الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


الاثنين، أكتوبر 29، 2018

الأدب والرقمية أو عندما تخترع الكتابة مستقبلها. تحقيق للوندرو وكريستين فيرنيوت ترجمة – عبده حقي

تتزايد يوما بعد آخر أعداد هامة جدا من الكتاب والمؤلفين والناشرين الذين بدأوا ينسجمون مع هذه التقنية الجديدة التي ألقت بالحبر والورق وراء ظهرها إلى
دهاليز الماضي .
في هذا التحقيق الخاص سنكتشف بعض الكواليس عن أدب المستقبل : الأدب الرقمي .
آه .. آه لهذه الرائحة المميزة للورق أو بالأحرى للحبر ولملامسة اليد لغلاف الورق المقوى .. الترقيم الدقيق للأوراق لتسهيل العثور على الصفحة الصحيحة .. الملاحظات والتعليقات الموجزة بقلم الرصاص على الهامش .. المسودات المحفوظة بعناية قبل عملية النشر الأخيرة : أجل إنه الحنين الذي يغمرنا تأثيره العميق ..
بعض الكتاب اليوم ، الذين يشعرون بأنهم مهددون من طرف اجتياح الرقمية ، يعتقدون أن القارئ صار اليوم هو التجسيد الجديد " للشيطان" ويخشون مصطلح التجريد من المادية  dématérialisation " ، كما لو أن العالم بات على شفى النهاية.
في الشتاء الماضي ، عندما نُشرت روايته " الحرية " في صيغة كتاب الجيب ، عبَّر الكاتب الأمريكي جوناثان فرانزين عن عدم رضاه وثقته في الألواح الإلكترونية (التابليتات) ، مفضلاً الكتاب الورقي الذي يحمله في يده : " أستطيع أن أبلله – الكتاب - بالماء ، ومع ذلك سيظل يعمل وسوف يعمل لسنوات أخرى . وقلقنا هذا على اختفاء السند الورقي ، رمز الخلود يجعلنا نتساءل : "هل سوف تكون لأحفادنا شهية للقراءة على سند غير قابل للتغيير؟ "
في فرنسا أيضا ، ارتفعت كثير من الأصوات للتعبير عن توجسهم من المستقبل من بين هؤلاء فريدريك بيغبيدر ، الذي اعترف في تقييمه الأولي بعد "الكارثة"  ، من قبل أن يثير القضية في عديد من المقابلات مع وسائل الإعلام ، حيث تحدث عما سماه ب "الدراما" وقارن الوضع الحالي للكتاب ومتاجر بيع الكتب بصناعة الأسطوانات الموسيقية قبل اختفاء مصانع التسجيلات الصوتية .
بالنسبة لفرنسوا بون ، فالكتابة كانت دائمًا مرتبطة بالتقنية. وأن ما يتغير هو الجهاز فقط .
لكن الكتابة كانت دائما نوعا من التكنولوجيا ! يضيف فرانسوا بون في مقال له بعنوان "ما بعد الكتاب " ، لقد غيرنا فقط شكل جهاز الكتابة والقراءة . فرانسوا بون هذا الرائد الرقمي الذي ، منذ عام 1996 ، كان شغوفًا بهذه الأسانيد الجديدة ، وقد أنشأ موقعًا إلكترونيا عنوانه (third-book.net) ، قبل أن يصبح ناشرًا رقميًا ضمن جمعية من المؤلفين تسمى (publie.net) ، وهو ما يزال مواكبا دقيقا للتحولات الحالية في أسانيد النشر.
يصور فرانسوا بون هذا الراهن الدرامي قائلا : " وعلى النقيض من ذلك إذا كان الحديث عن التلفزيون الرقمي ، والموسيقى الرقمية بات أمرا عاديا ، فإن تحويل الكتاب إلى سند رقمي أصبح هو أيضا من الظواهر البارزة في مرحلتنا الانتقالية هذه ، وأنه من داخل استخداماتنا الجديدة للقراءة تولد أشكال خاصة التي لن تتكشف في خيالنا حتى نقوم  باختبارها ؟ "
قصيدة شعرية جيدة على هاتف الآيفون مع مطلع كل صباح جديد .
