الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 17، 2026

هل تحتاج الديمقراطية إلى وزارة برأسين الثقافة والاتصال.. ؟ عبده حقي

 


في السياق الديمقراطي، لا ينبغي اختزال مسألة دمج وزارة الثقافة ووزارة الاتصال في سؤال تقني من نوع: «هل نوفر وزارة واحدة بدل وزارتين؟». المسألة الأساسية هي: هل يؤدي الدمج إلى خدمة عمومية أكثر كفاءة، أم إلى تركيز مفرط للسلطة على الثقافة والإعلام والتواصل الحكومي داخل جهاز سياسي واحد؟

وفي المغرب تحديدًا، يكتسب هذا السؤال بعدًا عمليًا لأن الثقافة والتواصل يوجدان بالفعل داخل وزارة الشباب والثقافة والتواصل، مع استمرار وجود هياكل إدارية متخصصة لكل قطاع؛ فقطاع الثقافة يتولى الكتاب والمكتبات والتراث والعمل الثقافي، بينما يتولى قطاع التواصل مجالات الاتصال العمومي والصحافة والإعلام السمعي البصري وغيرها. 

أول فائدة محتملة هي تقليل التشتت الإداري. فالثقافة والإعلام والصناعات الإبداعية والسينما والكتاب والمنصات الرقمية أصبحت مجالات مترابطة بشدة. عندما تكون هذه القطاعات داخل بنية حكومية واحدة، قد يصبح من الأسهل تنسيق السياسات والميزانيات والحملات والبرامج، بدل أن تعمل وزارتان متوازيتان بمنطقين مختلفين.

والفائدة الثانية هي إمكان بناء سياسة متكاملة للصناعات الثقافية والإبداعية. فالكتاب يحتاج إلى الإعلام كي يصل إلى القارئ، والسينما تحتاج إلى الترويج والمنصات والتوزيع، والتراث يحتاج إلى الاتصال الرقمي والسياحة الثقافية، والإنتاج الفني أصبح مرتبطًا بالألعاب الإلكترونية والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وجود هذه الاختصاصات ضمن بنية واحدة يمكن، نظريًا، أن يقلل الحواجز البيروقراطية بينها.

كما قد يسمح الدمج بتقليص بعض النفقات المكررة: الموارد البشرية، الإدارة المالية، المشتريات، الدراسات، التواصل، نظم المعلومات وبعض المصالح المشتركة. لكن هذا التوفير لا يكون حقيقيًا تلقائيًا؛ فإذا بقي لكل قطاع جهاز ضخم مستقل داخل الوزارة نفسها فلن يكون الدمج سوى تغيير في الاسم السياسي للوزارة.

هناك أيضًا مكسب محتمل يتعلق بالمواطن نفسه: نافذة حكومية أكثر وضوحًا. بدلاً من تنقل الصحفي أو الكاتب أو الناشر أو المنتج بين إدارات متفرقة للحصول على المعلومات أو الدعم أو التراخيص، يمكن نظريًا بناء خدمات رقمية وموحدة.

المشكلة تبدأ عندما نخلط بين ثلاثة أشياء مختلفة: الثقافة، والإعلام، والاتصال الحكومي.

الثقافة تحتاج إلى سياسة عامة ودعم وحماية للتراث وتشجيع للإبداع. الإعلام يحتاج قبل كل شيء إلى الحرية والتعددية والاستقلال التحريري. أما الاتصال الحكومي فمهمته شرح أعمال الحكومة وبرامجها وقراراتها.

هذه الوظائف ليست متطابقة.

ولهذا فإن جمعها سياسيًا تحت سلطة وزير واحد يمكن أن يخلق تضاربًا بنيويًا في المصالح: الجهاز الذي يشرح ويدافع عن السياسة الحكومية قد يصبح في الوقت نفسه طرفًا في تنظيم قطاع إعلامي يفترض أن يراقب الحكومة وينتقدها.

الدستور المغربي نفسه يضع هنا حدودًا مهمة؛ فالفصل 28 يضمن حرية الصحافة، ويقرر أن السلطات العمومية تعمل على تنظيم قطاع الصحافة بصورة مستقلة وعلى أسس ديمقراطية، كما يربط وسائل الاتصال العمومية بالتعددية اللغوية والثقافية والسياسية. 

ولهذا أيضًا توجد مؤسسة دستورية مستقلة هي الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، المكلفة، ضمن اختصاصاتها، بضمان حرية الاتصال السمعي البصري والتعددية والحق في الإعلام. 

إذن، المشكلة ليست وجود الثقافة والتواصل داخل الوزارة نفسها في حد ذاته، وإنما أين تنتهي سلطة الوزير وأين تبدأ استقلالية الإعلام والمؤسسات المنظمة له.

وزارة الاتصال، بطبيعتها، تتعامل مع الصورة العامة والسياسة الحكومية والتواصل المؤسساتي. والهيكل الرسمي الحالي لقطاع التواصل يتضمن بالفعل مديرية للتواصل والعلاقات مع الفاعلين الإعلاميين، وقسمًا للتواصل العمومي المؤسساتي، إضافة إلى مهام مرتبطة بمتابعة صورة المغرب وتوفير المعلومات العمومية. 

أما الثقافة فلها إيقاع آخر تمامًا. الكتاب والتراث والمسرح والموسيقى والمكتبات والفنون تحتاج إلى استراتيجيات تمتد لعقود، ولا ينبغي أن تتحول إلى أدوات للعلاقات العامة السياسية.

