خرج آلاف التونسيين إلى قلب العاصمة لأن الصبر الاجتماعي له حدود، ولأن الشعوب لا تستطيع أن تعيش طويلًا تحت ضغط الغلاء والبطالة وتراجع الخدمات واحتقان المجال السياسي في الوقت نفسه. في السبت 17 أكتوبر 2026، امتلأ شارع الحبيب بورقيبة بمتظاهرين جاؤوا من خلفيات نقابية وحقوقية وسياسية مختلفة، لكنهم التقوا عند معنى واحد: الوضع لم يعد قابلًا للتجميل بخطابات رسمية عن السيادة والاستقرار ومحاربة الفساد، بينما يواجه المواطن يوميًا أسعارًا مرتفعة، وقدرة شرائية تتآكل، وخدمات عمومية متعثرة، ومجالًا عامًا يزداد توترًا بفعل الملاحقات والقضايا والمحاكمات والجدل المتواصل حول حرية الصحافة والنشاط السياسي والنقابي.
أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وفق التقديرات التي نقلتها وكالات دولية، شاركوا في هذه التظاهرة التي ضمت الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات مدنية وحقوقية وأحزابًا معارضة. الرقم في حد ذاته ليس أهم ما جرى. قيمة الحدث تكمن في اجتماع قوى ظلت خلال السنوات الماضية متفرقة ومتصارعة ومختلفة، ثم وجدت اليوم أرضية مشتركة بعدما بدأت الأزمة الاقتصادية والحريات السياسية تضغطان معًا على المجتمع. المشهد يقول إن شيئًا عميقًا يتحرك في تونس، وأن الاحتقان تجاوز حدود النخب السياسية ليصل إلى الشارع وإلى مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والقطاعات المهنية.
تونس ليست أمام مشكلة غلاء أسعار عابرة، ولا أمام احتجاج سياسي محدود يمكن احتواؤه بتصريحات رسمية. البلاد تواجه أزمة مركبة تضرب في قلب العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالمواطن. فالإنسان الذي يصحو كل صباح ليحسب ثمن الخبز والنقل والدواء، ثم يجد نفسه مطالبًا بالصمت أمام التراجع في الحقوق والحريات، يشعر أن كرامته تُستنزف من جهتين: من السوق ومن السياسة. ومن هنا يصبح شعار الكرامة أكثر من كلمة؛ يصبح خلاصة يومية لحياة يزداد فيها الإحساس بالاختناق.
السلطة في تونس تحاول منذ سنوات تقديم نفسها بوصفها مشروعًا لإنقاذ الدولة من فساد الأحزاب ومن تشتت النظام السياسي الذي أعقب الثورة. هذا السرد يجد له صدى لدى جزء من المجتمع، ولا يمكن إنكار أن تجربة ما بعد 2011 حملت الكثير من الإخفاقات والانقسامات والصفقات والتحالفات الهشة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول معالجة تلك الإخفاقات إلى إعادة تركيز واسعة للسلطة، وإلى تضييق تدريجي للمجال السياسي والإعلامي، وإلى تحويل الخلاف مع السلطة إلى قضية أمنية أو قضائية. هنا ينتقل النقاش من إصلاح الدولة إلى طبيعة الدولة نفسها.
الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد منذ 2021 غيّرت المشهد السياسي جذريًا. تجميد البرلمان ثم حله، واعتماد دستور جديد يعزز صلاحيات الرئاسة، وإعادة تشكيل أجزاء واسعة من البناء المؤسساتي، كلها خطوات قدمتها السلطة باعتبارها ضرورية لمواجهة الفساد والشلل السياسي. غير أن المعارضين والمنظمات الحقوقية قرؤوا المسار في اتجاه آخر، ورأوا فيه انحسارًا للضوابط والتوازنات وتركزًا متزايدًا للقرار. هذا الخلاف لم يبق نظريًا. لقد دخل المحاكم والسجون وغرف الأخبار ومقار النقابات، ثم خرج إلى الشارع.
المشكلة بالنسبة إلى أي سلطة تبدأ عندما يصبح الأمن السياسي بديلًا عن الأمن الاجتماعي. المواطن لا يعيش من قوة الخطاب السياسي، بل من دخله وخدماته وفرص العمل المتاحة لأبنائه. يمكن للسلطة أن تنتصر في معركة خطابية ضد خصومها، لكنها تخسر الكثير عندما يعجز الناس عن موازنة ميزانياتهم المنزلية، أو عندما تصبح فاتورة الغذاء أكبر من قدرة الأسرة، أو عندما يتحول الحصول على الدواء والعلاج إلى مصدر قلق دائم. الاقتصاد لا يعرف الولاءات السياسية، والأسواق لا تستجيب للخطب، والبطالة لا تختفي بإدانة المعارضين.
ولهذا يبدو الجمع بين المطالب الاجتماعية والحقوقية في احتجاج 17 أكتوبر بالغ الدلالة. المتظاهرون لم يحملوا ملفًا واحدًا. رفعوا أصواتهم ضد غلاء المعيشة، وفي الوقت نفسه طالبوا بالحريات واحترام الحقوق والإفراج عن الموقوفين والدفاع عن استقلالية النقابات. هذه التركيبة من المطالب تشكل إنذارًا واضحًا لأي دولة: عندما يلتقي ألم الجيب مع ضيق السياسة، تصبح الأزمة أكثر قدرة على التوسع.
الاتحاد العام التونسي للشغل يعرف جيدًا معنى الشارع في تونس. هذه المنظمة لعبت أدوارًا تاريخية في السياسة والمجتمع، وشاركت في الرباعي الذي نال جائزة نوبل للسلام سنة 2015. وجود الاتحاد في قلب الاحتجاج يرفع مستوى الرسالة الموجهة إلى السلطة، لأن الاتحاد ليس حزبًا يبحث عن مقاعد انتخابية، بل مؤسسة تمتلك قواعد واسعة داخل الإدارات والمصانع والقطاعات المهنية. العلاقة المتوترة بين السلطة والنقابات إذا انتقلت من الخلاف السياسي إلى المواجهة الاجتماعية يمكن أن تدخل البلاد في مرحلة أكثر تعقيدًا.
تونس دفعت ثمنًا كبيرًا خلال العقد والنصف الماضي لأنها عاشت تناقضًا لم تُحل جذوره: فتحت أبواب السياسة لكنها لم تنجح في فتح أبواب الرفاه الاجتماعي بالسرعة نفسها. حصل الناس على انتخابات وحريات أوسع بعد 2011، لكنهم وجدوا أنفسهم بعد سنوات أمام بطالة وفوارق جهوية وتضخم وخدمات عمومية تعاني اختلالات مزمنة. ومع مرور الوقت بدأت قطاعات من المجتمع ترى الديمقراطية باعتبارها عملية سياسية لا تترجم إلى نتائج في الحياة اليومية. هذه كانت واحدة من أخطر الثغرات التي أضعفت النظام الذي ولد بعد الثورة.
لكن فشل الديمقراطية في تحقيق التنمية لا يبرر إضعاف الديمقراطية نفسها. هنا يقع الفخ الكبير. المجتمعات التي تعاني اقتصاديًا قد تبحث عن الرجل القوي أو السلطة المركزة اعتقادًا بأن الحسم السياسي سيقود إلى الحسم الاقتصادي. التاريخ مليء بأمثلة تثبت أن تركيز السلطة لا ينتج تلقائيًا نموًا ولا عدالة اجتماعية. بل إن غياب المحاسبة والشفافية والنقد الحر يمكن أن يجعل الأخطاء أكثر كلفة لأن المؤسسات تصبح أقل قدرة على تصحيح نفسها.
تونس تحتاج اليوم إلى اقتصاد منتج وإلى دولة قانون في آن واحد. الخيار بين الخبز والحرية خيار زائف. لا معنى لحرية سياسية في مجتمع تسحقه البطالة والفقر، ولا معنى لنمو اقتصادي لا يستطيع المواطن داخله أن ينتقد أو يحتج أو ينظم نفسه في نقابة أو حزب أو جمعية. الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الطرق والسدود والمشاريع، بل بقدرتها على حماية الحق في الاعتراض أيضًا.
الصحافة التونسية تعكس بوضوح مستوى القلق في المجال العام. خلال الأشهر والسنوات الماضية تصاعدت التقارير الحقوقية بشأن محاكمات صحفيين ومعارضين ونشطاء، في حين تقول السلطات إن القضاء مستقل وإن القضايا مرتبطة بمخالفات قانونية لا بالمواقف السياسية. هذا التباين يجب أن يبقى جزءًا من أي قراءة منصفة، لكنه لا يلغي حقيقة أساسية: عندما يشعر الصحفي أو المعارض أو النقابي بأن التعبير قد يقوده إلى القضاء أو السجن، تتغير طبيعة النقاش العام ويبدأ الناس في ممارسة الرقابة الذاتية على أنفسهم.
الدولة التي تثق في مؤسساتها لا تحتاج إلى الخوف من الصحافة. الحكومة التي تملك إجابات مقنعة عن الاقتصاد لا تخشى المعارضة. السلطة التي تتمتع بشرعية اجتماعية واسعة لا تحتاج إلى تحويل كل انتقاد إلى خصومة وجودية. قوة الدول لا تظهر في قدرتها على إسكات الأصوات المزعجة، بل في قدرتها على التعايش معها.
وفي الجهة الأخرى، المعارضة التونسية ليست معفاة من المسؤولية. جزء كبير من أزمة الثقة الحالية نتج أيضًا عن أداء أحزاب حكمت بعد الثورة ودخلت في صراعات وتحالفات قصيرة العمر، وبددت جزءًا مهمًا من رصيد الثقة الشعبية. من السهل اليوم رفع شعارات الديمقراطية، لكن المطلوب هو تقديم برنامج اجتماعي واقتصادي مقنع. المواطن الذي اكتوى من الغلاء لا ينتظر خطبًا أيديولوجية؛ يريد أن يعرف ماذا ستفعل المعارضة للبطالة والتعليم والصحة والاستثمار والدين العمومي.
الحراك الحالي يضع الجميع أمام الامتحان: السلطة والمعارضة والنقابات والمجتمع المدني. لا أحد يستطيع احتكار الحقيقة أو التحدث باسم الشعب كله. لكن تجاهل الرسالة القادمة من الشارع سيكون خطأ سياسيًا فادحًا. فكلما طالت المسافة بين المؤسسات والمجتمع، زادت احتمالات فقدان الثقة وتحول الغضب إلى أشكال أكثر حدة.
شارع الحبيب بورقيبة يحمل ذاكرة لا تستطيع تونس الهروب منها. هناك سقط النظام السابق سنة 2011 تحت ضغط شعار "الشعب يريد". وهناك أيضًا تشكل الحلم التونسي بدولة يستطيع المواطن أن يعيش فيها بكرامة ويعبّر فيها بحرية. خمسة عشر عامًا مرت، وما زالت الأسئلة الكبرى نفسها مطروحة: أين العمل؟ أين العدالة الاجتماعية؟ أين التنمية في المناطق الداخلية؟ أين استقلال المؤسسات؟ أين حرية الصحافة؟ أين التوازن بين الدولة القوية والمواطن الحر؟
السلطة يمكنها أن تقول إن البلاد مستهدفة وإن خصومها يريدون إضعاف الدولة، والمعارضة يمكنها أن تقول إن البلاد تنزلق نحو السلطوية. بين السرديتين توجد حياة ملايين التونسيين الذين لا يعيشون داخل الشعارات. يعيشون في الأسواق والمدارس والمستشفيات ووسائل النقل وأحياء المدن والقرى. هؤلاء هم المعيار الحقيقي لأي سياسة.
إذا استمرت كلفة المعيشة في الارتفاع، وإذا بقي الاستثمار ضعيفًا، وإذا تراجعت الخدمات، وإذا استمر الاحتقان حول الحريات، فإن الأزمة ستنتج المزيد من الغضب مهما كانت قوة الخطاب الرسمي. المجتمعات تصبر كثيرًا، لكنها لا تمنح شيكًا على بياض لأي سلطة.
المعادلة التونسية تحتاج إلى شجاعة سياسية من نوع مختلف: شجاعة الحوار لا شجاعة المواجهة، وشجاعة الاعتراف بالمشكلات لا شجاعة إنكارها، وشجاعة فتح المجال العام بدل إحكامه. معالجة الأزمة الاقتصادية تحتاج إصلاحات مؤلمة أحيانًا، لكنها تحتاج كذلك إلى ثقة اجتماعية. والثقة لا تُبنى في بيئة يشعر فيها الناس أن المجال السياسي يضيق.
تونس اليوم لا تحتاج معركة جديدة بين الدولة والمجتمع، بل تحتاج إعادة بناء الثقة بينهما. تحتاج نقاشًا حقيقيًا حول الاقتصاد والحريات والنقابات والقضاء والإعلام. وتحتاج سلطة تسمع أكثر مما تتكلم، ومعارضة تقدم بدائل بدل الاكتفاء بإدانة السلطة، ونقابات تدافع عن الشغيلة مع إدراك ضرورة الإصلاح.
احتجاج 17 أكتوبر لن يقلب المشهد وحده، لكنه كشف أن الشارع ما زال حاضرًا في المعادلة. وكشف أن ملفات المعيشة والحريات يمكن أن تجتمع في لحظة واحدة، وأن محاولة فصل أحدهما عن الآخر أصبحت أصعب من أي وقت مضى. فالمواطن الذي يخسر قدرته الشرائية يبدأ في سؤال السلطة، والمواطن الذي يشعر أن صوته محدود يبدأ في سؤال النظام السياسي، وعندما يلتقي السؤالان، تتحول الأزمة من ملف حكومي إلى أزمة ثقة وطنية.
تونس تملك تاريخًا سياسيًا واجتماعيًا غنيًا ومجتمعًا مدنيًا عريقًا ونقابات قوية ونخبًا ثقافية وقانونية فاعلة. هذه العناصر يمكن أن تكون جزءًا من الحل إذا فُتح أمامها المجال بدل معاملتها كخصوم. الدولة التي تستوعب المجتمع تصبح أقوى، والدولة التي تدخل في صراع دائم معه تستهلك نفسها في معارك داخلية.
الصورة القادمة من شارع الحبيب بورقيبة اليوم تقول إن التونسيين يريدون العيش بكرامة والتكلم بحرية في الوقت نفسه. لا يريدون الاختيار بين الأمن والحرية، ولا بين الخبز والديمقراطية. يريدون دولة تحميهم ولا تخنقهم، ودولة تدير الاقتصاد ولا تهرب من المحاسبة، ودولة قوية بالقانون لا بقوة الصمت.
هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى قصر قرطاج كما ينبغي أن تصل إلى المعارضة: تونس أكبر من كل طرف سياسي، وكرامة شعبها أكبر من كل حسابات السلطة والمعارضة. عندما يرتفع صوت الشارع، يصبح واجب السياسة أن تسمع، لا أن تفسر كل شيء باعتباره خصومة. فالشعوب قد تختلف في الانتخابات والبرامج والأحزاب، لكنها تتفق سريعًا عندما تصبح الحياة أثقل من قدرتها على الاحتمال.







0 التعليقات:
إرسال تعليق