إنها حكاية تتطور باستمرار ، إنها كذلك حرية طارئة  ، وعلاقة أخرى بالعالم ، " مساحة جديدة للإبداع" ، كما يقول الكاتب والصحفي لور أدلر. مثل هذه التعبيرات وغيرها تأتي في كثير من الأحيان من أفواه المؤلفين المهتمين بهذه "الأسانيد الجديدة". ربح للوقت أولاً ، يقول الروائي ديديي دينينكس Didier Daeninckx,، الذي بدأ ، كالمعتاد ، في بحثه عن شخصية رئيسية ، في كتابه الأخير "مأدبة الجياع".
إن هذا العمل الأدبي الذي كان نوعا من غوص "الراهب" في الأرشيف أصبح اليوم مبسطًا إلى حد كبير: حيث أن  80٪ من مصادري استقيتها من مكتبة غاليكا الرقمية Gallica . في ثلاثة أشهر فقط أنهيت عملا كان في الماضي يستغرق عدة سنوات. إنه تقليص استثنائي وخارق للوقت ، وكل شيء يتحقق لي هناك ، في المنزل باستخدام الكمبيوتر. "
يقول بول فورل ، وهو عضو بارز في جماعة Oulipo ، "يمكن للكتاب الإلكتروني أن يمنح للقصة القصيرة والقصيدة الشعرية آفاق واسعة هذا فضلا عن دوره في تسهيل الأبحاث ، ويمكن للتكنولوجيا الرقمية أيضا إعادة إحياء عديد من الأشكال الأدبية والسردية التي لا تتماشى مع السند الورقي أو لم تعد طيعة له ، كما أن الناشرين سوف ينخرطون في ذلك ، كما يقول بول فورل ، وهو عضو بارز في جماعة (Oulipo 1) ومؤلف رواية بعنوان The Reader ، التي تصف حياة ناشر قديم قضى حياته غارقا في صمت الأوراق القديمة . وهاهو يواجه اليوم طفرة التقدم عندما يحس بوصول القراء عبر جسر شبكة الإنترنت إلى مكتبه.
هناك الكثير من السخرية في هذه الرواية ، وشيئا من التوجس من الإبداع الرقمي: " إن الكتاب الإلكتروني يمكن أن يمنح للقصيدة الشعرية إمكانية جديدة للتواصل ، يعتقد بول فورنيل . حيث بإمكاننا أن نتلقى كل صباح بواسطة تطبيق الاشتراك قصيدة جديدة على جهاز الآيفون ، والتي تقول لنا إننا لن نعتاد في المستقبل على قراءتها مثلما كنا سابقا في مترو الأنفاق ؟ وهو نفس المآل القادم حتما للقصص القصيرة والأخبار أيضا والتي من شأنها أن تجد كذلك مكانها في الآيفون بواسطة الاشتراك اليومي. "
ولاقتراح أعمال أدبية وجيزة في المجال الرقمي ، كان فرانسوا بون يجربها منذ عدة سنوات مع إصداراتpublie.net ، التي تنشر قصائد وتعرضها للقراءة ، ومجموعات من النصوص القصيرة ، وإعادة طبع أعمال قديمة ، والنصوص التي نشرها الناشرون التقليديون غيرأنها صارت غير متوفرة في سوق الكتب أو غير منشورة.
وفي الآونة الأخيرة ، قام كل من  نادين بايل Nadine Bayle وفليسي دوبوا Félicie Dubois بدورهما بإنشاء دار النشر الرقمية التي تسمى ، Emoticourt ، التي "تعطي أهمية خاصة للنصوص الأدبية القصيرة ". وإذا كان هذان الناشران يسعيان إلى إنشاء جماعة من المؤلفين تهتم بنشر القصص القصيرة ، فإن النشر في رأيهما على السند الرقمي يتمتع بميزة سرعة نشر النصوص الجديدة والتي لن تجد لها فرصة للنشر في دوائر الطبع الورقية الكلاسيكية . فهل بفضل الرقمية ، ستصبح الأشكال السردية القصيرة رائجًة مرة أخرى؟
المدونات ومواقع المؤلفين  ، في طليعة أسانيد النشر.
" ظواهر عديدة في عالم النشر ستتخد لها شكلا إلكترونيا ، يضيف بول فورنيل  . يمكن للمرء أن يتخيل قصيدة شعرية مثلا حيث يمكن للشاعر أن يضبط إيقاع القراءة ، كما فعل فاليري بودوان في أوليبوOulipo. هناك أيضًا حالة الأشكال السردية التفاعلية في بعض المدونات. أو بعض الإبداعات الأدبية الجماعية المشتركة بين المؤلفين ، حيث يتمم كاتب نصا ألفه زميله قبله ثم يحيله على كاتب ثالث وهكذا دواليك . هناك إذن مجالات لانهائية للبحث والحفر بهذا الصدد .
" إن جماعة الأوليبونيين  Oulipians لم تنتظر تطور الرقمية من أجل الاشتغال على الأشكال الأدبية الحديثة .. وإذا كتب جورج بيريك "الحياة، طريقة الاستعمال اليوم " فلأن الرقمية قد استهوته كثيرا من دون شك . أما بالنسبة لهيرفيه لي تيليرHervé Le Tellier  أحد أعضاء جماعة Oulipo أيضا، والذي ثمن هذا التلاقح بين الأجناس الأدبية حيث كان يكتب على منصة شبكة الإنترنت في موقع صحيفة لوموند الفرنسية ( lemonde.fr) وكان حريصا على الاحتفاظ بأعماله الشعرية على السند الورقي . لأنه في رأيه " النشر على السند الورقي يتيح للمؤلف إمكانية اختيار إعداد الصفحات ونوع الطباعة ومقاييسها . بينما على شبكة الإنترنت فالقارئ قد يتدخل أحيانا في النص وقد يبعثر نظام خطاطته السردية . "
من بين الأشكال الجديدة التي تولدت عن تأثير الرقمية في عالم الكتّاب ، المدونات ومواقع المؤلفين (حيث يمكن للكاتب ، بفضل وسيط مدونته ، أن يقترح على سبيل المثال نصوصا قصصية أو شعرية قصيرة ، أو صورا فوتوغرافية ، أو تقاريره الخاصة ... وإلى يومنا هذا فهؤلاء من دون شك هم الفائزون بالدرجة الأولى في هذا الفضاء الهائل للإبداع الذي أتاحته شبكة الإنترنت لنشر وقراءة أعمال أدبية رقمية أعدادها تعرف تصاعدا مستمرا.  يقول إيف باجي Yves Pagès عن الإنترنت " إنني أشتغل في ورش مفتوح " و يضيف إيف باجي وهو محرر "تقليدي" و مسؤول عن "الطبعات العمودية": "بعض نصوصي صارت كتبا ورقية ، والبعض الآخر منها غير مؤهل لذلك على موقعي (archyves.net) ، هناك صور وأصوات لكن لا وجود لمسودات: " الكل يمكث في جهازالكمبيوتر الخاص بي. "
بالنسبة لمؤلفي المحتوى الرقمي ، لم تعد شبكة الإنترنت مجرد واجهة للعرض أو "منتج لجاذبية ما " أو لمنشور رهن الإعداد . يقول إيف باجيس: "إنها طريقة لكي أحدد موعدا مع نفسي ، وطريقة تدفعني للكتابة ".. وهو نفس الرأي بالنسبة للروائي إيريك تشيفيلار Eric Chevillard ، صاحب مدونة (l-autofictif.over-blog.com) والذي يستخدم مفهوم "العمل المباشر" للتعبير عن ممارساته اليومية السريعة والمثيرة على الشبكة العنكبوتية .
تغيير فعل القراءة وتفجيرها.
لقد استثمر الكثير من الناس اليوم شبكة الإنترنت للتعبير عن غضبهم ، ومشاعرهم ، ولكن في بعض الأحيان كذلك "لصناعة " كتبهم.  هكذا ف"كلوي دولوم" ( Chloé Delaume) ، الذي مازال يحتفظ بكتاباته على مدونة شخصية بمثابة صحيفة يومياته الخاصة . أما بالنسبة ل"مارتن فينكلر ( Martin Winckler ) ، الذي يجمع في بروفايله بين الكاتب والطبيب وعاشق المسلسلات التلفزيونية فقد أنشأ مدونة وموقعا على شبكة الانترنت وموقع ويب زين webzine، حيث نجد أعمالا خيالية رائعة ومتفردة ، ومساهماته الخارجية وأيضا مقالات في مجال التطبيب . بعض الأعمال قد تم إنتاجها من خلال هذه الممارسة المنتظمة يوميا على شبكة الإنترنت ستؤول من دون شك في نهاية الأمر إلى كتب ورقية.
في كل سنة ، يقوم إيريك شيفيلارد بنشر كامل لآخر أعماله التي كتبها في مدونته على مدى عام كامل تحت عنوان L'Autofictif . وهناك أعمال أخرى لم ينشرها على السند الورقي . على سبيل المثال ، الأعمال التي تربط النص برسومات توضيحية أو صور فوتوغرافية . يقول إيف باغيس: "إن شبكة الإنترنت تتلاءم أكثر مع هذا النوع من الإبداع الأدبي ويمكنها الوصول إلى عديد من المتلقين الذين ليسوا بالضرورة مهتمين بالمجال الأدبي".
في الولايات المتحدة الأمريكية ، تعرف ألواح القراءة الإلكترونية (تابليتات) نجاحا هائلا.. وعديد من الكتاب الذين رفضتهم دور النشر التقليدية وجدوا أخيرا سندهم على شبكة الإنترنت، وحققوا أحلامهم في تصدر قوائم أفضل الكتب مبيعا.
في فرنسا ، لا يزال عدد الروائيين الرقميين نادر جدا . في متجر iBookstore ، أو متجر Kindle أوFnac.com يبدو ذلك واضحا ، نشر قصص الخيال العلمي حيث تتراوح أسعار الكتب التي تم نشرها بشكل عام بين 2.99 يورو و 9.99 يورو ، ولكن في بعض الأحيان تصل إلى  99 سنتًا فقط. وإذا فضل المؤلف بيع كتابه بنفسه ، من خلال موقعه الخاص ، فإنه يحقق نسبة 100٪ من الأرباح ؛ أما إذا نشر أعماله  عبر منصة تجارية مثل Amazon ، فهو يحصل فقط على 30٪ من أرباح المبيعات. مثال على ذلك : ديفيد فورست (اسم مستعار لكاتب فرنسي) الذي ينشر كتبه بنفسه ولديه رواية بوليسية مسلسلة بعنوان "من يوميات قاتل " ، وزعت عبر مواقع البيع مثل أمازون، و iTunesو Fnac.com. ارتفع سعر البيع في البداية إلى  3.99 يورو ، ثم انخفض إلى 2.99 يورو وقد باع فورست أكثر من 20000 نسخة من كتابه.
هل هناك فرص هائلة ونفس جديد للحرية ، أم أن هذا ليس إلا انفجار خطيرا طارئا ؟ "يجب علينا التفكير في بعض التحولات على مستوى قانون الملكية الفكرية" في مجال إنتاجات  الآدباء ، الذين يتبنى جلهم موقفا متفتحا، لكنهم لا يزالون حذرين إزاء غياب التفكير في طرق ما للتعويض المادي عن إبداعاتهم الأدبية .
(1) يمثل الكتاب الرقمي ، في الولايات المتحدة ، في عام 2010 ، حوالي 8.5 ٪ من سوق الكتاب ، ومن المرتقب أن تصل هذه النسبة إلى 20 إلى 25 ٪ في عام 2015 ؛ 
أما في فرنسا ، فتشكل أقل من 1 ٪ من سوق النشر حسب مسح أنجزته وزارة الاقتصاد الفرنسية سنة 2010).
  
Enquête
Littérature et numérique : quand l'écrit invente son avenir

Christine Ferniot et Marine Landrot 

0 التعليقات: