تبدأ حكاية البطاطس في الجزائر من مفارقة بسيطة. في مطلع أكتوبر، حددت وزارة التجارة الداخلية سعر بيع الكيلوغرام للمستهلك بين 80 و90 دينارًا. وفي الأسبوع الأول من نونبر، بلغ السعر 150 دينارًا في بعض الأسواق، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن طوابير في بعض نقاط البيع. وبين السعر الذي وعدت به التعليمة والسعر الذي وجده المواطن على الميزان، اتسعت مسافة دفع ثمنها من جيبه ووقته.
أتابع هذا المشهد من المغرب، وأعرف ما تعنيه البطاطس في مطبخ مغاربي. حين يرتفع ثمن اللحم، تستطيع الأسرة أن تقلل الكمية وتزيد من الخضر. وحين يضيق مصروف آخر الأسبوع، تكفي بضع حبات بطاطس لتدبير وجبة. لذلك فإن اضطراب سعرها يضرب واحدة من وسائل التكيف التي تعتمد عليها الأسر أصلًا لمواجهة الغلاء. ولعل هذا ما يفسر لماذا أثار غيابها عن بعض الرفوف كل ذلك التذمر، ولماذا صار السؤال عن مكان بيعها جزءًا من خبر اليوم.
السعر الرسمي أمام امتحان السوق
في عنابة، أفادت صحيفة «لو بروفنسيال» في الثالث من نونبر بأن العثور على البطاطس أصبح صعبًا لدى عدد من باعة الخضر، وأن من بقيت لديه كميات كان يبيع الكيلوغرام بما بين 130 و140 دينارًا. وبعد أيام، رصدت تغطيات أخرى بلوغ السعر 150 دينارًا في بعض نقاط البيع. وفي المقابل، أفادت تغطية صحفية بأن البطاطس ظلت متوافرة في أسواق جوارية بولاية معسكر بنحو 90 دينارًا. هذا التفاوت بين الأسواق يستحق الانتباه، لأنه يضع طريقة توزيع المعروض بين المناطق في صلب النقاش.
في تقديري، يتوقف نجاح تسقيف الأسعار على جواب عملي عن سؤال المستهلك. أين يستطيع شراء البطاطس بالسعر المعلن، وبأي كمية؟ فالسعر المحدد إداريًا يكتسب قيمته عندما يجد المواطن السلعة في متجر قريب ويستطيع شراء حاجته منها. أما إذا اضطر إلى زيارة أكثر من سوق، أو إلى الوقوف طويلًا أمام نقطة بيع توفرها بالسعر الرسمي، فإن جزءًا من كلفة الغلاء ينتقل من فاتورة الشراء إلى ساعات يومه.
من الحقل إلى رف البقال
تقدر تقارير صحفية الإنتاج السنوي للبطاطس في الجزائر بنحو 4.6 ملايين طن. ومع ذلك، تتعرض السوق لضغوط خلال الفترة الفاصلة بين موسمين، عندما يتراجع المعروض قبل وصول المحصول الجديد. وتحدث ممثل عن جمعية لحماية المستهلكين عن عوامل أخرى محتملة، من بينها ارتفاع كلفة البذور والأسمدة، وتعدد الوسطاء، والتخزين غير القانوني. وتظل معرفة وزن كل عامل رهينة ببيانات عن حجم المخزون، والكميات التي تصل يوميًا إلى أسواق الجملة، وتوزيعها بين الولايات.
أرى أن رقم الإنتاج السنوي يجيب عن سؤال واحد فقط. أما الأسرة التي تتسوق في أول نونبر فتعنيها أسئلة أقرب إلى حياتها. كم بقي من المحصول السابق في غرف التبريد؟ ومتى تُطرح تلك الكميات؟ وإلى أي أسواق تتجه؟ وقد أفادت تقارير محلية ببدء إخراج كميات مخزنة في عدد من الولايات لتعزيز العرض. وسيكون أثر هذه الخطوة قابلًا للقياس بمدى انتظام وصول البطاطس إلى الأحياء التي شهدت نقصًا، وبالسعر الذي يدفعه المستهلك هناك.
ما يقوله الطابور
تداول جزائريون على شبكات التواصل تعليقات ساخرة على ندرة البطاطس وغلائها. وأقرأ في هذه السخرية تعبيرًا عن ضيق يومي يعرفه كل من يضطر إلى إعادة حساب وجبة أو تغيير مسار يومه لشراء مادة أساسية. فالطابور الذي يظهر في مقطع قصير له امتداد خارج الصورة. وراءه شخص يؤجل عملًا، أو يترك مسؤولية في البيت، أو يحسب وهو ينتظر إن كانت الكمية ستكفي إلى أن يصل دوره.
ومن موقعي كصحفي مغربي، أجد أن احترام المواطن الجزائري يبدأ بأخذ شكواه على محمل الجد. من حقه أن يعرف أين تتوافر الكميات التي أُخرجت من المخازن، وما الفارق بين الأسعار التي ترصدها الإدارة وتلك التي يواجهها في حيه. ونشر هذه المعلومات بحسب الولاية والسوق يتيح للناس أن يحكموا على أثر التدخل الحكومي من واقع مشترياتهم.
قد يتراجع السعر مع وصول المحصول الجديد، وقد تقصر الطوابير مع انتظام التموين. لكن الاختبار الذي يستحق المتابعة يبدأ قبل الفترة الفاصلة بين الموسمين المقبلين. يومها سيظهر إن كانت الجهات المسؤولة قد استفادت من درس هذا الخريف. وسيعرف المواطن النتيجة بطريقته البسيطة، حين يخرج لشراء كيلوغرام من البطاطس ويعود إلى بيته في الوقت الذي اعتاده، وبالسعر الذي يستطيع دفعه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق