يشهد العالم اليوم موجة متسارعة من التحولات في مجال الأدب الرقمي، سواء على المستوى العالمي أو في الساحة العربية، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الإبداع الأدبي لتصوغ ملامح جيل جديد من النصوص التفاعلية واللغات المتعددة، في وقت يتصاعد فيه النقاش حول حدود الأصالة بين الكاتب والآلة.
في العالم الغربي، أطلقت المملكة المتحدة مؤخرًا مبادرة غير مسبوقة تحت اسم “الأدب العضوي – Organic Literature”، تهدف إلى تمييز الكتب التي كتبها البشر بالكامل عن تلك التي تولدها نماذج الذكاء الاصطناعي. وتأتي هذه الخطوة في ظل القلق المتزايد من هيمنة النصوص الاصطناعية على فضاءات النشر، وما تثيره من تساؤلات حول فقدان الحس الإنساني في الأدب. كما تعمل منصات مثل GlobeScribe وAilaysa على تسريع وتوسيع حركة الترجمة الرقمية للأعمال الأدبية، ما يتيح نقل النصوص عبر اللغات والثقافات بسرعة غير مسبوقة، ويعزز من فكرة “الأدب العالمي الفوري” الذي يتخطى حدود الزمن والمكان.
وفي الصين، تتجسد التجربة الأبرز للأدب الرقمي من حيث الحجم والتأثير، إذ تجاوز عدد مستخدميه الداخليين 575 مليون قارئ في سنة 2024، بينما بلغ عدد القراء الأجانب أكثر من 350 مليونًا. وقد تحولت العديد من النصوص الرقمية الصينية إلى أعمال درامية وألعاب وسائط متعددة، لتصبح بذلك الأدب الرقمي أداة رئيسية في تصدير الثقافة الصينية عالميًا.
وفي السياق ذاته، ظهرت دراسات متقدمة تُحلّل “بصمة الذكاء الاصطناعي” في اللغة العربية، كان أبرزها بحث بعنوان “The Arabic AI Fingerprint”، الذي كشف عن إمكانية التمييز بين النصوص البشرية والنصوص المنتجة آليًا عبر أنماط لغوية دقيقة. هذه الأبحاث تفتح آفاقًا واسعة أمام المؤسسات الأكاديمية ودور النشر العربية لضبط جودة الإنتاج الأدبي في عصر النصوص المولدة آليًا.
أما في العالم العربي، فيبدو المشهد في طور التحول والتجريب. فقد أطلقت مبادرة “أصوات عربية” مشروعًا طموحًا لتوسيع تمثيل الأدب العربي المعاصر عالميًا، بعد أن كانت مقتصرة على الأدب المصري، لتشمل كتابًا من المغرب وتونس ولبنان والخليج، بهدف نقل النص العربي إلى فضاءات النشر الدولية.
وفي المقابل، تتواصل النقاشات الفكرية حول ماهية الأدب الرقمي العربي وحدود تفاعله مع القارئ. الكاتب محمد سناجلة، أحد رواد هذا المجال، يرى أن القارئ الحديث لم يعد “قارئًا” بالمعنى التقليدي، بل صار “متصفحًا” يتفاعل مع النص عبر الصورة والصوت والحركة، مما يحوّل القراءة إلى تجربة متعددة الحواس. ومع ذلك، يشير عدد من النقاد إلى أن الإنتاج العربي في الأدب الرقمي لا يزال محدودًا من حيث العمق التقني والتجريبي، وأنه لم يحقق بعد طفرة نوعية تماثل ما يحدث في الغرب أو شرق آسيا.
وقد احتلت الرقمنة موقعًا بارزًا في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025، حيث خُصصت جلسات لمناقشة الذكاء الاصطناعي ومستقبل النشر الرقمي، بمشاركة مؤلفين وناشرين عرب ناقشوا سبل التوفيق بين حماية الإبداع الإنساني واستثمار الأدوات التكنولوجية الحديثة.
كل هذه التحولات تشير إلى أن الأدب الرقمي لم يعد ظاهرة هامشية أو تقنية عابرة، بل أصبح مكونًا أساسيًا في مشهد الثقافة العالمية والعربية. إنه أدب يعيش بين الإنسان والآلة، بين الورق والبرمجيات، وبين الأصالة والتوليد الآلي، في رحلة معقدة نحو صياغة هوية جديدة للنص الأدبي في القرن الحادي والعشرين.








0 التعليقات:
إرسال تعليق