهة مباشرة، بعدما انتقلت الضغوط من مستوى النقد السياسي والدبلوماسي إلى مستوى العقوبات والإجراءات الاقتصادية والمالية التي يمكن أن تمس قدرة المؤسسة على العمل بصورة طبيعية.
وهذا التحول بالغ الخطورة من منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان، لأن استقلال القضاء لا يقاس فقط بحرية القاضي في إصدار حكمه، بل كذلك بقدرة المؤسسة القضائية على أداء مهامها من دون تهديد أو ترهيب أو حصار مالي أو تقني أو سياسي. وإذا كان القضاء الوطني يحتاج إلى ضمانات دستورية لحماية القاضي من السلطة التنفيذية ومن ضغوط المصالح، فإن القضاء الدولي يحتاج بدوره إلى منظومة حماية أوسع بكثير، لأن القضاة والمدعين الدوليين يتحركون داخل فضاء سياسي شديد التعقيد، تتقاطع فيه مصالح الدول الكبرى مع قواعد العدالة الجنائية الدولية.
من هذه الزاوية، تكتسب جائزة ساخاروف دلالة مضاعفة. فهي من ناحية تكريم لمؤسسة أنشئت من أجل مساءلة مرتكبي أخطر الجرائم التي تهم المجتمع الدولي، ومن ناحية أخرى موقف سياسي أوروبي يقول إن المساس باستقلال المحكمة لا ينبغي أن يمر باعتباره خلافًا دبلوماسيًا عاديًا. فالبرلمان الأوروبي حين يمنح جائزة مرتبطة تاريخيًا بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان للمحكمة ومسؤوليها، فإنه يضع قضية استقلال القضاء الجنائي الدولي في قلب النقاش الحقوقي الأوروبي.
غير أن هذه الرمزية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لحماية المحكمة. هنا تبدأ المسألة القانونية الحقيقية. فالمحكمة الجنائية الدولية لا تمتلك قوة تنفيذية خاصة بها، ولا جهاز شرطة يمكنه تنفيذ أوامرها، ولا بنية مستقلة كليًا عن الدول. هي مؤسسة قضائية عالمية من حيث الرسالة، لكنها تعتمد على تعاون الدول في الاعتقال، وتسليم المطلوبين، والوصول إلى الأدلة، وحماية الشهود، ونقل المتهمين، وتمويل بعض العمليات، وتأمين الحركة والتنقل والخدمات التقنية والمالية.
هذا الاعتماد يجعل استقلالها مختلفًا عن استقلال المحاكم الوطنية. فالقاضي الوطني يمكن أن يصدر حكمه ويعتمد على جهاز الشرطة الوطني لتنفيذه، أما المحكمة الدولية فقد تصدر أمر اعتقال، لكنه يظل ورقة قانونية ما لم تتعاون دولة ما في تنفيذه. ومن هنا فإن استقلال المحكمة لا يمكن فصله عن إرادة الدول، وهذه إحدى نقاط الضعف البنيوية التي رافقت المحكمة منذ تأسيسها.
المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تستخدم دولة قوية أدواتها الاقتصادية ضد المحكمة أو مسؤوليها. فالولايات المتحدة لم تصادق على نظام روما الأساسي، وظلت منذ سنوات تتحفظ بقوة على إمكانية خضوع مواطنيها أو مسؤولي دول حليفة لها لاختصاص المحكمة في بعض الملفات. الاعتراض الأمريكي يستند إلى حجة واضحة من الناحية السيادية: لا يجوز، من وجهة النظر الأمريكية، أن يخضع رعايا دولة لم تصادق على النظام الأساسي لمحكمة أنشئت بموجب معاهدة لم تقبل بها تلك الدولة.
لكن القانون الدولي الجنائي لا يختزل الاختصاص في جنسية المتهم. فالمحكمة يمكن أن تستند في بعض الحالات إلى الاختصاص الإقليمي متى كانت الجريمة قد ارتكبت فوق إقليم دولة طرف أو في نطاق قانوني يسمح لها بذلك، كما توجد إحالات من مجلس الأمن في بعض الحالات. وهنا يصبح الخلاف أكثر تعقيدًا من مجرد سؤال: هل الدولة طرف في المحكمة أم لا؟
لكن حتى إذا افترضنا وجود خلاف قانوني حقيقي حول الاختصاص، يبقى السؤال الأخطر هو طبيعة الرد على ذلك الخلاف. هل تتم مواجهة المحكمة عبر الطعون والحجج القانونية والمؤسسات الدولية، أم عبر العقوبات التي تستهدف القضاة والمدعين والمؤسسة نفسها؟
من منظور دولة القانون، الفارق جوهري. فإذا أصبح القاضي الدولي معرضًا للعقاب المالي أو لتقييد السفر أو لتجميد الأصول بسبب قيامه بعمل قضائي، فإننا نكون أمام سابقة تفتح الباب أمام تحويل القوة الاقتصادية إلى وسيلة ضغط على السلطة القضائية الدولية. وهذا لا يمس المحكمة وحدها، بل يمس فكرة القانون الدولي ذاته.
فالقاعدة البسيطة التي يفهمها أي نظام قضائي داخلي هي أن استقلال القاضي لا يحتمل التهديد بالعقوبة من طرف جهة لا ترضى عن مسار قضية. وإذا كان هذا المبدأ أساسيًا داخل الدولة، فلماذا يصبح أقل أهمية عندما يكون القاضي دوليًا؟
هنا تكمن الأهمية الحقوقية لجائزة ساخاروف. الجائزة لا توفر حصانة قانونية، لكنها توفر نوعًا من الحماية السياسية الرمزية. إنها تقول للقضاة والمدعين في المحكمة إن عملهم ليس معزولًا بالكامل، وإن هناك مؤسسات ديمقراطية دولية ترى في استقلالهم قيمة يجب الدفاع عنها.
لكن قيمة هذا الدعم ستبقى محدودة إذا لم تنتقل أوروبا من الاعتراف الرمزي إلى الحماية المؤسسية. فالعقوبات الحديثة لا تعمل فقط عبر منع السفر أو تجميد الحسابات، بل تعمل كذلك عبر تخويف الشركات والبنوك ومزودي الخدمات. شركة تأمين قد تنسحب من التعامل مع المحكمة، بنك قد يتردد في تنفيذ التحويلات، شركة تكنولوجيا قد تخشى الاستمرار في تقديم خدماتها، مؤسسة قد تتجنب التعامل مع مسؤول قضائي خاضع للعقوبات.
وهنا يمكن أن تتعرض المحكمة إلى شكل من أشكال الشلل البطيء، ليس بسبب قرار قضائي يلغي وجودها، وإنما نتيجة انسحاب تدريجي للشركات والمؤسسات الخاصة من التعامل معها. وهذا يضعنا أمام مفهوم جديد للاستقلال القضائي: الاستقلال التشغيلي.
ما معنى أن تكون المحكمة مستقلة إذا كانت غير قادرة على تحويل الأموال؟ ما معنى أن يكون القاضي مستقلًا إذا كانت حركته الدولية مقيدة؟ ما معنى أن تكون المؤسسة محمية في النصوص بينما تخاف الشركات من تزويدها بالخدمات الأساسية؟
لهذا فإن الدفاع الحقيقي عن المحكمة يقتضي أن تبدأ الدول الأطراف، وخصوصًا الدول الأوروبية، التفكير في بنية حماية عملية. حماية الاستقلال القضائي الدولي يجب أن تشمل النظام المصرفي، والتأمين، والخدمات الرقمية، والتكنولوجيا، والسفر، والاتصالات، والعقود، وليس فقط البيانات السياسية والاحتفالات والجوائز.
هنا يصبح الاتحاد الأوروبي أمام امتحان واضح. فالبرلمان الأوروبي أعلن دعمًا رمزيًا قويًا للمحكمة، لكن السؤال الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء ستوفر أدوات قانونية واقتصادية تحول دون شل المحكمة عبر عقوبات خارجية.
وهذا النقاش ليس جديدًا بالكامل في أوروبا. فقد سبق للاتحاد الأوروبي أن ناقش في سياقات أخرى مسألة حماية الشركات الأوروبية من العقوبات ذات المفعول العابر للحدود. غير أن الحالة هنا أكثر حساسية، لأن الأمر لا يتعلق بشركة أو مصلحة تجارية، بل بمؤسسة قضائية دولية.
إذا أرادت أوروبا أن تجعل جائزة ساخاروف ذات مضمون فعلي، فقد تحتاج إلى تطوير آليات تحمي تعامل المؤسسات المالية الأوروبية مع المحكمة، وتضمن استمرار مزودي الخدمات في التعامل معها، وتوفر قنوات تقنية ومالية لا يمكن تعطيلها بسهولة بضغوط خارجية.
ولكن هذا المسار لن يكون سهلًا، لأن العلاقات الأوروبية الأمريكية تظل استراتيجية في ملفات الأمن والدفاع والاقتصاد، ولذلك فإن أي محاولة أوروبية لحماية المحكمة من العقوبات الأمريكية ستدخل مباشرة في قلب التوازنات السياسية الكبرى.
من هنا قد تتحول الجائزة إلى عنصر جديد في إعادة تشكيل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة حول مفهوم العدالة الدولية. فواشنطن تنظر إلى المحكمة من زاوية السيادة وعدم الخضوع لمؤسسة لم تنضم إليها، في حين تميل معظم الدول الأوروبية إلى اعتبار المحكمة عنصرًا أساسيًا في النظام الدولي القائم على القواعد.
لكن التباين لا يقتصر على أوروبا وأمريكا. هناك أيضًا دول أخرى تنظر بشك إلى المحكمة، بعضها بسبب الخوف من الانتقائية، وبعضها بسبب الحساسية تجاه مفهوم الاختصاص الدولي، وبعضها بسبب تجارب سابقة شعرت فيها دول من الجنوب بأن المحكمة ركزت عليها أكثر من غيرها.
لهذا فإن جائزة ساخاروف، على الرغم من أهميتها، لا تلغي الانتقادات الموجهة إلى المحكمة. بالعكس، قد تدفع المحكمة نفسها إلى مراجعة صورتها العالمية.
أحد أهم التحديات التي تواجه المحكمة هو إقناع الرأي العام الدولي بأنها لا تمثل عدالة انتقائية. كثير من الحكومات والمجتمعات تسأل لماذا تحظى بعض القضايا بسرعة واهتمام كبيرين، بينما تتأخر قضايا أخرى أو تختفي من الواجهة. كما أن مسألة تفاوت تنفيذ مذكرات التوقيف تثير دائمًا سؤالًا حول الفرق بين القانون المكتوب والقانون الذي يمكن تطبيقه فعليًا.
وهنا تظهر إشكالية شديدة الحساسية في القانون الدولي: العدالة لا ينبغي أن تعتمد على قوة المتهم أو ضعف دولته. إذا كانت المحكمة قادرة فقط على ملاحقة من لا يملكون حماية سياسية قوية، فإنها ستفقد تدريجيًا شرعيتها الأخلاقية، حتى لو كانت قراراتها سليمة من الناحية الإجرائية.
لهذا فإن استقلال المحكمة لا يحتاج فقط إلى حمايتها من القوى الكبرى، بل يحتاج أيضًا إلى ممارسة قضائية تبرهن على الاتساق والحياد.
وهذه نقطة حاسمة. فالمدافع عن استقلال المحكمة لا ينبغي أن يتحول إلى مدافع عن كل قرار يصدر عنها دون نقد. استقلال القضاء لا يعني عصمته من النقد. يمكن للمحكمة أن تخطئ في التقدير أو في الإجراءات، ويمكن للباحثين والمحامين والدول أن ينتقدوا اجتهاداتها. لكن النقد شيء، ومحاولة تعطيلها أو معاقبة قضاتها شيء آخر.
وفي دولة القانون، الفارق بين الأمرين هو جوهر الديمقراطية نفسها. يمكن أن أختلف مع حكم قاضٍ، لكن لا يجوز لي أن أهدده. يمكن لدولة أن تطعن في اختصاص المحكمة، لكن تحويل الخلاف إلى عقوبات على القضاة يضع مبدأ استقلال القضاء الدولي أمام خطر حقيقي.
من هنا يمكن أن يكون لمنح جائزة ساخاروف أثر أكبر من المتوقع إذا استطاعت أن تدفع المؤسسات الأوروبية إلى تحويل الخطاب الحقوقي إلى التزام سياسي مستمر. عندها ستصبح الجائزة عاملًا في تعزيز شرعية المحكمة، وليس مجرد احتفاء سنوي.
لكن هناك خطرًا مقابلًا. فالمحكمة قد تصبح أكثر ارتباطًا في الوعي العالمي بالمعسكر الأوروبي، وهذا قد يستخدمه خصومها للقول إنها مؤسسة غربية أو أداة لمنظومة سياسية بعينها. لذلك فإن المحكمة تحتاج إلى أن تستثمر الدعم الأوروبي دون أن تتحول في صورتها الدولية إلى مؤسسة مرتبطة بمحور سياسي محدد.
قوة المحكمة الحقيقية تكمن في قدرتها على أن تقول إنها لا تعمل لصالح أوروبا ولا ضد أمريكا ولا لصالح الجنوب ولا ضد الشمال، بل لصالح قاعدة قانونية واحدة: الجرائم الدولية الجسيمة ينبغي ألا تبقى بلا مساءلة.
لكن الوصول إلى هذا النموذج يحتاج إلى إصلاح مستمر، وتمثيل عالمي أوسع، وحوار مع الدول المتشككة، وضمانات أكبر للحياد، وشفافية في اختيار الملفات والأولويات.
من جهة أخرى، قد تؤثر الجائزة في سلوك الدول الأعضاء في نظام روما. الدول التي كانت تفكر في تقليص تعاونها قد تجد نفسها أمام مناخ سياسي جديد يجعل الانسحاب أكثر كلفة دبلوماسية. كما أن التكريم قد يشجع المجتمعات المدنية والمنظمات الحقوقية على إعادة طرح مسألة تنفيذ مذكرات المحكمة باعتبارها التزامًا قانونيًا وليس خيارًا سياسيًا فقط.
وهنا يتحول النقاش إلى سؤال دقيق: هل الدول الأطراف ملزمة بتنفيذ أوامر المحكمة حتى عندما تكون هناك اعتبارات سياسية أو دبلوماسية معقدة؟
من الناحية القانونية، التزامات الدول الأطراف واضحة في جوانب عديدة، لكن الواقع السياسي يبين أن التنفيذ يظل رهينًا بقرارات وطنية. وهذا هو أحد أكبر التناقضات في نظام العدالة الدولية: المحكمة قادرة على إصدار القرار، لكنها لا تملك دائمًا الوسيلة لتنفيذه.
جائزة ساخاروف لا تحل هذا التناقض، لكنها قد تزيد الضغط السياسي من أجل تقليص الفجوة بين القانون والتنفيذ.
وفي العمق، ما يحدث اليوم حول المحكمة هو مواجهة بين تصورين للنظام الدولي. تصور أول يقوم على أن السيادة الوطنية تظل المرجعية الأساسية، وأن المؤسسات الدولية لا ينبغي أن تتجاوز إرادة الدول. وتصور ثان يرى أن بعض الجرائم، بسبب خطورتها، تتجاوز الحدود الوطنية، وأن سيادة الدولة لا يمكن أن تتحول إلى حصانة من المساءلة.
المحكمة الجنائية الدولية هي إحدى أبرز تجليات التصور الثاني. ولذلك فإن المواجهة حولها ليست تقنية فقط، بل فلسفية وسياسية وقانونية في الوقت نفسه.
هل يستطيع القانون أن يقيد القوة؟ هل تستطيع مؤسسة قضائية دولية أن تحقق مع شخص مدعوم من دولة قوية؟ هل تكون العدالة عالمية حقًا أم عالمية فقط عندما يتعلق الأمر بالدول الضعيفة؟
هذه ليست أسئلة نظرية. هي جوهر اختبار المحكمة اليوم.
منح جائزة ساخاروف قد يعزز ثقة العاملين في المحكمة، لكنه قد يزيد أيضًا حجم الضغط عليهم، لأن الجائزة تجعل المؤسسة أكثر ظهورًا وتحوّل الدفاع عنها إلى موقف سياسي علني. كما أن واشنطن قد ترى في التكريم الأوروبي محاولة لتحدي سياستها تجاه المحكمة، وهو ما يمكن أن يزيد التوتر بدل تخفيفه.
لكن هذا لا يعني أن الجائزة عديمة الجدوى. على العكس، لها وظيفة أساسية في العلاقات الدولية: رفع كلفة الصمت.
عندما تصبح المحكمة رمزًا لحرية الفكر واستقلال العدالة، يصبح الضغط عليها أكثر إحراجًا للدول التي تعلن التزامها بسيادة القانون. وهنا يمكن أن يصبح التكريم أداة سياسية ناعمة، ليس لإجبار الدول، بل لجعل التخلي عن المحكمة أكثر تكلفة أخلاقيًا ودبلوماسيًا.
ومع ذلك، فإن مستقبل المحكمة لن يتحدد بالجوائز، وإنما بثلاثة عناصر حاسمة: قدرة الدول الأطراف على حمايتها، قدرة المحكمة على الحفاظ على الحياد والاتساق، وقدرتها على تنفيذ قراراتها بصورة أكثر فعالية.
إذا تحققت هذه العناصر، قد تتحول جائزة ساخاروف إلى لحظة تاريخية في مسار تعزيز القضاء الجنائي الدولي. أما إذا بقيت المحكمة معزولة عمليًا ومحاصرة اقتصاديًا وغير قادرة على تنفيذ أوامرها، فستظل الجائزة مجرد اعتراف رمزي بجمال فكرة العدالة في عالم لا تزال القوة فيه أحيانًا أقوى من النصوص.
القضية إذن ليست قضية جائزة فقط، بل قضية موقع القانون الدولي كله. ما يحدث للمحكمة اليوم سيحدد، جزئيًا على الأقل، شكل العدالة الدولية في العقود المقبلة. إذا نجح الضغط السياسي والاقتصادي في إضعافها، فقد تصل الرسالة إلى كل مؤسسة دولية أخرى: يمكنكم إصدار القرارات ما دمتم لا تقتربون من مصالح الأقوياء.
أما إذا استطاعت المحكمة أن تستمر، واستطاعت الدول الأطراف أن تحميها، فقد تتكرس قاعدة معاكسة: القانون الدولي، رغم هشاشته، يمكن أن يبني مؤسسات قادرة على الصمود حتى أمام الضغط.
لهذا أرى أن الأثر الحقيقي لجائزة ساخاروف لا يكمن في الصورة الاحتفالية ولا في القيمة المادية، بل في السؤال الذي تفرضه على أوروبا والعالم: هل الدفاع عن العدالة الدولية مبدأ نحتفل به، أم التزام نحن مستعدون لتحمل كلفته؟
وتلك، في تقديري، هي المعركة الحقوقية والقانونية الأكبر التي تخفيها الجائزة وراء لحظة التكريم.








0 التعليقات:
إرسال تعليق