وهنا تظهر إحدى أكبر سلبيات الدمج: قد تصبح الأولويات الثقافية أقل وزنًا أمام الملفات الإعلامية اليومية والعاجلة، لأن الإعلام بطبيعته أكثر حضورًا في السياسة وأكثر إثارة للجدل وأكثر اتصالًا بصورة الحكومة.

في هذه الحالة تصبح الثقافة «الوزارة الهادئة» داخل الوزارة الكبرى، وتحصل ملفات الاتصال والصحافة والإعلام على الاهتمام السياسي الأكبر.

الدمج لا يعني بالضرورة إدارة أصغر.

قطاع الثقافة في المغرب يمتلك مديريات متخصصة في الكتاب والمكتبات والمحافظة على التراث وغيرها، وله امتداد جهوي؛ وفي المقابل يمتلك قطاع التواصل إدارات واختصاصات مختلفة تمامًا. 

لذلك يمكن أن تظهر «وزارة ضخمة» تضم عدة وزارات فعلية تحت سقف واحد، مع:

ازدواج في الكتابات العامة، وتداخل في الاختصاصات، وبطء في القرار، وصعوبة تقييم المسؤولية.

وعندما تقع مشكلة يصبح السؤال: من المسؤول؟ الوزير؟ قطاع الثقافة؟ قطاع التواصل؟ المؤسسة العمومية التابعة لهما؟

وهذا قد يضعف المساءلة بدل تعزيزها.

القضية الأكثر حساسية: الإعلام العمومي

هنا يجب رسم خط واضح جدًا.

التواصل الحكومي شيء، والإعلام العمومي شيء آخر.

الحكومة من حقها أن تمتلك جهازًا للتواصل يشرح مشاريعها ويقدم معطياتها ويعقد الندوات الصحفية.

أما القنوات والإذاعات العمومية فوظيفتها أوسع بكثير. يجب أن تخدم المجتمع، وأن تتيح التعددية، وأن تغطي الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، وأن تمارس الصحافة لا الدعاية.

وهذا ليس تفصيلاً نظريًا؛ فالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أكدت في قواعدها الخاصة بالفترات الانتخابية على الحرية التحريرية والاستقلال، وعلى التعددية والتوازن والحق في الإعلام. 

وتؤكد اليونسكو بدورها أن الإعلام الحر والمتعدد والمستقل عنصر أساسي في الديمقراطية لأنه يوفر للمواطنين المعلومات اللازمة للمشاركة الواعية في الحياة العامة. 

لذلك يصبح الدمج خطيرًا فقط إذا تحولت سلطة الوزارة على السياسات الإعلامية إلى سلطة على المضمون التحريري.

ما النموذج المؤسساتي الأكثر توازنًا؟

بدلاً من النقاش الثنائي: «وزارة واحدة أم وزارتان؟»، يمكن التفكير في نموذج أكثر دقة.

يمكن أن توجد وزارة واحدة للثقافة والتواصل لتحقيق التنسيق الإداري والاستراتيجي، لكن داخلها يجب الحفاظ على فصل مؤسساتي قوي بين الوظائف:

  • قطاع الثقافة يتمتع بميزانية وأهداف ومؤشرات أداء واضحة ومستقلة نسبيًا.
  • الاتصال الحكومي يقتصر على شرح السياسات العمومية وتوفير المعلومات.
  • تنظيم الإعلام لا يخضع لتقدير سياسي مباشر، بل لهيئات مستقلة يحميها القانون.
  • الإعلام العمومي يتمتع بضمانات تحريرية تمنع تحوله إلى جهاز حكومي.
  • دعم الصحافة والثقافة يخضع لمعايير معلنة وقابلة للتدقيق.
  • تقييم أداء الوزارة يتم على أساس ما يصل فعليًا إلى المواطن، وليس على عدد المهرجانات أو البلاغات الصحفية.

الفائدة الحقيقية للمواطن

إذا تحقق هذا الفصل، يمكن للدمج أن يمنح المواطن مكاسب ملموسة: خدمات ثقافية أكثر تكاملًا، وصولًا أسهل إلى المعلومات، إدارة أقل تعقيدًا، تنسيقًا أفضل بين الكتاب والسينما والإعلام والمنصات الرقمية، وإنفاقًا عموميًا أكثر قابلية للتتبع.

أما إذا غابت الضمانات، فقد ينتج العكس تمامًا: وزارة واحدة تمتلك نفوذًا متزامنًا على الدعم الثقافي، والسياسة الإعلامية، والتواصل الحكومي، وجزء من العلاقة مع وسائل الإعلام.

وعندها لا تكون المشكلة في الدمج الإداري نفسه، وإنما في تركيز الوظائف داخل السلطة التنفيذية.

لهذا أرى أن المعيار الأكثر فائدة لتحليل المسألة ليس عدد الوزارات، بل أربعة أسئلة: هل بقي الإعلام مستقلًا؟ هل أصبحت الثقافة أقرب إلى المواطن؟ هل انخفضت البيروقراطية فعلًا؟ وهل أصبح من الأسهل مساءلة المسؤولين عن المال العام والنتائج؟

إذا كانت الإجابات إيجابية، يستطيع الدمج أن يكون أداة لتحسين الخدمة العمومية. وإذا لم تكن كذلك، فقد يتحول إلى مجرد إعادة ترتيب للهيكل الحكومي من دون أثر حقيقي على حياة المواطن.

وبعبارة أكثر اختصارًا: الديمقراطية لا تحتاج بالضرورة إلى وزارتين للثقافة والاتصال، لكنها تحتاج بالتأكيد إلى فصل واضح بين من يصنع السياسة الحكومية، ومن يشرحها، ومن يمول الثقافة، ومن ينظم الإعلام، ومن يمارس الصحافة ويراقب السلطة.


0 التعليقات: