الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 15، 2026

متحف الثقافة اليهودية بفاس… استعادة لذاكرة المغرب المتعددة: عبده حقي

 


تحتفظ فاس في أحيائها العتيقة وبيوتها وأسواقها وذاكرتها الشعبية بطبقات متراكمة من تاريخ المغرب، تاريخ لم تصنعه جماعة واحدة ولا رواية واحدة، بل شاركت في تشكيله مكونات دينية وثقافية واجتماعية متعددة تركت جميعها بصماتها في الشخصية المغربية. ومن هذا العمق التاريخي يكتسب افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية معناه الحقيقي، لأنه لا يقدم مجرد مقتنيات قديمة داخل فضاء للعرض، بل يعيد جزءًا من الذاكرة الوطنية إلى مكانه الطبيعي داخل السردية المغربية الجامعة. بالنسبة إلي، فإن قيمة هذا المتحف تكمن في قدرته على تذكيرنا بأن اليهود المغاربة لم يكونوا يومًا هامشًا طارئًا في تاريخ البلاد، بل كانوا جزءًا من نسيجها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وأن استعادة هذا الإرث اليوم ليست التفاتة رمزية فقط، وإنما فعل ثقافي وتربوي يعيد الاعتبار لفكرة المغرب المتعدد، القادر على صون اختلافاته داخل هوية وطنية واحدة.

اختيار فاس لاحتضان هذا المتحف يحمل دلالة خاصة. فهذه المدينة ليست مجرد فضاء عمراني عريق، بل هي مستودع لذاكرة المغرب الدينية والثقافية والحضارية. بين أسوارها القديمة تعايشت أجيال متعاقبة من المسلمين واليهود، وتقاطعت الحرف والتقاليد والأحياء والأسواق والطقوس، وتشكلت عبر القرون شبكة من العلاقات الإنسانية التي يصعب اختزالها في مفاهيم سياسية حديثة. لذلك يبدو لي أن إعادة تقديم هذا التاريخ من قلب فاس تمنح المشروع عمقًا رمزيا مضاعفًا: نحن أمام مدينة تستعيد جزءًا من ذاكرتها وتعيد عرضه للأجيال الجديدة بوصفه جزءًا من الهوية المغربية الجامعة.

المتحف، وفق ما يقدمه محتواه، لا يكتفي بعرض مخطوطات أو قطع أثرية أو ملابس أو مصنوعات تقليدية، بل يحاول أن يعيد بناء عالم اجتماعي وثقافي كامل. وهذه النقطة في نظري هي الأهم. فالتراث لا يعيش فقط داخل خزائن العرض، بل في القصص التي تحملها الأشياء وفي العلاقات التي كانت تربط الناس بها. قطعة لباس يهودية مغربية ليست مجرد قماش قديم، والمخطوط ليس مجرد ورق، والأداة الحرفية ليست مجرد أثر؛ كل واحدة منها تحمل خلفها سيرة عائلة وحي ومدينة وطريقة عيش وذاكرة ممتدة عبر أجيال.

وأعتقد أن المغرب يحتاج اليوم إلى هذا النوع من المؤسسات أكثر من أي وقت مضى، لأن الأجيال الجديدة تعرف أحيانًا القليل عن التنوع العميق الذي شكّل المجتمع المغربي عبر قرون طويلة. كثير من الشباب قد يسمعون عن اليهود المغاربة من خلال الأخبار الدولية أو الصراعات السياسية المعاصرة، في حين أن المعرفة بتاريخهم المغربي تظل محدودة. وهنا يصبح دور المتحف تربويًا بقدر ما هو ثقافي: أن يشرح للشاب المغربي أن اليهودية المغربية ليست موضوعًا خارجيًا عنه، وإنما جزء من تاريخ بلاده وذاكرتها الجماعية.

هذا التمييز ضروري في تقديري. فالتاريخ اليهودي المغربي شيء، والصراع السياسي في الشرق الأوسط شيء آخر. الدفاع عن الذاكرة اليهودية المغربية لا يعني تبني موقف سياسي معين من إسرائيل أو من القضية الفلسطينية، كما أن التضامن مع الشعب الفلسطيني لا يبرر محو قرون من التاريخ اليهودي المغربي. المجتمع الناضج هو الذي يستطيع أن يفصل بين الذاكرة الوطنية وبين الصراعات السياسية الراهنة، وأن يحمي تراثه دون أن يصبح أسيرًا للاستقطابات الإيديولوجية.

من هنا أفهم الرسالة التي يحملها الحديث عن السلام والأخوة والعيش المشترك. قد تبدو هذه العبارات مألوفة لكثرة استعمالها في الخطاب الرسمي والثقافي، لكنها تكتسب معناها الحقيقي عندما تتحول إلى مؤسسات ومناهج تعليمية وأماكن ذاكرة مفتوحة أمام المواطنين. فالعيش المشترك لا ينبغي أن يبقى شعارًا جميلاً، بل يجب أن يصبح معرفة تاريخية ملموسة، يكتشف من خلالها المواطن أن المجتمع المغربي تشكل دائمًا من روافد متعددة.

وأرى أن القيمة الأكبر لهذا المتحف لن تكون في عدد زواره الأجانب، بل في عدد التلاميذ والطلبة والشباب المغاربة الذين سيدخلونه ويخرجون منه وهم يحملون فهمًا أوسع لهويتهم الوطنية. الهوية المغربية ليست قالبًا أحاديًا جامدًا، بل تراكم تاريخي غني تشارك في بنائه روافد أمازيغية وعربية وإسلامية ويهودية وأندلسية وإفريقية ومتوسطية. قوة المغرب الثقافية تكمن في هذا التركيب لا في إنكاره.

بل إن الاعتراف بالمكون اليهودي داخل التراث الوطني يمثل في نظري شكلًا من أشكال السيادة الثقافية أيضًا. فحين يوثق المغرب تاريخه بنفسه، ويجمع مخطوطاته وصوره وملابسه وطقوسه وذاكرته داخل مؤسساته، فإنه يمنع الآخرين من اختزال هذا التاريخ أو إعادة تفسيره خارج سياقه المغربي. اليهود المغاربة الذين عاشوا في فاس ومكناس والصويرة وصفرو وتطوان والدار البيضاء وغيرها لم يعيشوا في فراغ جغرافي أو تاريخي؛ كانوا جزءًا من المجتمع المغربي، وتأثروا بثقافته وأسهموا بدورهم في تشكيلها.

ومع ذلك، أعتقد أن نجاح هذا المشروع يظل مرتبطًا بقدرته على تجاوز الاحتفاء البروتوكولي نحو عمل معرفي طويل النفس. المتحف ينبغي أن يتحول إلى مركز للبحث والتوثيق والندوات والبرامج المدرسية والرقمنة وحفظ الذاكرة الشفوية. ما تزال هناك شهادات لعائلات مغربية مسلمة ويهودية يمكن توثيقها، وصور ووثائق ورسائل ومخطوطات تنتظر الجمع والدراسة قبل أن تضيع مع رحيل الأجيال التي عاصرت مراحل مهمة من هذا التاريخ.

كما أتمنى أن تكون هناك شراكة حقيقية بين المتحف والمدارس والجامعات. فزيارة واحدة منظمة لتلاميذ المدارس قد تكون أكثر تأثيرًا من عشرات الخطب حول التسامح. عندما يرى الطفل الوثائق والصور والأزياء ويسمع القصص، يدرك أن التاريخ ليس فقرة جامدة في كتاب مدرسي، بل حياة عاشها أشخاص حقيقيون في المدن نفسها التي يسكنها اليوم.

وأجد في اختيار فاس تحديدًا دعوة أخرى إلى إعادة التفكير في المدينة بوصفها فضاءً للذاكرة المتعددة، لا مجرد وجهة سياحية. فاس تستطيع أن تقدم للعالم نموذجًا آخر عن المغرب، نموذجًا لا يقوم فقط على المعمار والأسواق والصناعة التقليدية، بل على تاريخ التفاعل بين الأديان والثقافات. الملاح، والمعابد، والمقابر، والوثائق، والموسيقى، والحكايات كلها أجزاء من سردية واحدة تستحق أن تُروى بعمق وموضوعية.

في عالم تتصاعد فيه الكراهية الدينية والعنصرية ومعاداة الآخر، يمكن لمتحف كهذا أن يؤدي وظيفة تتجاوز حدود المغرب. لكنه لن ينجح في ذلك إذا تحول إلى مجرد واجهة احتفالية. قوته الحقيقية ستأتي من الصدق التاريخي، ومن إبراز لحظات التعايش والتوتر معًا، لأن الذاكرة الجادة لا تنتقي فقط الصفحات المريحة، بل تدرس التاريخ في تعقيده الإنساني الكامل.

بالنسبة إلي، الرسالة الأهم من افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية في فاس هي أن المغرب حين يحافظ على ذاكرته المتعددة لا يقدم هدية لأحد، بل يحمي جزءًا من ذاته. الحفاظ على التراث اليهودي المغربي ليس مجاملة، وإنما مسؤولية وطنية تجاه التاريخ. فالأوطان لا تقوى بحذف بعض صفحات ماضيها، بل بامتلاك الشجاعة لقراءتها كلها.

ومن فاس، مدينة العلم والروح والذاكرة، يمكن لهذه المؤسسة أن تقول ببساطة إن الهوية المغربية أوسع من أي اختزال، وإن قرونًا من التاريخ المشترك لا تمحوها التحولات السياسية، وإن أفضل رد على زمن الانقسامات ليس إنكار الاختلاف، بل تحويله إلى معرفة وذاكرة وجسر بين الأجيال.

بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: