الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 26، 2026

صحفيو المغرب وموريتانيا يواجهون بحزم مصانع الكراهية بقلم عبده حقي


لم تعد الحدود بين الدول تُخرق فقط بالدبابات ولا تُستفز فقط بالخطب الرسمية أو المواقف الدبلوماسية المتشنجة، فقد أصبح يكفي اليوم حساب مجهول، وصورة مبتورة من سياقها، وتدوينة غاضبة، ومقطع فيديو أعيد تركيبه بعناية، لكي تشتعل حرب صغيرة داخل الهواتف، ثم تكبر بسرعة حتى تبدو وكأن شعبين كاملين يستعدان للاصطدام، بينما تكون الحكاية في أصلها قد خرجت من هاتف شخص لا نعرف اسمه، ولا مكانه، ولا أهدافه، ولا حتى إن كان شخصًا واحدًا أصلًا أم جزءًا من شبكة واسعة من الحسابات الوهمية. لهذا يبدو التحرك المشترك للصحفيين في المغرب وموريتانيا في مواجهة خطاب الكراهية الرقمي أكثر من مجرد موقف نقابي عابر، لأنه يضع أصبعه على واحدة من أخطر أمراض المجال العام الجديد: صناعة العداوة بواسطة الخوارزميات، وتحويل الحسابات المجهولة إلى مصانع مصغرة للفتنة والتضليل.

لقد دخلنا مرحلة لم تعد فيها الكلمة مجرد كلمة، ولم يعد المنشور مجرد رأي فردي يمكن تجاهله. فالعبارة المستفزة قد تتحول خلال دقائق إلى مادة تتناقلها مئات الصفحات، والصورة الزائفة قد تعبر آلاف الهواتف قبل أن يتمكن أحد من التحقق منها، والتعليق العنصري أو العدائي قد يصبح مادة خامًا لخطاب كامل يُبنى فوقه وهم وجود أزمة بين شعبين أو مجتمعين. هنا تحديدًا تكمن خطورة ما حذر منه الصحفيون المغاربة والموريتانيون، لأن التضليل الرقمي لم يعد نشاطًا هامشيًا يمكن احتقاره أو اعتباره ضجيجًا إلكترونيًا عابرًا، بل بات جزءًا من هندسة الرأي العام وصناعة الانفعال وإعادة تشكيل صورة الآخر.

إن أكثر ما يلفت الانتباه في التحذير المشترك هو تركيزه على الحسابات الوهمية والمجهولة، وهذه ليست تفصيلاً ثانويًا. فجزء كبير من التوترات الرقمية اليوم ينشأ في فضاءات لا توجد فيها مسؤولية واضحة. نحن أمام أسماء مستعارة، وصور حسابات مسروقة، وصفحات تظهر فجأة ثم تختفي، وحسابات تنشر عشرات الرسائل يوميًا بالصياغة نفسها والنبرة نفسها والهدف نفسه. ومع ذلك، يقع بعض الإعلام أحيانًا في الفخ، فيتعامل مع هذه المنشورات كما لو كانت مواقف اجتماعية حقيقية، فيحول ضجيجًا مصطنعًا إلى خبر، والخبر إلى قضية، والقضية إلى توتر قد يصل صداه إلى الشارع.

هذه هي المفارقة الخطيرة التي ينبغي التوقف عندها: هناك حساب مجهول يكتب جملة عدائية، ثم تنقلها صفحة، ثم تقتبسها صحيفة إلكترونية، ثم يتفاعل معها الآلاف، وبعد ساعات يصبح لدينا ما يشبه «رأيًا عامًا» لم يكن موجودًا أصلًا. بهذا المعنى، نحن لا نكون أمام تعبير عن الواقع، بل أمام تصنيع للواقع. وربما هذه هي أخطر وظيفة تؤديها منصات التواصل اليوم عندما تُترك من دون وعي نقدي أو تحقق مهني.

إن خطورة الحسابات الوهمية لا تكمن فقط في أنها تخفي هوية أصحابها، بل في أنها تعفيهم من المسؤولية الأخلاقية. فالإنسان الذي يكتب باسمه الحقيقي يعرف أن لكلمته ثمنًا، وأن عليه أن يتحمل تبعاتها، أما الحساب الذي لا اسم له ولا وجه ولا عنوان، فيستطيع أن يشتم ويحرض ويكذب ويختفي، ثم يعود باسم آخر في اليوم التالي. وهكذا يتحول الفضاء الرقمي إلى منطقة رمادية تتراجع فيها قيمة المسؤولية، بينما تتضخم فيها قدرة الإساءة.

لهذا فإن موقف الهيئات الصحفية في المغرب وموريتانيا يتجاوز التضامن المهني إلى الدفاع عن فكرة أساسية: لا ينبغي أن تُترك العلاقات بين الشعوب رهينة لحسابات لا نعرف من يديرها ولا ماذا تريد. العلاقات التاريخية والاجتماعية والإنسانية بين المغاربة والموريتانيين أعمق بكثير من أن تختزل في تعليق غاضب أو منشور استفزازي أو حملة مجهولة المصدر. لكن الخطر يبدأ عندما تتخلى الصحافة عن دورها في التحقق وتتحول إلى مرآة لهذه الفوضى، فتنقل كل ما يقال، وتتعامل مع كل ما ينتشر باعتباره حقيقة، وتُسهم من حيث تدري أو لا تدري في تضخيم خطاب الكراهية الذي يفترض بها أن تكشف آلياته.

الصحافة المهنية توجد اليوم أمام امتحان حقيقي. لم يعد المطلوب منها أن تصل إلى المعلومة فقط، فالمعلومة تصل قبلها أحيانًا، بل المطلوب أن تميز الصحيح من الزائف، والحقيقي من المصنع، والموقف الاجتماعي الحقيقي من الحملة المدبرة. وهذا التحول عميق جدًا، لأن الصحفي لم يعد فقط جامع أخبار، بل أصبح أشبه بحارس للمجال العام، يفرز ويشكك ويتحقق ويعيد ترتيب الفوضى قبل أن تصل إلى القارئ.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة في عصر المنصات أن تصبح تابعة لإيقاعها. الخوارزمية تحب الإثارة، والصحافة المهنية يفترض أن تحب الحقيقة. الخوارزمية تدفع نحو المحتوى الغاضب والمستفز، بينما الصحافة مطالبة بالسياق والدقة والتوازن. الخوارزمية تكافئ السرعة، لكن الصحافة الجيدة تحتاج أحيانًا إلى التريث. وإذا استسلم الإعلام لمنطق المنصة، فلن يعود صحافة، بل سيصبح مجرد صدى للضجيج.

هنا تأتي أهمية التحذير من تحويل التصرف الفردي إلى حكم جماعي. فلا شيء أكثر ظلمًا من أن تُنسب إساءة شخص إلى شعب كامل، ولا شيء أكثر عبثية من تحويل تعليق مجهول إلى «موقف المغاربة» أو «رأي الموريتانيين». إن هذه اللغة التعميمية هي الوقود الأول لخطاب الكراهية، لأنها تلغي الأفراد وتضع الشعوب في صناديق جاهزة، ثم تفتح باب الكراهية الجماعية على أساس تصرفات لم تتجاوز في أحيان كثيرة شاشة هاتف.

ومع كل أزمة رقمية، تتكرر الأسطوانة نفسها: شخص يسيء، حساب يرد، صفحة تضخم، متابعون ينقسمون، ثم تظهر عناوين تتحدث عن «غضب» و«احتقان» و«تراشق»، وكأننا أمام أزمة وطنية حقيقية. وفي كثير من الأحيان يكون معظم ذلك التضخم ناتجًا عن إعادة تدوير المنشور نفسه في عشرات المواقع. وهنا يصبح الإعلام جزءًا من الحلقة، فيصنع الخبر من المحتوى، ثم يستدل بانتشار الخبر على أهمية المحتوى. إنها دائرة مغلقة من التضخيم يمكن أن تحول تفاهة رقمية إلى قضية رأي عام.

لهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها قمعًا للاختلاف أو دعوة إلى إعلام بلا نقد. على العكس تمامًا، فالاختلاف والنقد والسخرية وحتى القسوة في التعبير كلها أجزاء من المجال العام الحر، لكن هناك فارقًا واضحًا بين النقد والتحريض، وبين الاختلاف والكراهية، وبين المساءلة والتشهير. والمجتمع الديمقراطي لا يحمي نفسه بإسكات النقد، لكنه أيضًا لا يمكن أن يعتبر الدعوة إلى الكراهية مجرد «رأي آخر».

هذه النقطة ضرورية لأن شعار مكافحة الكراهية قد يتحول هو نفسه إلى ذريعة خطيرة إذا استُعمل لفرض الصمت أو التضييق على الصحفيين أو المنتقدين. ولذلك ينبغي أن تكون المعايير دقيقة وواضحة، وأن يبقى الخط الفاصل قائمًا بين خطاب ينتقد السياسات أو المواقف، وخطاب يحرض على شعب أو فئة أو هوية. حماية حرية التعبير ومواجهة الكراهية ليستا هدفين متناقضين، بل يمكن أن تكونا جزءًا من المنظومة نفسها إذا توفرت قواعد مهنية وقانونية عادلة.

غير أن المسؤولية لا تقع على الصحفيين وحدهم. المنصات الرقمية نفسها مطالبة بأن تجيب عن سؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: إلى أي حد تستفيد اقتصاديًا من المحتوى المتطرف والمستفز؟ فكلما ارتفعت درجة الغضب زاد التفاعل، وكلما احتدم الاستقطاب طالت مدة بقاء المستخدم داخل المنصة. وهنا تظهر المعضلة الأخلاقية الكبرى، لأن اقتصاد الانتباه قد يكافئ بالمال والانتشار ما يضر بالمجتمع.

الحساب الوهمي الذي يثير الشجار ليس مجرد شخص يلهو في الظلام، بل قد يصبح عنصرًا فعالًا داخل اقتصاد كامل قائم على المشاهدة والمشاركة والتعليقات. فإذا كانت المنصات تعرف أن المحتوى الغاضب يحقق تفاعلًا أكبر، فإن من حق المجتمع أن يسألها عن مسؤوليتها في تصميم بيئة تشجع هذا النوع من المحتويات أو على الأقل لا تحد منه بالقدر الكافي.

أما في البيئة المغربية الموريتانية، فإن القضية تكتسب حساسية إضافية بسبب القرب الجغرافي والاجتماعي والتاريخي. هناك علاقات إنسانية وأسرية وثقافية وتجارية ممتدة لا يجوز اختزالها في معارك فيسبوكية عابرة. ومن العبث أن يترك مواطنان يتبادلان الشتائم خلف أسماء مستعارة انطباعًا بأن شعبين كاملين في حالة خصومة. هذا النوع من التضخيم لا يخدم سوى من يستفيد من الانقسام.

ومن هنا تبدو الدعوة إلى التعاون المهني بين الصحفيين في البلدين ضرورية، ليس فقط عبر البيانات، بل من خلال آليات دائمة للتواصل والتحقق. ماذا لو وجدت شبكة مغربية موريتانية مشتركة للتحقق من الأخبار الزائفة التي تمس البلدين؟ ماذا لو تم تبادل المعلومات بسرعة بين الصحفيين قبل نشر المواد المثيرة للجدل؟ ماذا لو جرى تدريب غرف الأخبار على كشف الحملات المنسقة والحسابات الوهمية والصور المفبركة؟ عندها يمكن للمهنة أن تتحول من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة.

لقد أصبح الصحفي اليوم بحاجة إلى مهارات لم تكن جزءًا من مهنته قبل سنوات قليلة. عليه أن يعرف كيف يتحقق من الصورة، وكيف يتتبع مصدر الفيديو، وكيف يكتشف الحسابات الآلية أو المنسقة، وكيف يفرق بين التفاعل العضوي والحملة المصطنعة. لم تعد الصحافة الرقمية مجرد نقل المحتوى إلى الإنترنت، بل صارت مواجهة مباشرة مع أدوات التزييف.

وسيزداد الأمر تعقيدًا مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي. فالحساب الوهمي في الماضي كان يحتاج إلى شخص يكتب منشوراته، أما اليوم فيمكن لبرمجيات أن تنتج آلاف النصوص والصور والتعليقات خلال وقت وجيز، وأن تقلد لهجات وأساليب لغوية مختلفة، وأن تصنع شخصيات رقمية كاملة تبدو مقنعة لمن يراها. وحين يدخل التزييف العميق في هذه المعادلة، يصبح لدينا صوت لم يقله صاحبه وصورة لم تحدث وحدث لم يقع، لكن ملايين البشر قد يرونه قبل أن تظهر الحقيقة.

وهنا تصبح التربية الإعلامية ضرورة وطنية وليست ترفًا ثقافيًا. لا يكفي أن يتعلم الصحفي التحقق، بل يجب أن يتعلم المواطن أيضًا كيف يشك في المحتوى الذي يستفزه بسرعة، وكيف يسأل عن المصدر قبل أن يضغط زر المشاركة، وكيف يدرك أن كل ما يظهر أمامه ليس واقعًا، بل قد يكون نتيجة خوارزمية اختارت له تحديدًا أكثر المواد إثارة.

المعركة ضد الكراهية الرقمية، إذن، ليست معركة الصحافة وحدها. هي معركة المدرسة والأسرة والجامعة والمؤسسة الإعلامية والمنصة الرقمية والمواطن. لأن التضليل ينجح فقط عندما يجد بيئة مستعدة لتصديقه، والكراهية تكبر عندما تجد من يعيد نشرها.

قد تبدو عبارة «إعلان الحرب على خطاب الكراهية» قوية ومشحونة، لكنها تحمل في جوهرها دلالة صحيحة: هناك بالفعل معركة، لكنها ليست بين المغرب وموريتانيا، ولا بين الصحفيين والمستخدمين، بل بين منطقين. منطق يريد تحويل المجال الرقمي إلى سوق للغضب والشائعات، ومنطق يريد إبقاءه فضاءً للنقاش والمعلومة والتواصل.

إن أخطر ما تفعله الحسابات الوهمية ليس أنها تكذب، بل أنها تدفعنا إلى أن نكره أشخاصًا لم نلتق بهم، وأن نخاف من شعوب لا نعرفها، وأن نبني أحكامًا على بشر كاملين اعتمادًا على منشور واحد. إنها تختصر العالم في استفزاز، وتختصر الإنسان في هوية، وتختصر العلاقة بين الشعوب في تعليق.

لهذا ينبغي أن يكون الموقف الصحفي المغربي الموريتاني بداية لا خاتمة. فالبيانات مهمة، لكن المطلوب هو تحويل هذه اليقظة إلى ممارسة يومية داخل غرف الأخبار، وإلى تعاون مهني مستمر، وإلى ضغط حقيقي على المنصات الرقمية، وإلى وعي جماعي بأن أخطر الحدود اليوم قد تكون تلك التي ترسمها الخوارزميات داخل عقولنا.

إن العلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تترك لمن لا نعرف أسماءهم، ولا لمن يختبئون خلف صور مزيفة، ولا لمن يبنون شهرتهم على شتم الآخرين. والمستقبل الرقمي لن يكون أقل صراعًا، بل أكثر، لذلك فإن الدفاع عن الحقيقة لم يعد مجرد فضيلة صحفية، بل صار شكلًا من أشكال الدفاع عن السلم الاجتماعي نفسه.


0 التعليقات: