الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 17، 2026

تحول صناعة الإعلانات الرقمية إلى بوابة للتجسس واختراق الهواتف؟ عبده حقي


لم يعد الإعلان الرقمي مجرد نافذة تجارية تظهر على شاشة الهاتف ثم تختفي بعد ثوان، ولم تعد المشكلة في أن إعلانًا عن فندق يلاحق المستخدم بعد بحث عابر عن مدينة سياحية، أو أن متجرًا إلكترونيًا يواصل عرض الحذاء نفسه أيامًا بعد زيارة واحدة لموقعه. القضية أصبحت أخطر بكثير، لأن التحقيقات التقنية التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة أكدت أن البنية الإعلانية التي تجمع البيانات وتتعرف إلى الأجهزة وتحدد الجماهير يمكن أن تتحول، إذا وقعت في أيدي جهات متخصصة، إلى أداة للتتبع والاستطلاع واختيار الأهداف وربما إلى حلقة داخل سلسلة تنتهي باختراق الهاتف نفسه. هذا التحول ينبغي أن يخرج النقاش من دائرة الشكوى التقليدية من الإعلانات المزعجة إلى سؤال أكثر جدية: ماذا يحدث فعلًا خلف الشاشة كلما ظهر إعلان، ومن يعرف أن هذا الجهاز يعود إلى هذا الشخص، ومن يملك القدرة على استخدام تلك المعرفة في غير ما أُعلن عنه أصلًا؟

على مدى سنوات طويلة، بنت شركات التكنولوجيا العملاقة جزءًا مهمًا من أرباحها على نموذج بسيط في ظاهره ومعقد في نتائجه: تقديم خدمات مجانية أو شبه مجانية، ثم جمع كميات هائلة من البيانات التي تسمح بفهم المستخدم واستهدافه إعلانيا بأكبر قدر ممكن من الدقة. ومع الوقت أصبحت معرفة المستخدم هدفًا اقتصاديًا قائمًا بذاته. لم تعد الشركات بحاجة فقط إلى معرفة أن هناك شخصًا يريد شراء سيارة، بل تريد معرفة عمره التقريبي، وموقعه، ونوع هاتفه، وما المواقع التي يزورها، وما الذي يقرأه، وما الذي يشاهده، ومتى يكون أكثر استعدادًا للنقر، وما المنتجات التي بحث عنها سابقًا، وما إذا كان يتنقل بين هاتف وحاسوب، وربما أين يقضي معظم وقته. هذه التفاصيل لا تظهر للمستخدم أثناء تصفحه، لكنها تتحول في الخلفية إلى ملفات سلوكية دقيقة تستخدم في مزادات إعلانية سريعة للغاية تجري خلال أجزاء من الثانية، وفي كل مرة يحدث ذلك يصبح المستخدم أقرب إلى أن يكون رقمًا معروف الخصائص داخل سوق هائلة للانتباه والبيانات.

المشكلة تبدأ عندما تتجاوز هذه المعرفة أغراض التسويق. ما كشفته أبحاث الأمن السيبراني أخيرًا هو أن المنظومة التي تسمح بالإجابة عن سؤال "أي إعلان يجب أن يظهر لهذا المستخدم؟" يمكن أن تساعد أيضًا على الإجابة عن أسئلة من نوع مختلف تمامًا: ما نوع جهازه؟ أين يوجد؟ هل يمكن التعرف إلى الجهاز نفسه مرة أخرى؟ وهل يمكن استهدافه بمحتوى تقني مصمم خصيصًا؟ هنا تصبح المسافة بين الإعلان والتجسس قصيرة على نحو مقلق. فالإعلان في هذه الحالة لا يكون مجرد رسالة تسويقية، بل قد يتحول إلى وسيلة وصول إلى جهاز محدد أو إلى مرحلة استطلاع تسبق محاولة اختراقه. وهذا هو التحول الذي يجعل القضية أمنية بقدر ما هي اقتصادية، لأن أي بنية تستطيع تمييز جهاز بعينه داخل ملايين الأجهزة تمتلك قيمة كبيرة ليس فقط للمعلنين، بل أيضًا لكل جهة تبحث عن أهداف بعينها.

لوقت طويل كان الحديث عن الإعلانات الخبيثة يرتبط بحالات معروفة نسبيًا، مثل إعلان مزيف يدفع المستخدم إلى موقع احتيالي أو يجعله يحمل ملفًا مصابًا ببرمجية ضارة. في هذا النموذج كان المستخدم مطالبًا بالانتباه وعدم النقر على الروابط المشبوهة. لكن التطور التقني جعل المسألة أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع الحديث عن هجمات "صفر نقرة" التي لا تتطلب دائمًا قيام المستخدم بفعل مباشر. هذا النوع من الهجمات يغير طبيعة المسؤولية، لأنه يعني أن الحذر الشخصي لم يعد كافيًا في كل الحالات، وأن تحديث الهاتف باستمرار أو عدم الضغط على الروابط الغريبة، على أهميتهما، لا يوفران وحدهما إجابة على مشكلة بنيوية تتصل بكيفية تصميم أنظمة الإعلان والتتبع نفسها.

وهنا لا يمكن لشركات التكنولوجيا الكبرى أن تتصرف وكأن الأمر لا يعنيها. هذه الشركات لم ترث نظامًا جاهزًا لا تعرف كيف يعمل، بل كانت من أبرز من بنى اقتصاد الإعلانات الرقمية وطوّر آليات الاستهداف ووسع القدرة على جمع البيانات وربطها وتحليلها. وقدمت هذه القدرات لسنوات باعتبارها إنجازًا في الكفاءة والذكاء التجاري، لكن اللحظة التي تظهر فيها مخاطر أمنية حقيقية لا يمكن فيها اختزال المسؤولية في القول إن بعض الأطراف أساءت استخدام المنظومة. المنصة التي تستفيد من جمع البيانات، والشبكة التي تدير المزايدات، والشركة التي تربح من دقة الاستهداف، كلها مطالبة بأن تتحمل جزءًا من مسؤولية التأكد من أن هذه القدرات لا تتحول إلى باب مفتوح أمام التجسس أو الهجوم السيبراني.

المفارقة أن شركات التكنولوجيا تريد في كثير من الأحيان الاحتفاظ بكل مزايا الحجم عندما يكون الحديث عن الأرباح، لكنها تتحول إلى "وسيط تقني" عندما يظهر الحديث عن المسؤولية. تكون عملاقة عندما تفاوض الحكومات وتحدد شروط السوق وتجمع البيانات من مئات الملايين أو المليارات، لكنها تتحدث بلغة محدودة للغاية عندما يتعلق الأمر بالسؤال عن مصير هذه البيانات أو كيفية إساءة استخدامها. هذا التناقض لم يعد مقبولًا، خصوصًا أن الهاتف اليوم لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبح بنكًا ومكتبًا وألبوم صور وبريدًا إلكترونيًا ومفتاحًا لحسابات عديدة وذاكرة يومية لصاحبه. اختراق هاتف واحد قد يكشف تفاصيل لا يمكن أن توفرها سنوات من المراقبة التقليدية.

ومن هنا فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن ينحصر في "خصوصية المستخدم" بالمعنى الناعم الذي اعتادت الشركات استعماله في بياناتها، بل ينبغي أن يصل إلى الأمن الشخصي والأمن الوطني والمسؤولية القانونية. عندما تتحول بيانات الإعلانات إلى مادة يمكن بواسطتها تحديد أهداف أو تتبع أجهزة، يصبح السؤال متعلقًا بمن يملك الوصول إلى هذه البيانات، ولأي مدة، ومن يستطيع شرائها، وهل تنتقل بين شركات متعددة، وما إذا كانت هناك رقابة على المشترين، وما إذا كان المستخدم يستطيع أصلًا معرفة من احتفظ بمعلومات عنه. هذه الأسئلة ما زالت غامضة بالنسبة إلى المواطن العادي، وهو غموض يخدم الصناعة أكثر مما يخدم المجتمع.

أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق هو تعدد الوسطاء الذين يعملون خلف الإعلانات. المستخدم يرى موقعًا أو تطبيقًا واحدًا، لكنه قد لا يرى عشرات الأطراف التي تشارك في اختيار الإعلان أو قياس فعاليته أو تحليل الجمهور. هناك شبكات إعلانية، ومنصات مزايدة، وشركات تحليل، وسماسرة بيانات، ومزودو تقنيات تتبع، وشركات قياس، وكل طبقة إضافية تعني أن المعلومات تتحرك في دائرة أوسع. وكلما اتسعت دائرة التداول، زادت احتمالات التسريب أو إساءة الاستخدام أو الوصول غير المشروع. وفي هذا السياق تصبح العبارة الشهيرة "لقد وافقت على الشروط" أقرب إلى حجة شكلية، لأن المستخدم لا يعرف عمليًا المسار الذي ستسلكه البيانات بعد الضغط على زر الموافقة.

هذا الواقع يفرض أيضًا إعادة النظر في الدور التشريعي للحكومات. لقد تأخرت القوانين في كثير من الدول عن مواكبة ما يحدث تقنيًا، ولم يعد كافيًا إصدار نصوص عامة حول حماية البيانات ثم ترك التنفيذ ضعيفًا أو بطيئًا. صناعة الإعلانات تتحرك بسرعة هائلة، بينما تحتاج القوانين سنوات حتى تُعتمد، وخلال هذه السنوات تكون الشركات قد غيرت أدواتها وتقنياتها وربما تجاوزت الإشكال الذي حاول المشرع تنظيمه. لذلك فإن الرقابة لا ينبغي أن تعتمد فقط على قوانين جامدة، بل تحتاج إلى هيئات تقنية قوية وقادرة على إجراء تدقيق مستمر، ومطالبة الشركات بالكشف عن آليات الاستهداف، والتحقق من الجهات التي تحصل على البيانات، وفرض عقوبات حقيقية عند وقوع تجاوزات.

الغرامات وحدها قد لا تكون كافية أيضًا، خاصة عندما تكون الشركة المعنية تحقق أرباحًا بمليارات الدولارات. إذا كانت العقوبة أقل من المكاسب الناتجة عن جمع البيانات أو استغلالها، فإنها تتحول عمليًا إلى تكلفة إضافية داخل ميزانية ضخمة. لذلك فإن النقاش يجب أن يشمل قيودًا تشغيلية، ووقف بعض الممارسات عند الضرورة، وإلزام الشركات بحذف البيانات التي لا مبرر للاحتفاظ بها، وفرض مسؤولية مباشرة على الإدارات التي تسمح بانتهاكات متكررة. من دون ذلك ستظل قواعد الخصوصية مجرد نصوص جيدة على الورق لا تغير جوهر نموذج الأعمال.

كما ينبغي فتح ملف سماسرة البيانات بصورة أكثر صراحة. هذه الشركات لا تحظى بالشهرة نفسها التي تحظى بها المنصات العالمية، لكنها تلعب دورًا شديد الحساسية لأنها تجمع وتشتري وتعيد بيع بيانات عن الأفراد، وقد يكون بينها معلومات عن المواقع والاهتمامات والعادات وحتى أنماط التنقل. المواطن لا يعرف غالبًا أسماء هذه الشركات، ولا يعرف إن كان موجودًا في قواعد بياناتها، ولا يعرف من يشتري تلك المعلومات لاحقًا. هنا يظهر أكثر جوانب الاقتصاد الرقمي قسوة: الإنسان قد يتحول إلى منتج يتم بيعه وتداوله من دون أن يعرف حتى السوق التي يعرض فيها.

في المغرب وبقية المنطقة العربية، تستحق هذه القضية نقاشًا مبكرًا لا متأخرًا. الرقمنة تتوسع بسرعة، والخدمات البنكية تنتقل إلى الهاتف، والإدارات تعتمد منصات رقمية، والتجارة الإلكترونية تنمو، والدفع الإلكتروني ينتشر، والذكاء الاصطناعي يدخل المؤسسات. هذا التطور مطلوب ومفيد، لكنه يعني في الوقت نفسه أن حياة المواطن ستنتج بيانات أكثر من أي وقت مضى. وإذا لم تتطور أدوات الحماية والرقابة بالتوازي، فإن التحول الرقمي قد يصنع هشاشة جديدة بدل أن يقتصر على تحسين الخدمات. لا يكفي الحديث عن السيادة الرقمية من زاوية مراكز البيانات والاستثمارات التقنية، بل ينبغي أن تشمل السيادة سؤالًا أبسط وأكثر حساسية: من يعرف ماذا عن المواطن، وأين توجد تلك المعلومات، ومن يستطيع الوصول إليها؟

ولا يجوز كذلك تحميل المستخدم المسؤولية كلها. صحيح أن تحديث الهاتف، وتعطيل بعض خصائص التتبع، وتقليل صلاحيات التطبيقات، ومراجعة إعدادات الخصوصية، كلها إجراءات ضرورية، لكنها لا تعالج أصل المشكلة. المواطن لا يمكن أن يواجه بمفرده نظامًا تقنيًا كاملًا صممته شركات عملاقة تمتلك قدرات مالية وهندسية لا تقارن بقدرة الفرد. المطلوب هو أن تكون الحماية مدمجة في التصميم نفسه، وأن يتم جمع أقل قدر ممكن من المعلومات، وأن تكون مدة الاحتفاظ محدودة، وأن يكون استخدام البيانات واضحًا ومبررًا، وأن يمنع بيع المعلومات الحساسة أو تداولها خارج نطاق شديد الضبط.

الخطر الحقيقي في صناعة الإعلانات الرقمية اليوم لا يكمن في أنها تعرف أن شخصًا ما يحب السفر أو السيارات أو الكتب، بل في أن القدرة على تكوين صورة دقيقة عن المستخدم قد تتحول إلى مفتاح لأغراض أبعد من الإعلان. ما يبدأ بمعلومة عن الموقع يمكن أن يرتبط بنوع الجهاز، وما يبدأ بمعرف إعلاني يمكن أن يرتبط بسلوك متكرر، وما يبدأ بملف استهلاكي قد ينتهي بصورة شبه كاملة عن صاحب الهاتف. وعندئذ يصبح السؤال غير متعلق بما إذا كان الإعلان مناسبًا أو مزعجًا، بل بمن يملك هذه الصورة ولأي غرض سيستخدمها.

لقد أصبح من الضروري التعامل مع هذا الملف بلا تهويل ولكن أيضًا بلا سذاجة. ليس كل إعلان أداة تجسس، وليس ظهور إعلان على الهاتف دليلًا على حدوث اختراق، لكن المؤكد أن بنية الإعلان الرقمي أصبحت تملك من المعلومات والدقة والقدرة على الوصول ما يجعلها قابلة للاستغلال في اتجاهات خطيرة. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لفرض مراجعة شاملة للقواعد التي تحكم السوق.

الإعلان الرقمي بدأ كوسيلة لمعرفة ما الذي يمكن بيعه للمستهلك، ثم تطور إلى منظومة لمعرفة من هو هذا المستهلك، وأين يوجد، وما الجهاز الذي يستخدمه، وما الذي يلفت انتباهه. وإذا استمر هذا التوسع بلا حدود واضحة، فإن الانتقال من الاستهداف التجاري إلى المراقبة التقنية لن يكون قفزة بعيدة، بل امتدادًا منطقيًا لبنية تم تصميمها منذ البداية على أساس معرفة المستخدم بأكبر قدر ممكن من التفصيل.

هذه هي القضية التي ينبغي أن تضعها شركات التكنولوجيا والحكومات والمشرعون أمامهم بجدية: لم تعد البيانات مجرد وقود للإعلانات، بل أصبحت جزءًا من الأمن. ولم تعد الخصوصية رفاهية شخصية، بل شرطًا من شروط المواطنة الرقمية. ولم يعد من المقبول أن تبقى الأنظمة التي تعرف كل شيء تقريبًا عن الأفراد خارج مساءلة حقيقية تتناسب مع حجم قوتها.

في النهاية، لا تكمن المشكلة في إعلان يظهر ثم يختفي، بل في الجهاز الاقتصادي والتقني الذي يقف وراءه، وفي قدرته على تحويل تفاصيل صغيرة متناثرة إلى صورة دقيقة عن الإنسان. فإذا ظلت هذه القدرة بلا حدود وبلا رقابة، فإن الإعلان الذي يعرف ماذا تريد شراءه اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من منظومة تعرف أين توجد، وما الجهاز الذي تحمله، وكيف يمكن الوصول إليك. وعند تلك النقطة لن يكون الحديث عن التسويق، بل عن حدود القوة الرقمية في حياة الناس.



0 التعليقات: