الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 06، 2026

آثارنا التي تظل مستيقظة : عبده حقي


أفتح هاتفي فأشعر أحياناً أنني لا أمسك جهازاً صغيراً بيدي، بل أمسك أرشيفاً كاملاً لحياتي، أرشيفاً لا ينام ولا ينسى، مليئاً بصوري، وتعليقاتي، ورسائلي القديمة، ومواقعي التي زرتها، والأسماء التي بحثت عنها، والمقاطع التي توقفت عندها أكثر من اللازم، وحتى تلك النقرات العابرة التي كنت أظن أنها سقطت في الفراغ. كل شيء تقريباً ترك وراءه علامة، وكل علامة بدورها صارت جزءاً من صورة لا أملكها وحدي، بل تشارك في بنائها الخوادم والمنصات والخوارزميات وشركات الإعلانات ومحركات البحث.

كنت أتصور في البداية أن حضوري في العالم الرقمي يشبه مروري في شارع مزدحم، أقول شيئاً ثم أواصل السير، أضع صورة ثم تختفي بين ملايين الصور، أكتب رأياً غاضباً تحت خبر سياسي وأظن أن المسألة انتهت بمجرد إغلاق الشاشة. اكتشفت بعد سنوات أن الإنترنت لا يملك ذاكرة تشبه ذاكرتنا البشرية. الإنسان ينسى، يغفر أحياناً، يتراجع، يغير رأيه، ينضج، يخجل من نسخة قديمة من ذاته ويتركها خلفه. أما الشبكة فتمتلك قدرة غريبة على استدعاء الماضي في أكثر اللحظات حساسية.

كان بطلي في هذه الحكاية رجلاً عادياً، يمكن أن يكون أي واحد منا. سمّيته آدم، لا لأنه يمثل بداية بشرية جديدة، بل لأنه كان يعتقد أن العالم الرقمي يمنحه فرصة أخرى للبدء من الصفر. أنشأ حساباته الأولى بشيء من الحماس، نشر صوره، كتب آراءه، خاض سجالاته، شارك النكات الثقيلة أحياناً، وانجرف مرات كثيرة وراء الغضب السريع الذي تمنحه الشاشة للإنسان. لم يكن يشعر أنه يبني سجلاً، كان يظن أنه يعيش اللحظة فقط.

مرّت السنوات وتغير آدم كثيراً. أصبح أكثر هدوءاً، أكثر حذراً، وصار ينظر إلى بعض آرائه القديمة بوصفها أخطاء صريحة. حذف بعض المنشورات، أغلق حسابات مهجورة، وأقنع نفسه بأن ما اختفى من الشاشة اختفى من العالم.

ثم جاء اليوم الذي تقدم فيه إلى وظيفة كان ينتظرها منذ سنوات.

المقابلة الأولى كانت ممتازة. الثانية أكثر نجاحاً. بدا له أن الطريق أصبح مفتوحاً أخيراً. بعد أيام وصلته رسالة مقتضبة تشكره على اهتمامه وتخبره بأن الشركة قررت المضي مع مرشح آخر.

لم يفهم.

بعد أسبوع، اتصل به صديق يعمل داخل المؤسسة وقال له بصوت منخفض إن أحد مسؤولي التوظيف وجد منشورات قديمة تعود إلى أكثر من عشر سنوات. كلمات ساخرة، تعليقات حادة، وصورة من سهرة جامعية بدت خارج سياقها الأصلي أكثر قبحاً مما كانت عليه في لحظتها.

جلس آدم أمام شاشة حاسوبه وبدأ يبحث عن اسمه.

ما ظهر أمامه لم يكن الإنسان الذي يعرفه الآن، بل بقايا نسخ متعددة منه، متناقضة، متناثرة، بلا تواريخ نفسية ولا سياقات إنسانية. لقطة هنا، تعليق هناك، اسم مستخدم قديم، عضوية في منتدى نسي وجوده، صورة أعاد شخص آخر نشرها، تغريدة محفوظة في أرشيف، وتعليق كتبه وهو في الثالثة والعشرين وظل يطارده وهو في الأربعين.

هناك أدرك شيئاً مخيفاً: بصمتنا الرقمية لا تعكسنا بالضرورة، لكنها تستطيع أن تحكم علينا.

هذا هو التناقض الذي يزعجني في حياتنا الإلكترونية. نحن كائنات تتغير باستمرار، لكن أرشيف الإنترنت يميل إلى تثبيتنا داخل لحظة قديمة. قد نصبح أكثر نضجاً، أكثر رحمة، أكثر وعياً، لكن محرك البحث قادر على إعادة بعث النسخة التي تخلينا عنها منذ زمن.

ومن هنا تبدأ مشكلة أعمق من مجرد الخصوصية.

المسألة تتعلق بالهوية.

من أنا داخل العالم الرقمي؟ هل أنا آخر منشور كتبته؟ مجموع الصور التي رفعتها؟ الكلمات التي كتبتها وأنا غاضب؟ نتائج البحث عن اسمي؟ أم البيانات التي لا أراها أصلاً والتي تجمعها المنصات عني بصمت؟

نحن نعتقد غالباً أن بصمتنا الرقمية تتكون مما ننشره بإرادتنا، والحقيقة أنها أوسع كثيراً. كل موقع نزوره، وكل عملية شراء، وكل إعجاب، وكل مكان نتوقف فيه، وكل جهاز نتصل منه، يضيف طبقة جديدة إلى هذه الصورة الخفية.

الخوارزمية تعرف أحياناً اهتماماتنا قبل أن نعترف بها لأنفسنا.

تعرف نوع الأخبار التي تستفزنا، والموسيقى التي تجعلنا نبقى أطول، والمنتجات التي يمكن أن نشتريها، وربما اللحظة التي نكون فيها أكثر استعداداً لاتخاذ قرار عاطفي أو مالي.

في قصة آدم لم تكن المشكلة الكبرى في منشوراته القديمة، بل في الشعور الذي بدأ يطارده بعدها. صار يفكر قبل كل كلمة. حذف عشرات الصور. راجع حساباته واحداً واحداً. بدأ يعيش ما يشبه الرقابة الذاتية الدائمة.

كان يسأل نفسه قبل أن يكتب:

هل ستطاردني هذه الجملة بعد عشر سنوات؟

وهذا السؤال في حد ذاته مرعب.

فالإنسان الذي يعيش تحت ضغط مستقبل مجهول قد يفقد جزءاً من عفويته. وإذا أصبح كل رأي قابلاً للتحول إلى دليل أبدي ضد صاحبه، فإن المجتمع الرقمي قد يتحول تدريجياً إلى أرشيف ضخم للخوف.

لكن الجانب الآخر لا يقل أهمية. فالبصمة الرقمية ليست كلها شراً.

هي أيضاً ذاكرة.

بفضلها نستعيد صور أشخاص رحلوا، ونقرأ رسائل قديمة، ونجد مقالات كتبناها قبل سنوات، ونكتشف المسار الذي قطعناه. هناك لحظات أفتح فيها منشوراً قديماً فأشعر كأنني ألتقي بنسخة سابقة مني. أختلف معها، أبتسم لها، وربما أحن إليها.

المشكلة إذن ليست في الذاكرة الرقمية نفسها، بل فيمن يملك هذه الذاكرة، ومن يفسرها، ومن يستخدمها ضدنا أو لصالحنا.

آدم بدأ يفهم ذلك متأخراً.

قرر ألا يختفي من الشبكة، بل أن يعيد بناء حضوره فيها. نشر مقالات جديدة، وضع أعماله المهنية، تحدث عن اهتماماته الحقيقية، وترك الزمن الرقمي نفسه يعمل لصالحه. لم يستطع محو الماضي تماماً، لكنه استطاع أن يضيف إليه حاضراً أكثر قوة.

بعد عام تقريباً، تقدم إلى وظيفة أخرى.

هذه المرة بحث مسؤول التوظيف عن اسمه أيضاً.

وجد المنشورات القديمة، لكنه وجد معها عشرات النصوص الجديدة، والمشاريع التي أنجزها، والمقابلات التي شارك فيها، والآراء التي تعكس شخصيته الحالية.

حصل على الوظيفة.

لم ينتصر لأنه محا الماضي، بل لأنه منع الماضي من احتكار تعريفه.

هذه الفكرة تهمني أكثر من أي نصيحة تقنية حول الخصوصية. لا نستطيع دائماً إزالة آثارنا القديمة، لكننا نستطيع أن نواصل كتابة أنفسنا.

الإنترنت، في جوهره، لا يحمل ضميراً أخلاقياً. لا يعرف أن الإنسان يتغير. لا يميز تلقائياً بين زلة عابرة وقناعة راسخة. إنه يحتفظ فقط بما نعطيه له، ثم يعيد تقديمه بلا رحمة أحياناً.

لهذا علينا أن نعيش رقمياً بشيء من الوعي.

ليس بالخوف المستمر، وليس بالصمت، بل بإدراك أن كل فعل رقمي يمكن أن يعيش أطول مما نتوقع.

وأفكر أحياناً أن الإنسان المعاصر صار يترك وراءه نوعين من الآثار.

آثاراً على الأرض تمحوها الريح والمطر.

وآثاراً على الشاشات قد تبقى بعد رحيله بسنوات طويلة.

وربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى في عصرنا: أننا نحاول أن نعيش بسرعة، بينما كل شيء تقريباً يحتفظ بنا.

نحن نعبر العالم الرقمي معتقدين أننا نمضي إلى الأمام، لكن خلفنا طريقاً كاملاً من النقاط المضيئة يظل مفتوحاً لكل من يريد العودة إليه.

إنها آثارنا.

صورنا.

أصواتنا.

أخطاؤنا.

أفكارنا.

ونسخنا السابقة التي ترفض أن تموت.

ويبقى السؤال الذي يطاردني كلما أغلقت الشاشة:

هل نملك بصمتنا الرقمية، أم أنها أصبحت تملك جزءاً منا؟

بقلم الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: