الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 17، 2026

بعد صورة الترسيم التاريخية ما الذي ستغيره حكومة المنصوري؟ عبده حقي


لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية مجرد انتقال عادي للسلطة التنفيذية من رئيس حكومة إلى آخر، ولا مجرد لحظة بروتوكولية تضاف إلى أرشيف الصور الرسمية، بل كان حدثًا سياسيًا ورمزيًا كبيرًا سيظل حاضرًا في تاريخ المغرب المعاصر باعتباره المرة الأولى التي تصل فيها امرأة إلى رئاسة الحكومة. وقد تابعت، مثل كثير من المغاربة، موجة التهاني والاحتفاء التي رافقت هذا الحدث، كما تابعت في الآن نفسه موجة الأسئلة والشكوك والتحفظات التي ظهرت فورًا في الصحافة وفي شبكات التواصل الاجتماعي، فبدا لي أن المغرب دخل، منذ اللحظة الأولى لتعيين المنصوري، في اختبار يتجاوز بكثير مسألة النوع الاجتماعي أو هوية الشخص الذي يقود الحكومة.

أنا لا أستخف إطلاقًا بالقيمة الرمزية لهذا التعيين. أن تصل امرأة إلى رئاسة الحكومة في بلد عربي وإسلامي مثل المغرب هو في حد ذاته تحول يستحق التوقف عنده. فالسياسة المغربية، مثل معظم الحياة السياسية العربية، ظلت تاريخيًا مجالًا رجاليًا بامتياز، وكان حضور النساء فيها غالبًا محدودًا أو ثانويًا أو مرتبطًا بوزارات بعينها. واليوم، عندما تصبح امرأة في قمة الجهاز التنفيذي، فإن ذلك يبعث رسالة قوية إلى أجيال من المغربيات مفادها أن الوصول إلى أعلى مواقع القرار لم يعد مستحيلًا من حيث المبدأ.

لكنني، في الوقت نفسه، أرفض أن يتحول هذا البعد الرمزي إلى ستار يحجب عنا السؤال الأهم: ماذا ستفعل هذه الحكومة فعليًا؟

فالسياسة لا تُقاس بالرموز وحدها، والنجاح لا يُختزل في كون رئيس الحكومة رجلًا أو امرأة، شابًا أو مسنًا، حزبيًا أو تكنوقراطيًا. المواطن يريد نتائج ملموسة. يريد أن يشعر أن دخله أصبح أكثر قدرة على مواجهة الغلاء، وأن المستشفى لم يعد فضاءً للانتظار الطويل والقلق، وأن المدرسة العمومية استعادت جزءًا من جاذبيتها، وأن أبناءه لم يعودوا يعتبرون الهجرة الحل الوحيد للخروج من البطالة وانسداد الأفق.

وهنا تبدأ بالنسبة إليّ القراءة الحقيقية لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري.

أول ما لفت انتباهي في النقاش الذي رافق تشكيل الحكومة هو أن الاحتفاء التاريخي لم يستمر طويلًا في حالته العاطفية الخالصة. فبمجرد الإعلان عن التشكيلة الحكومية، انتقل النقاش بسرعة من السؤال: "هل نحن أمام أول امرأة تقود الحكومة؟" إلى سؤال أكثر واقعية: "هل نحن أمام حكومة جديدة بالفعل؟"

هذا التحول في النقاش مهم للغاية.

فالحكومة الجديدة جمعت بين وجوه جديدة ووزراء حافظوا على مواقعهم وشخصيات سبق لها أن تحملت مسؤوليات حكومية في مراحل سابقة. وهنا ظهر الجدل التقليدي في الحياة السياسية المغربية حول الفرق بين الاستمرارية والتجديد. أنصار الاستمرارية يرون أن الدولة لا يمكن أن تدار بمنطق القطيعة المطلقة، وأن تراكم الخبرة داخل الوزارات والمؤسسات ضروري لضمان استقرار السياسات العمومية. أما منتقدو الحكومة فيرون أن شعار التغيير يفقد جزءًا من معناه عندما نجد عددًا معتبرًا من الوجوه نفسها أو من النخب التي سبق أن جُربت.

وأنا أعتقد أن الحقيقة لا توجد بالكامل في أي من الطرفين.

ليست المشكلة في بقاء وزير أو رحيل وزير. المشكلة الحقيقية هي: هل ستتغير السياسات؟

فيمكن أن يأتي وزير جديد ويواصل السياسة القديمة نفسها، ويمكن أن يبقى وزير سابق لكنه يغيّر منهج العمل جذريًا. لذلك، إذا أردنا أن نحكم على الحكومة بجدية، فعلينا ألا نسقط في فخ الأسماء فقط، بل أن ننظر إلى طريقة إدارة الملفات الكبرى وإلى نوعية القرارات التي ستتخذها.

ومن بين أكثر الجوانب التي تستحق التأمل في الحكومة الجديدة طبيعة تحالفها السياسي. فاختيار الأصالة والمعاصرة العمل إلى جانب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أعاد إلى الواجهة سؤال الانسجام الإيديولوجي والسياسي داخل الأغلبية. هذه أحزاب لها تواريخ مختلفة، وثقافات تنظيمية متباينة، ومواقع اجتماعية وانتخابية ليست متطابقة.

هل يمكن لهذه الأحزاب أن تنتقل من مجرد تجميع للأصوات داخل البرلمان إلى أغلبية سياسية حقيقية؟

بالنسبة إليّ، هذه واحدة من أهم نقاط الاختبار. لأن الحكومات لا تنهار فقط بسبب ضعف البرامج، بل أحيانًا بسبب ضعف الانسجام الداخلي. إذا أصبحت كل وزارة تشتغل بمنطق الحزب الذي يديرها، وتحولت الحكومة إلى مجموعة جزر منفصلة، فسيكون المواطن هو الخاسر الأول. أما إذا تمكنت رئيسة الحكومة من بناء قيادة سياسية موحدة وبرنامج واضح يلتزم به الجميع، فقد تتحول هذه التعددية إلى مصدر قوة بدل أن تصبح مصدر صراع.

ومن بين الملفات التي أثارت اهتمامي كذلك حضور الذكاء الاصطناعي والرقمنة داخل بنية الحكومة الجديدة. إن إدراج هذا المجال بشكل واضح في الهيكلة الحكومية ليس أمرًا تقنيًا بسيطًا كما قد يبدو. نحن أمام تحول عالمي كبير يجعل من البيانات والخوارزميات والبنية الرقمية عناصر أساسية في الاقتصاد والتعليم والأمن والإدارة والإعلام.

وأنا أرى أن المغرب لا يستطيع التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة لتحسين الخدمات الإدارية أو رقمنة بعض الوثائق. المسألة أكبر من ذلك بكثير. نحن أمام سؤال السيادة الرقمية، وسؤال ملكية البيانات، وسؤال موقع الجامعات المغربية في البحث العلمي، وسؤال فرص العمل التي ستختفي وأخرى ستظهر، وسؤال الشركات الوطنية وقدرتها على المنافسة في اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على المعرفة والبرمجيات والخوارزميات.

إذا نجحت الحكومة الجديدة في تحويل ملف الذكاء الاصطناعي من شعار عصري إلى سياسة استراتيجية حقيقية، فقد يكون ذلك واحدًا من أهم تحولات هذه المرحلة. أما إذا اقتصر الأمر على تسمية جديدة داخل الهيكل الحكومي، فسوف تضيع فرصة ثمينة.

لكن رغم كل هذه الملفات الجديدة، فإنني أعتقد أن ما سيحدد مستقبل الحكومة ليس التكنولوجيا، بل الاقتصاد الاجتماعي اليومي للمغاربة.

القدرة الشرائية أصبحت بالنسبة إلى المواطن المغربي معيارًا أساسيًا للحكم على أي حكومة. لا تكفي المؤشرات الاقتصادية الكبرى ولا التصريحات المتفائلة إذا كان المواطن يشعر كل يوم بأن المواد الأساسية أصبحت أكثر كلفة، وأن السكن أصعب، وأن العلاج أثقل على الميزانية، وأن الأسر المتوسطة أصبحت تعيش ضغطًا ماليًا متزايدًا.

الحكومة الجديدة ستدخل إذن إلى امتحان لا يرحم: امتحان الأسعار.

وإلى جانبه يوجد امتحان التشغيل. الشباب المغربي لا يحتاج إلى خطابات طويلة عن المستقبل، بل إلى فرص حقيقية. بلد يتوفر على جامعة تتخرج منها آلاف الكفاءات سنويًا لا يمكن أن يستمر في إنتاج جيوش من العاطلين أو من العاملين في وظائف لا علاقة لها بتخصصاتهم.

وهنا ستُقاس جدية الحكومة: هل ستكتفي بإدارة البطالة أم ستنتقل إلى صناعة فرص العمل؟

هناك فرق كبير بين الأمرين.

إدارة البطالة تعني برامج دعم مؤقتة وتدابير ظرفية. أما صناعة فرص العمل فتعني إصلاح التعليم، وتحفيز الاستثمار، وربط الجامعة بالاقتصاد، وتشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وفتح مجالات جديدة في التكنولوجيا والصناعة الخضراء والصناعات الثقافية والسياحة والخدمات المتقدمة.

وأنا مقتنع بأن الحكومة لن تنجح إذا لم تجعل التشغيل محورًا مركزيًا في مشروعها.

لكن الملفات الاجتماعية لا تنتهي هنا.

الصحة العمومية ستكون بدورها معيارًا أساسيًا. فالمغربي لا يهتم كثيرًا بالهندسة الوزارية عندما يكون أمام باب المستشفى يبحث عن موعد أو علاج أو دواء. لذلك فإن أي حديث عن دولة اجتماعية سيفقد معناه إذا لم يشعر المواطن بفرق واضح في جودة الخدمات الصحية وفي سرعة الولوج إليها وفي توزيعها العادل بين المدن والقرى.

والأمر نفسه ينسحب على التعليم.

سنوات طويلة من الإصلاحات والبرامج والاستراتيجيات جعلت المغاربة يسمعون كثيرًا عن "إصلاح المدرسة"، لكنهم يريدون اليوم أن يروا النتائج داخل القسم. يريدون أستاذًا يحظى بالتقدير، وتلميذًا يتعلم فعلًا، ومدرسة عمومية قادرة على المنافسة، وجامعة تنتج المعرفة بدل أن تتحول إلى محطة انتظار للبطالة.

لهذا، عندما أنظر إلى حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لا أراها فقط حكومة أول امرأة رئيسة للوزراء. أراها حكومة ستُختبر في قدرة الدولة على تجديد الثقة في الخدمات العمومية.

وهنا تظهر قضية أخرى أكثر حساسية: الثقة السياسية.

جزء من الشباب المغربي أصبح بعيدًا عن الأحزاب والانتخابات والمؤسسات. وهذه ليست مشكلة تقنية، بل أزمة سياسية حقيقية. فإذا لم يشعر المواطن بأن صوته يمكن أن يغيّر شيئًا، وأن البرلمان يناقش قضاياه الفعلية، وأن الحكومة تستمع إليه، وأن الأحزاب تفتح أبوابها للكفاءات الجديدة، فإن المسافة بين المجتمع والسياسة ستتسع أكثر.

قد تكون فاطمة الزهراء المنصوري أمام فرصة خاصة في هذا المجال. كونها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة يمنحها رصيدًا رمزيًا يمكن استخدامه لإعادة فتح قنوات التواصل مع فئات واسعة من الشباب والنساء.

لكن هذا الرصيد ليس دائمًا.

إذا لم يتحول إلى سياسة تواصلية صريحة وإلى قرارات واضحة وإلى اعتراف بالأخطاء عند وقوعها، فسوف يذوب بسرعة.

وأعتقد أن من أكبر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها الحكومة الجديدة أن تنغلق داخل لغة تقنية وبيروقراطية لا يفهمها المواطن. السياسة تحتاج إلى شرح، وإلى نقاش، وإلى مواجهة الأسئلة الصعبة.

ومن هنا تأتي أهمية المعارضة.

وجود أحزاب كبيرة ومختلفة خارج الحكومة قد يخلق مشهدًا برلمانيًا أكثر حيوية. وقد نشهد معارضة متنوعة تجمع تيارات سياسية مختلفة للغاية. هذا يمكن أن يكون صحيًا إذا تحول إلى رقابة حقيقية على العمل الحكومي وإلى تقديم بدائل ومقترحات.

أما إذا أصبح النقاش مجرد تبادل للاتهامات والشعارات، فلن يستفيد أحد.

الديمقراطية لا تحتاج إلى حكومة قوية فقط، بل تحتاج أيضًا إلى معارضة قوية ومسؤولة وإعلام مهني ومجتمع مدني يقظ.

ومن زاوية أخرى، لا يمكنني قراءة هذه الحكومة من دون التوقف عند موقع المرأة فيها.

إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة إنجاز رمزي كبير، لكن من الظلم في الوقت نفسه تحميل فاطمة الزهراء المنصوري وحدها مسؤولية حل كل قضايا النساء في المغرب.

هي رئيسة حكومة لكل المغاربة.

لكن وجودها في هذا الموقع يفرض بالطبع مسؤولية إضافية تتعلق بترجمة مبادئ المساواة إلى سياسات ملموسة: مواجهة العنف ضد النساء، وتقليص الفوارق في التشغيل، وتعزيز المشاركة السياسية، وتطوير اقتصاد الرعاية، وضمان تكافؤ الفرص.

وسيكون من المؤسف أن نحتفل بوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة بينما تبقى ملايين النساء خارج سوق العمل أو في أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة.

لذلك فإن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لن تكون فقط في الصورة التاريخية للتعيين، بل في ما إذا كانت هذه الصورة ستفتح الباب أمام تغير أعمق في الثقافة السياسية والاجتماعية.

ومع ذلك، أعتقد أن أخطر شيء يمكن أن يحدث الآن هو تحويل الحكومة الجديدة إلى موضوع احتفاء مطلق أو إلى هدف لهجوم مطلق قبل أن تبدأ فعليًا.

أنا أفضل الانتظار والمراقبة.

لا أريد أن أصفها مسبقًا بأنها حكومة التغيير ولا أريد أن أحكم عليها مسبقًا بأنها استمرار لما قبلها.

السياسة الجادة تحتاج إلى مؤشرات.

سنحتاج إلى متابعة ما ستفعله في الشهور الأولى: ما القرارات التي ستتخذها بخصوص الأسعار؟ ماذا ستفعل في ملف التشغيل؟ كيف ستتعامل مع إصلاح الصحة؟ ماذا ستغير في المدرسة؟ هل ستفتح ملفات الحكامة والشفافية؟ كيف ستدير الاستثمار؟ ما موقع الثقافة والإعلام في رؤيتها؟ وماذا ستفعل في مجال الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية؟

هذه هي الأسئلة التي ستعطي معنى حقيقيًا للحكومة.

أما اليوم، فإن الصورة بالنسبة إليّ واضحة: نحن أمام لحظة تاريخية من الناحية الرمزية، لكننا لم ندخل بعد لحظة الحكم السياسي.

فاطمة الزهراء المنصوري صنعت بالفعل سابقة بوصولها إلى رئاسة الحكومة، لكن النجاح السياسي لا يمنحه التاريخ مسبقًا لأي شخص.

إنه يُبنى بالقرارات.

وأعتقد أن المواطن المغربي، بعد سنوات طويلة من الوعود والخطط والاستراتيجيات، أصبح أكثر واقعية. لن يكفي أن يسمع عبارات جميلة عن الإصلاح. يريد أن يلمس التغيير في حياته اليومية.

سيحكم على الحكومة في السوق.

وسيحكم عليها في المستشفى.

وسيحكم عليها في المدرسة.

وسيحكم عليها في فرصة العمل.

وسيحكم عليها في الإدارة.

وسيحكم عليها في المسافة بين القرى والمدن.

وسيحكم عليها في درجة شعوره بالعدالة والكرامة.

لهذا أرى أن أكبر تحد تواجهه فاطمة الزهراء المنصوري ليس أن تثبت أن المرأة تستطيع قيادة الحكومة؛ فمجرد وصولها إلى هذا الموقع حسم هذا النقاش إلى حد بعيد.

التحدي الحقيقي هو أن تثبت أن السياسة نفسها ما زالت قادرة على تغيير حياة الناس.

وإذا نجحت في ذلك، فإن قيمتها التاريخية لن تكون فقط أنها كانت أول امرأة تقود الحكومة المغربية، بل أنها قادت مرحلة استطاعت فيها الدولة والمجتمع استعادة جزء من الثقة المفقودة.

أما إذا بقيت الأمور على حالها، فلن تنقذها الرمزية مهما كانت قوية.

فالتاريخ يحتفظ بالصور، لكنه يحكم بالنتائج.


0 التعليقات: